هناك شريحة من النساء الأمريكيات، ذوات البشرة البيضاء وينتمين إلى الطبقات الوسطى وتتراوح أعمارهن بين 25 و 55 سنة تشكل الرهان الانتخابي لجميع المرشحين، وعلى جميع المستويات. إن أصوات هذه الشريحة قابلة للتأرجح في هذا الاتجاه أو ذاك. وبما ان الميل العام لهذه الأصوات النسائية يتجه بالأحرى نحو الديمقراطيين، فقد كان من الطبيعي ان تذهب باتجاه الاقتراع لصالح هيلاري كلينتون في نيويورك. لكن بدا أن الحسابات لم تكن دقيقة هذه المرة، إذ انها انصرفت وبعنف عن المرشحة الديمقراطية، إذ في شهر يناير من عام 2000، عندما أعلنت هيلاري انطلاق حملتها الانتخابية رسمياً، فقدت بضربة واحدة 50 نقطة لدى الناخبات، إذ اصبحت متخلفة عن منافسها الجمهوري بـ 22 نقطة بعد أن كانت تتقدمه بـ 28 نقطة. وتعددت التعليقات الساخرة والحادة ضدها، مثل تلك التي صدرت عن «جاييل» المستشارة المالية والديمقراطية المتحمسة إذ قالت: «هل رأيتم تسريحة شعرها؟ لقد غيرتها مرة أخرى، ربما هذه تناسبها أكثر، لكن كيف يمكن الثقة بامرأة تغير رأسها باستمرار؟ وقال ميكائيل توماسكي الصحفي السياسي في مجلة «نيويورك» ما مفاده : «ان نيويورك مدينة ديمقراطية ولكنها أولاً مدينة ذكورية، والسياسة هنا مناطة بالرجال وبشبكاتهم المنظمة والمغلقة على ذاتها حسب المجموعات العرقية. وتواجه النساء في نيويورك صعوبة أكبر في العمل السياسي مما هو في الأمكنة الأخرى. ولا شك ان نساء كن قد فزن في بعض الانتخابات سابقاً بفضل الناخبين اليهود مثل «بيللا اوبزوج» و«ليز هولزمان» و«نينا لواي» لكنهن لم يذهبن أبداً أبعد من التمثيل المحلي. وهذا تحديداً ما تعيبه بعض الأوساط الديمقراطية، وخاصة بين النساء، على هيلاري بسبب ترشيحها في نيويورك انها قررت ذلك من البيت الأبيض، واعتبرته بمثابة حق مكتسب لها، وكما لو انها الأفضل بقوة الأشياء. وفي المقابلة الأولى التي أجراها عميد الصحفيين التلفزيونيين في نيويورك، طرح عليها السؤال التالي: «لقد سمعنا منك الأسباب وراء طموحك في ان تصبحي عضوة في مجلس الشيوخ الأمريكي وبأنك تريدين الدفاع عن حقوق الانسان والأطفال والعمل على تحسين التشريعات والقوانين، لقد فهمنا هذا كله، ولكن لماذا تريدين الترشيح في مدينة نيويورك بالتحديد؟».أجابت هيلاري: «هذا سