أعلن الدكتور نبيل العربي أستاذ القانون الدولي في مصر عن ترشيح نفسه قاضيا في محكمة العدل الدولية، وذلك بعد أن تقدم القاضي الجزائري محمد برجاوي بالاستقالة من مقعده في المحكمة. ومن المقرر أن يتم انتخاب العربي أو أي مرشح منافس في أكتوبر المقبل. بدأ العربي أستاذاً للقانون الدولي عمله بالأمم المتحدة في عام 66 كسكرتير أول في البعثة المصرية، ثم رئيسا لقسم القانون الدولي في معهد الأمم المتحدة، وفي عام 1973 طلب منه اسماعيل فهمي وزير الخارجية آنذاك الانضمام لوفد مصر في مؤتمر جنيف للسلام وظل مشاركا في التفاوض مع اسرائيل لمدة 16 سنة، رغم أنه اعترض على النص النهائي لاتفاقية كامب ديفيد، لأن فيه قصورا قانونيا في بعض النواحي، وذهب للرئيس الراحل أنور السادات رغم رفض المسئولين في الخارجية خوفا من غضبه، وشرح له كل النقائص ولكن السادات قال له انه سيوافق على هذا النص لاعتبارات السياسة العليا. وخرج نبيل العربي وقتها ولم يعد إلا في المفاوضات الخاصة بطابا، والتي كان له فيها مع الفريق المصري جهد مشهود كما شغل منصب مندوب مصر في الأمم المتحدة ثماني سنوات من 91 ـ 1999، ويعمل العربي حاليا عضوا في لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة، ويعمل مفوضا في لجنة التعويضات التابعة لها وقاضيا في محكمة الدول العربية المصدرة للبترول وشريكا في مكتب د. زكي هاشم للاستشارات القانونية. وعن الجهة التي قامت بترشيحه للمنصب قال العربي لـ «البيان» ان نظام الترشيح وانتخاب قضاة محكمة العدل الدولية معقد للغاية، هناك ما يعرف بالشعب الوطنية لكل دولة شعبة مكونة من أربعة أفراد من بينهم وزير العدل، وتنظر هذه الشعبة في مسألة الترشيح ويخطرون سكرتير عام الأمم المتحدة بالشخص المرشح، وتوضع قائمة بالترشيحات تعرض على الجمعية العامة ومجلس الأمن. وانتخابات القضاة هي الانتخابات الوحيدة التي تلزم موافقة مجلس الأمن والجمعية العامة حتى انتخابات السكرتير العام، تتم عن طريق تقديم مجلس الأمن لتوصية في هذا الشأن لتعرض على الجمعية العامة. وتتم انتخابات القضاة في المجلس والجمعية في توقيت واحد لضمان التوازن والتحقق من استقلالية الشخصية المنتخبة لأنها ستصدر أحكاما تتعلق بالدول لا بالأفراد. وقال العربي ان المدة التي سيقضيها قاضيا في محكمة العدل الدولية في حالة نجاحه هي أربع سنوات على الرغم من أن المدة القانونية هي تسع سنوات لكنه سيقضي أربعا فقط حيث ان هذه المدة هي بمثابة استكمال لمدة القاضي الجزائري برجاوي الذي قدم استقالته بعد خمس سنوات من مقعد شمال افريقيا حيث هناك اتفاق عام على توزيع مقاعد القضاة الخمسة على الدول والقارات. ويتذكر العربي ترشيحه لنفس المنصب عام 1976 قائلا: رشحت عام 1976 لكن مصر سحبت الترشيح لظروف سياسية اقتضت ذلك قبل الوصول لمرحلة الانتخابات. وعن القضاة المصريين الذين شغلوا هذا المنصب في السنوات الماضية قال العربي: الدكتور عبدالله العريان كان من قضاة محكمة العدل في الفترة من 1979 الى 1981 حيث وافته المنية، أما عبدالحميد باشا بدوي، فقد ظل منذ عام 1946 حتى عام 1965 وهذا المنصب يعتبر ارفع منصب قضائي في العالم. وعن توقيت اجراء الانتخابات قال: ستجرى يوم 12 أكتوبر في الجمعية العامة في مجلس الأمن، وحتى الآن لا يوجد مرشحون غيري وآخر موعد لتلقي الترشيحات سيكون في 12 سبتمبر المقبل ويتم الانتخاب بالأغلبية العادية، وهي النصف + واحد في الجمعية العامة وثمانية أصوات من أعضاء مجلس الأمن الـ 15. وعما اذا كان هناك حتمية التفرغ للقاضي، وهل يقيم في لاهاي «مقر محكمة العدل» قال: نعم لابد من التفرغ، مشيرا في ذلك الى انه سيترك منصبه كعضو في لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة، وكمفوض في لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، وقاض في محكمة الدول العربية المصدرة للنفط، وبالطبع ستكون الاقامة في لاهاي لمدة ثمانية أشهر في العام والاستثناء الوحيد هو المشاركة في عمليات التحكيم الدولي للشركات، لأن الشركات ليس لها الحق للجوء لمحكمة العدل الدولية، ومن ثم لا تعارض في المصالح. ويرفض العربي الرأي القائل إن عدم حيادية الأمم المتحدة الآن قد يؤدي الى التأثير السلبي على عمل المحكمة ويقول: الوضع يختلف تماما بالنسبة للمحكمة، لأنها تتشكل من قضاة وليس من دول، وتوزيع مقاعدها على الدول هو مجرد عرف، ولكنه ليس الزاما، وأن القضاة يفصلون في القضايا ليس وفق ميول سياسية، ولكن طبقا للقانون، والوثائق والأدلة المقدمة، ويعملون كقضاة باستقلالية تامة، وبحياد ونزاهة. ويضيف لـ «البيان»: في السابق كانت الولايات المتحدة تؤيد عمل المحكمة، وكانت قد قبلت بالاختصاص الالزامي للمحكمة «أي بالقبول للذهاب اليها في أي نزاع مع الدول» ولكنها في الثمانينيات وتحت ادارة الرئيس السابق رونالد ريجان سحبت قبولها بالاختصاص أثر الشكوى التي قدمتها نيكاراجوا ضدها لتدخلها في شئونها الداخلية. وأيضا في قضية لوكيربي قررت المحكمة أن لها الاختصاص في نظر الدعوى، وذلك كان ضد رغبة الولايات المتحدة وبريطانيا. ويقول المرشح المصري للمحكمة ان هناك أيضا دعوى مرفوعة من ليبيا ضد الولايات المتحدة وبريطانيا، والفصل فيها سيرسخ مبدأ هام حيث تبحث المحكمة في مدى ضرورة احترام الاتفاقيات الدولية، وكيفية استخدام مجلس الأمن لفرض العقوبات على الدول، ولن أستطيع الخوض في تفاصيل هذا الموضوع لأنه لا يجوز وأنا مرشح. وعما اذا كان هذا سينسحب على العراق قال العربي: الى حد ما، ولكن وضع العراق يختلف تماما عن وضع ليبيا، والعقوبة المفروضة على ليبيا بشأن لوكيربي قبل أن يتم التأكد من ذلك، وأن المحكمة الاسكتلندية برأت أحد المتهمين ولم ينسحب الأمر على الدولة، بينما العراق ارتكب العدوان على دولة أخرى، ولكن هناك أبعادا انسانية واجتماعية وصحية لمسألة العقوبات، وأن الاستمرارية لفترات طويلة تضر بالشعوب. وعن السبب في عدم نظر محكمة العدل الدولية في قضايا جرائم الحرب قال العربي: النظام العالمي المعاصر يقوم أساسا على مبدأين تحريم الحروب، وتسوية المنازعات