أخذت قضية الصحراء الغربية ابعاداً كثيرة تداخلت معها المصالح المتشابكة، فتوترت العلاقة المغربية ـ الجزائرية، وأثرت هذه القضية كثيراً على توجهات السياسة المغربية. ولعل المشروع الأخير الذي قدمه جيمس بيكر في إطار مساعي الأمم المتحدة لحل هذه القضية، والذي تبناه كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، هو آخر ما تفتقت عنه الذهنية الغربية من حلول. وقبل الخوض في المشروع الأمريكي ومواقف الأطراف المعنية بالصحراء ينبغي ان نطل بوضوح على جبهة البوليساريو ووضع سكان الصحراء الغربية. نشأت البوليساريو كحركة تمرد اتخذت من موريتانيا قاعدة لها في محاربة الاستعمار الاسباني الذي كان محتلاً للصحراء الغربية. وبعد انسحاب الاسبان تم تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا، وعاودت البوليساريو الظهور كجبهة عام 1976 لتحارب المغرب من أجل الاستقلال، وعام 1979 عقدت سلاماً مع موريتانيا ونقلت قاعدتها للجزائر التي تزودها بالمال والسلاح والمساعدات العسكرية. ويشار إلى أن ثلثي الصحراء تحت السيادة المغربية منذ انسحاب اسبانيا عام 1975. تقع الصحراء الغربية محاذية لحدود المثلث المغربي العربي (الجزائر، موريتانيا، المغرب) وتحتل زاوية في شمال أفريقيا تفتح شواطئها بامتداد على شمال المحيط الأطلسي. وتبلغ مجمل مساحتها 266 ألف كيلومتر مربع، وهي أرض صحراوية ممتدة لا يقطعها أي مانع طبيعي أو حتى نهر، ومصادرها الطبيعية هي الفوسفات والحديد، ولسخرية القدر فإن هذا الموقع الاستراتيجي في الشمال الأقصى الأفريقي والمفتاح الاستراتيجي لطرق المواصلات والاتصال ليست فيه بقعة أرض مزروعة سوى بعض الواحات المتناثرة هنا وهناك، ويشكل الرعي نسبة 19% من نشاط سكانه. فلا أرض مزروعة ولا إنتاج حيواني أو نباتي، لا غابات أو حقول أو مزارع.. أرض محض قاحلة إلا من قعقعة السلاح وضجيج الحروب، يبلغ تعداد سكانها 244.943 نسمة في احصاء 2000. والصحراويون لا جنسية لهم وتنحصر أعراقهم بين العرب والبربر ويدينون جميعاً بالإسلام، لا عاصمة لهم، لا منشآت مدنية أوعسكرية، يدرسون في المغرب ويعيشون تحت سيادته، ولذا يمكن ملاحظة انه ليس لديهم مقومات دولة، معظم غذائهم يستورد وميزانيتهم تعتمد على الميزانية المغربية ما عدا الدعم الذي تحصل عليه البوليساريو من الجزائر، ويمكن ملاحظة ان العملة المتداولة فيها هي الدرهم المغربي. على انه يوجد آلاف اللاجئين الصحراويين الذين لجأوا الى الجزائر وموريتانيا بسبب أزمة الصحراء المغربية. واجهت جبهة البوليساريو فشلاً أجمل السياسيون أسبابه بما يلي: ـ ان هذه الجبهة أصبحت عبئا مالياً وسياسياً على القوى التي دعمتها مثلما أصبحت عالة على ذاتها أيضاً. ـ حولت البوليساريو أموال الدعم الى ما يخدم قارب سياسييها الخاص فقد باعت الجبهة مواد الإعانات والمساعدات في أسواق أفريقيا. ـ فرّ العديد من ناشطيها تاركين مخيمات تندوف باتجاه المملكة المغربية بعد مسلسل الإصلاح والدعم الذي طال مناطق الصحراء الغربية والذي خصص له المغرب ميزانية خاصة اقتطعها من ميزانيته العامة، وهو أمر جعل الصحراويين أو لنقل ثلثيهم ينتمون راغبين للمغرب. ـ تغير الظروف الإقليمية ومنها تغير السياسات المغربية والجزائرية، وكذلك تغير الظروف الدولية مما أفرز واقعاً جديداً أصبح لابد فيه للبوليساريو من ان تضمحل. ـ سببت جماعات البربر ممن لجأوا للجزائر من البوليساريو اضطراباً أمنياً في الجزائر أعادت بموجبه الجزائر النظر في موقفها من القضية برمتها. ـ أصبحت البوليساريو لا تمثل إلا جزءاً صغيراً جداً من مواطني الأقاليم الصحراوية. ـ دخول جبهة البوليساريو في أحلاف معادية للمغرب العربي برمته فطن إليه الجزائر والمغرب وموريتانيا معاً. ـ ربما قاد ذلك الى إعلان فتح الحدود من جديد وتطبيع العلاقات المغربية ـ الجزائرية. هذه الأسباب وغيرها أدت الى انهيار البوليساريو وتصدعه الداخلي، وأشرت بداية تلاشيه في ذهنية التاريخ والجغرافيا، وربما هذا ما دعا الجبهة الى إعلان انها مازالت موجودة عندما هددت بضرب الرالي الفرنسي الذي يمر بالصحراء مطلع هذا العام، رغم أن الجميع يعرف انها لن تستطيع الضرب، فكيف تطورت الأوضاع في المغرب والجزائر وأفضت الى مآل البوليساريو لهذا الانزياح السياسي. أجندة توازن منذ شهر ديسمبر 1999 حتى يوليو 2000 عرفت السياسة الخارجية المغربية تطورات عديدة مهمة تمثلت أهم عناصرها في خلق توازن في أجندة السياسة الخارجية على المستوى العالمي، وهو أمر حاول خلق انسجام بين المؤسسة الملكية والجهاز الحكومي. ارتهن الوضع المغربي بالفضاءين الأوروبي والأمريكي بشكل متزايد سيما بعد زيارة العاهل المغربي لكل من فرنسا (مارس 2000) والولايات المتحدة الأمريكية (يونيو 2000)، مما رسم هذه السياسة الخارجية وحدد عدة أهداف لها منها: ـ السعي لجلب استثمارات خارجية وتحويل الديون الخارجية الى استثمارات محلية. ـ دفع الموقف الدولي الى الحياد بخصوص قضية الصحراء المغربية وتفهم المغرب لها. ـ تقوية الموقع التفاوضي للمغرب أمام المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، مع محاولة خلق صورة واضحة لترابط وثيق بين الملك الجديد والقوى الدولية. شهد المغرب في هذه الفترة تنافساً مركزاً فرنسياً ـ أمريكياً ـ واسبانياً بدرجة أقل، مما أفرز موقفاً موحداً تقريباً بين فرنسا وأمريكا حول مشكلة الصحراء المغربية. إلا أن اسبانيا بقيت تستغل القضية كورقة ضغط في اطار علاقتها بالمغرب خاصة بعد انتهاء العمل باتفاقية الصيد البحري، فقد كان واضحاً الدور الاسباني وراء تأجيج البوليساريو وتأزيم المنطقة. وبالطبع فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تترك فرصة للقوى الأخرى لتهديم بنائها الاستراتيجي في المنطقة فدفعت بجيمس بيكر إلى خضم الأزمة متأبطاً مشروعه الذي تبناه عنان ورحبت به المغرب ودعيت الجزائر للتعاون معه بدفع أمريكي دولي. ولعل الوضع الذي تمر به الجزائر من تأزم داخلي وخارجي على مختلف الأصعدة، إضافة الى احساس الجزائر بضرورة التقارب الأمني مع المغرب، جعل التوقعات تذهب الى تغير جذري في مواقف الجزائر بخصوص المشكلة الصحراوية. لقد كان واضحاً في كل التغيرات التي طرأت على السلوك السياسي الدولي تجاه القضية أن هناك إرادة أمريكية ـ غربية لتجاوز الخطة الاستفتائية التي كان قد أقرها مجلس الأمن في عام 1992 والتي بات أكيداً صعوبة تطبيقها. ذهبت سياسة أمريكا لاقرار حل سياسي، قد يطول التفاوض عليه لسنوات مقبلة، يحقق الرغبة الغربية والأمريكية على وجه الخصوص في توظيف النزاع، للتدخل في شئون المنطقة وربطها بمشاريع الإلحاق والتبعية. ورغم ان جبهة البوليساريو كانت ضد هذا الحل السياسي وهددت بالخروج على اتفاق وقف اطلاق النار والعودة للعمل المسلح، الا ان هذا التهديد لا يعدو كونه عبارة عن مزايدات اعلامية هدفها احراج المغرب والقوى المساندة له، فما هي المبادرة الأمريكية أو الحل الأمريكي؟ بيكر وصحراء المغرب انطلقت وساطة جيمس بيكر في ابريل الماضي عندما زار منطقة الصحراء الغربية وأعلن عن احتمال البحث عن أساليب جديدة تؤدي لحل النزاع بشكل عادل وشامل مع الابقاء على خيار الاستفتاء مطروحاً، وأدى ذلك الى تصلب الطرفين بخصوص مواقفهما من القضايا الخلافية في الخطة الاستفتائية والى نضوج شروط تبني الأمم المتحدة لمشروع حل سياسي وسط. تحكمت في ظهور هذه المبادرة خلفيات متعددة يمكن اجمالها في نقطتين: ـ الأولى: امتصاص الضغوط الخارجية والأممية العاملة على دفع المغرب للقبول بالنتائج الأولية لتحديد الهوية، وهو قد يؤدي الى الدخول في صدام مفتوح مع المنظومة الدولية. ـ الثانية: الحفاظ على علاقات المغرب المتحسنة مع كل من امريكا وفرنسا وعدم دفعها للتوتر بل وإتاحة الفرصة لكلا الدولتين بالتحرك لصالح المغرب الأمر الذي سيشجع على تسويق المبادرة الأمريكية خاصة مع وجود رغبة بعدم ارباك سير عهد الملك محمد السادس وتفجير مشكلة جديدة له قد تخلق حالة من اللا استقرار في المنطقة. يؤشر ذلك الى توجه المغرب للتكيف مع المنطق الغربي الجديد في تدبير نزاع الصحراء وهو منطق ذكرت مصادر كثيرة انه يقوم على ضرورة الوصول الى حل وسط يحافظ معه على السيادة المغربية على الصحراء وفي الوقت نفسه يوفر مخرجاً معقولاً للبوليساريو وللمغرب معاً. يستند جوهر الحل أو المشروع الأمريكي الذي سمي بمشروع أو مبادرة بيكر إلى دفع المغرب لتبني مقترح يفضي إلى حكم ذاتي فعلي وفي المقابل يضغط على الجزائر والبوليساريو لقبول هذا العرض، مع التحرك لضمان تزكية مجلس الأمن له، وقد لقي الضغط الأمريكي استجابة كانت نسبتها جيدة مع صعوبة حل النزاع وتشابكه. تأسيساً على ذلك قدم بيكر مشروع اتفاق / اطار للحكم الذاتي تبناه عنان ودعمه في مجلس الأمن بقراره في29 يونيو 2001 ليكون أرضية اجراء مشاورات اضافية بين الأطراف ينجم عنها تحديد مركز الصحراء الغربية في المستقبل. مبادرة بيكر التي نشرتها وسائل الإعلام وذكرتها مصادر متنوعة وكثيرة تضمنت مجموعة عناصر أبرزها: ـ أولاً: تمكين سكان الصحراء الغربية من ممارسة السلطة الكلية في قضايا الحكم المحلي والميزانية والضرائب والأمن الداخلي والخدمات الاجتماعية والتعليمية، وكذا الجوانب التجارية والزراعية والمعادن والصيد البحري والصناعة والبيئة وذلك من خلال ثلاثة أجهزة: أـ سلطة تشريعية ب ـ هيئة تنفيذية تفرزها انتخابات مباشرة يشارك فيها الأشخاص الذي سبق للجنة تحديد هويتهم «حصرهم» في ديسمبر 1999 ويقدر عددهم بحوالي 48 ألفاً، ورفض أي طعن أو اعتراض في أفراد الهيئة الناخبة، وتنتخب الهيئة التنفيذية لمدة أربع سنوات، بعدها يقع افرازها مباشرة من الجمعية التشريعية. جـ ـ هيئة قضائية موازية ستكون المحاكم المرجع في ما يتعلق بالقانون الاقليمي. ـ ثانياً: تبقى للحكومة المركزية في الرباط اختصاصات العلاقات الخارجية بما فيها، والاتفاقيات الخارجية، والأمن الوطني والدفاع الخارجي وتعيين الحدود وحمايتها والمسائل المتعلقة بالأسلحة من حيازة وبيع وانتاج واستخدام، والحفاظ على السلامة الاقليمية من أي محاولة انفصالية من داخل أو خارج الاقليم، بالاضافة الى العلم المغربي والعملة والجمارك ونظم البريد والاتصالات. ـ ثالثاً: احترام القوانين الصادرة عن الجمعية التشريعية لدستور المغرب وقوانينه، الا اذا تعارضت مع قواعد السلوك التي اتفق عليها الطرفان في هيوستن 1997 التي تنظم اجراء الانتخابات والاستفتاءات. ـ رابعاً: عدم امكانية الاعلان من جانب واحد عن أي تغيير أو إلغاء لوضع الصحراء الغربية، وبعد خمس سنوات سيجري استفتاء لتقرير وضع الصحراء الغربية، ولكي يكون الناخب مؤهلاً للتصويت، عليه أن يكون قد أقام بصورة دائمة في الصحراء طيلة السنة التي سبقت الاستفتاء، ويقترح مشروع الاتفاق / الاطار الجزائر وموريتانيا بمثابة شاهدتين عليه وفرنسا والولايات المتحدة بمثابة ضامنتين لتعزيز التسوية وتنفيذ الاتفاق. الأمم المتحدة أدركت ان فرضها لمشروع الاتفاق / الاطار سيفضي الى رفضه، ولذا أكدت ان الانخراط في مفاوضات حوله لا يعني ان الأطراف اتخذت المواقف النهائية لها من المشروع وهو ما أرضى البوليساريو والجزائر المتوجستين من أن يؤدي بحث مشروع عنان ـ بيكر للحكم الذاتي الى الزامهما بالتخلي عن موقفهما المتشبث بالاستفتاء. بقي ان نذكر في النهاية ان اتجاه قضية الصحراء الى هذا المنحى ايده الحكم المغربي وأبدى حماساً كبيراً له لأنه بالنهاية سيضع حداً للكثير من القضايا العالقة والتي أهمها النزاع مع الجزائر وشبح معاودة الحرب مع البوليساريو وجمود الاتحاد المغاربي وتكاليف التنمية واعادة الاعمار في المنطقة الصحراوية التي كلفت الخزينة المغربية الكثير منذ رحيل الاسبان عنها في أواسط السبعينيات، ما قدر بعشرات المليارات. وهذا ما يفسر اندفاع المغرب للاندماج بالمجتمع الدولي وتبني اصلاحات دستورية وادارية مهدت وتمهد في مجملها لتحول البلاد من النظام المركزي الى النظام اللامركزي أو «نظام الجهات» بصلاحيات واسعة اقتصادياً واجتماعياً وادارياً في مجال تسيير شئونها المحلية. وعلى صعيد البوليساريو، فقد نجد في قيام أو تأسيس الحزب المغربي الليبرالي ـ وهو حزب يعتمد الجهوية في تكوينه ـ مخرجاً للبوليساريو ـ فالحزب الجديد يمثل ائتلافاً لسبعة أحزاب «جهوية» وهو الذي سيجعل التحول المخطط لحصوله في الصحراء تحولاً طبيعياً يتفق مع المتغيرات الجارية في المغرب بشكل عام والتي تؤسس لقيام «دولة مغربية ملكية ديمقراطية لامركزية» مع وضوح ضمان موقف الجزائر الذي يبدو ان أمريكا قد حيدته.