عانى الأردنيون من التضخم المفاجيء ثلاث مرات في تاريخهم الحديث. الأولى كانت بعد عام 1972، بعد تخفيض قيمة الدينار الأردني بنسبة 14% تمشياً مع الدولار وعانى الأردن بسبب ذلك من تضخم وصل الى 12%، وهي أول مرة يصل فيها ارتفاع تكاليف المعيشة في سنة واحدة الى نسبة من رقمين.. وأما الثانية فكانت عام 1989، أي مباشرة بعد انخفاض قيمة الدينار الأردني في عامي 1988 و1989 بسبب نقص الرصيد الاحتياطي من العملات الاجنبية وبسبب انخفاض قيمة العملة، كان لابد للاسعار ان تقفز قفزة كبيرة تفوق نسبة الـ 20%، وأما المرة الثالثة، فكانت مباشرة بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، والتي نجمت هذه المرة ليس عن التقلب في سعر صرف الدينار الأردني، وانما عن ارتفاع تكاليف المعيشة الذي نجم عن زيادة الطلب بسبب عودة اكثر من ثلاثمئة الف اردني من دول الخليج ليستقروا في الأردن ثانية. وبسبب ما حدث عامي 1972، و1989، صار الأردنيون يبنون موقفهم من الوضع الاقتصادي الأردني باستقرار سعر صرف الدينار. ولا شيء يخيف الاردنيين مثل خوفهم من اي هبوط في سعر صرف الدينار حيال العملات الاجنبية الاخرى، وبخاصة الدولار، والاسترليني، والمارك، وعملات دول الخليج. ولهذا، فإن الذين لا يريدون للاقتصاد الأردني خيراً، او الذين يخشون ان يكرر التاريخ نفسه، يبادرون الى بث الاشاعة بأن سعر الصرف للدينار سوف يتراجع، وبالطبع، فإن مثل هذه الاشاعة الضارة قد تؤدي الى خلق مضاربة شديدة على الدينار تحول الاشاعة الى نبوءة محققة لذاتها. وهذا ما حصل عامي 1988 و1989، وبقي محفوراً في اذهان الكثيرين. وقد ارتبط هبوط سعر الدينار عام 1989 بظروف قاسية، أولها انتهاء المساعدات التي كانت تقدم للأردن بموجب قرارات قمة بغداد عام 1979. والثانية ارتفاع مديونية الاردن الى 8.3 مليارات دولار، أو ما يساوي في ذلك الوقت اكثر من ضعف الناتج المحلي الاجمالي. والثالثة ارتفاع هبوط الاحتياطي الاجنبي لدى البنك المركزي الى اقل من عدد من ملايين الدولارات، والتي بالكاد تكفي لتغطية مستوردات الاردن السلعية لمدة 10 أيام في ذلك الوقت. وقد حرصت الحكومات الاردنية على تجنيب الاقتصاد الاردني تلك التجربة اللعينة. فصار البنك المركزي يجمع الاحتياطي الأجنبي بكل الوسائل، ومنها رفع اسعار الفوائد على الدينار لزيادة الادخار و تقليل الانفاق، ومنها شفط السيولة من السوق الاردنية بواسطة اصدار شهادات ايداع تصل الفائدة عليها الى 9.5% في الوقت الذي كان فيه سعر الفائدة المقبوض على الدولار لا يتجاوز 5 ـ 6% فقط. وكذلك، ينشط الأردن في جذب الاستثمارات الاجنبية عن طريق التخاصية، وتجمع للأردن عن هذا الطريق اكثر من 1.8 مليار دولار، استخدم جزء منه لشراء ديون تجارية بتخفيضات كبيرة. وهكذا دفع الأردنيون ثمناً باهظاً للحفاظ على استقرار الدينار، وضحوا بمعدلات نمو عالية من اجل الا يفجعوا ثانية بمعدل تضخم مرتفع. ويوجد لدى البنك المركزي رصيد وافر من العملات الاجنبية يكفي لتغطية المستوردات السلعية لمدة ثمانية اشهر على الاقل. ومما يجدر ذكره هنا ان الدينار مربوط بالدولار، وقد ادى هذا الى رفع قيمة الدينار مقابل بعض العملات الرئيسية مثل الين الياباني، والمارك الألماني، واليورو، وغيرها من العملات الصعبة. وينادي البعض ان الوقت قد حان لتحرير ارتباط الدينار مع الدولار، وربطه بسلة عملات لمنحه مرونة تخفف العبء عن اسعار الفائدة. ولكن بعض المحللين، مثل د. فهد الفانك، يرفضون هذا الأمر بحجة ان الدينار ليس بحاجة الى تلك المرونة. ولكن الدكتور الفانك غفل عن الانتباه ان الدولار نفسه يمكن ان يشهد تراجعاً مقابل العملات الاجنبية الاخرى. وهذا ما حصل للدولار عام 1972 وللدينار ايضا. ولكن المهم هو التذكر بأن الدينار مستقر الى درجة عالية، ومن الصعب ان يرى المحلل المتبصر أي ظروف طارئة يمكن ان تؤثر على صلابته. بقلم: د.جواد العناني