بالطرق السلمية بالتفاوض أو بالتوفيق أو بالمساعي الحميدة أو التحكيم. محكمة العدل تختص بتسوية المنازعات بين الدول ولا تحكم على أفراد وهي تنظر في قضايا ابادة الجنس مثلما رفعت البوسنة دعوى ضد يوغسلافيا. وكان من المفترض أن تبدأ المحكمة الجنائية الدولية في العمل، وهي التي أقرتها معظم الدول عام 1998، ولكنها لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن وهي التي تستطيع الفصل في مثل هذه الجرائم ولكن الولايات المتحدة تعارض بشدة قيام هذه المحكمة خوفا من محاكمة جنودها في القوات الدولية. بينما أنشأ مجلس الأمن محكمتين خصيصا ليوغسلافيا ورواندا. وفيما يتعلق بالمحكمة البلجيكية والتي تنظر في الدعوى المرفوعة ضد رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون باعتباره المسئول عن مذابح صبرا وشاتيلا، قال نبيل العربي: نظرا لتزايد الاهتمام بحقوق الانسان نشأ مفهوم جديد في الفقه الدولي في السنوات الأخيرة أطلق عليه «الاختصاص العالمي» بمقتضاه يمكن أن تقوم المحكمة بالنظر في جريمة لم ترتكب على أرضها، والمتهم لا يحمل جنسيتها أو يتواجد على أرضها، وأخذت بلجيكا بهذا المبدأ، وأن الجريمة التي وقعت ضد أفراد تمس المجتمع الدولي كله ويعتبر أيضا ضحية مثل الأفراد الذين تعرضوا للذبح والقتل. ويشير العربي الى أن محكمة العدل الدولية أصدرت حكما ضد اسرائيل ـ وهو خاص بحادث طيارة مع بلغاريا ولكن المهم أن اسرائيل كانت قد قبلت الاختصاص الالزامي لمحكمة العدل في كل الأمور ما عدا التي تتعلق بنشأتها، لأنها كانت تخشى دائما صدور حكم يشكك في شرعية هذه النشأة واستغلت اسرائيل فرصة سحب أمريكا لقبولها لاختصاص المحكمة، وسحبت هي الأخرى قبولها، وبررت ذلك بشئ عجيب، مدعية أن القضاة والجمعية العامة ومجلس الأمن كلهم منحازين ضدها ولم تقبل اسرائيل الذهاب مع مصر للمحكمة في قضية طابا، بينما كانت مصر ترغب في ذلك. وعن آليات المحكمة لتنفيذ أحكامها، قال العربي: ان أضعف نقطة في النظام القانوني الدولي آليات التنفيذ، حيث لا يوجد نظام المحضر الذي يأتي بالبوليس لتطبيق الحكم، ولكن ميثاق الأمم المتحدة ينص على أنه في حالة صدور حكم من المحكمة، وتقاعس دولة عن التنفيذ من حق الدولة الأخرى اللجوء لمجلس الأمن، ولكن المشكلة أن القرار في مجلس الأمن سياسي، ومن ثم ليس هو بالمنفذ النزيه والعادل لأحكام القضاء، ولكن من النادر أن لا ينفذ حكم أصدرته محكمة العدل الدولية، لأن ذلك يضع الدولة الرافضة للتنفيذ في وضع حرج دوليا، ولا توجد دولة ترغب في اعطاء انطباع أنها لا تحترم القوانين. وآخر نزاعات فصلت فيها المحكمة كانت حساسة للغاية، ونفذت، مثل الحكم الخاص بالنزاع بين قطر والبحرين الذي استمر تسع سنوات وبين اليمن وأريتريا. ورفض العربي الافصاح عما اذا كان لديه مشروعات لتطوير أعمال المحكمة وقال: قبل ان أصبح عضوا فيها لا يجب أن نخوض في ذلك، وهناك اقتراحات ومشروعات كثيرة لعمل المحكمة، ولعل أهمها هو سرعة التقاضي واختصار الاجراءات. القاهرة ـ مكتب «البيان»: