لو أن الأمم المتحدة تفكر بمنطق تعزيز دورها في لبنان، بدلاً من التفكير في كيفية تقليصه، لكانت وفّرت علينا وعليها عناء المواجهات الدبلوماسية المتكررة معها. ومن المعروف ان لبنان هو من مؤسسي الأمم المتحدة، واللبناني شارل مالك هو واحد من ثلاثة صاغوا شرعتها، ولا يرتاح اللبنانيون الى أي خلاف مع هذه المرجعية الأممية، وهم يدركون ان وجود القوات الدولية على الحدود مع اسرائيل هو وجود رمزي يتجاوز حجم العدد الى حجم الدور. ولا يهتم لبنان لتخفيض عديد قوات الطواريء الدولية على ارضه بقدر ما يهتم لتقليص دور الأمم المتحدة في الصراع اللبناني ـ الاسرائيلي. والوطن الصغير يعوّل كثيرا على الدور الأممي لاستكمال حل ما تبقى من نزاعاته مع اسرائيل. وإذا كان لدى الأمم المتحدة «حل ما» يؤدي على الفور الى تحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية، واستعادة مزارع شبعا، ومنع توطين الفلسطينيين فيه لمجرد وقف أعمال «حزب الله» وإرسال الجيش اللبناني الى الشريط الحدودي، فإن لبنان لن يتردد لحظة في الأخذ بمثل هذا الحل. لكن ما هو مطروح على الحكم اللبناني هو إرسال الجيش اللبناني الى الشريط الحدودي، والقبول الضمني بسلام غير معلن مع اسرائيل من دون حل مشاكل الأرض والأسرى واللاجئين. وطالما ان هذا «الحل» غير موجود ولم يتم ابتكاره بعد، فإن لبنان باق على تخوفه من أن يؤدي خدمة مجانية لإسرائيل لم يفلح احتلالها له من الحصول عليها. ويزيد في قلق اللبنانيين ان الامم المتحدة تتصرف وكأن اسرائيل لم تعد تشكل خطراً على لبنان، علماً بأن الانتهاكات الاسرائيلية مستمرة يومياً والتهديدات تتلاحق بمناسبة وغير مناسبة. ابان الاحتلال الاسرائيلي كان لبنان يطالب برفع عدد القوات الدولية على ارضه وتعديل طبيعة مهامها من «قوة حفظ السلام» الى «قوة رادعة» لاسرائيل، ولم يكن يلقى آذانا صاغية في مجلس الأمن الدولي. أما بعد زوال الاحتلال الاسرائيلي واستمراره فقط في «جيب» مزارع شبعا، فإن لبنان يطالب الأمم المتحدة بأن تستعيد له هذا «الجيب»، لكن المرجعية الأممية تبحث عن وسيلة للتهرب من واجباتها عن طريق اصدار قرارات تخفيض عديد قواتها وتحويل دورها من «قوة حفظ سلام» الى «قوة مراقبة». ولا يفهم لبنان هذا الأمر إلا وسيلة للضغط عليه لوقف عمليات المقاومة وإرسال الجيش الى الحدود، وقد بات واضحا ان منح المساعدات الاقتصادية للبنان لإعادة بنائه يتوقف ايضاً على تلبية الحكومة اللبنانية لهذين الشرطين، وكأنهما «حاجة دولية» وهما في الواقع «حاجة اسرائيلية». أما الحكم اللبناني، ومعه معظم اللبنانيين، فقد عقد العزم على عدم إحقاق هذه «الحاجة الاسرائيلية»، وهو مصمم على مطالبة الأمم المتحدة بتعزيز دورها في الشرق الأوسط بدلاً من تقليصه، وزيادة عدد قوات الطواريء الدولية بدلاً من تخفيضها. وأول موجبات الأمم المتحدة ألا تتخلى عن دورها في الصراع اللبناني ـ الاسرائيلي والعمل على تسوية تتوافق والقرارات الصادرة عنها. ومجال حركة الأمم المتحدة واسع. فهي قادرة على العمل مع «حزب الله» واسرائيل بقصد تسوية موضوع الاسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية. وهي مؤهلة للعمل مع لبنان وسوريا واسرائيل بقصد اعادة مزارع شبعا الى لبنان بمعزل عما اذا كانت هذه المزارع تندرج في اطار القرار 425 أو القرار 242. فالأمم المتحدة معنية بهذين القرارين ويمكنها، انطلاقا من هذه المزارع، ان تدير مفاوضات لاستكمال تنفيذ القرار 425، والتأسيس لبداية تنفيذ القرار 242. وتمسي مزارع شبعا حلاً عوض ان تكون عقدة. أما المحور الثالث الذي يمكن ان ترعاه الأمم المتحدة، وهو الأهم بالنسبة للبنان، فإنه يتمثل بحل مشكلة الوجود الفلسطيني فيه بحيث ينشط أمين عام الأمم المتحدة لتطبيق القرار الدولي 194 بضمان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم. عبر هذه الحركة المتعددة الأوجه تكون الأمم المتحدة قد قامت بممارسة دورها الطبيعي في تطبيق قراراتها وبناء السلام في الشرق الأوسط. بقلم: كريم بقرادوني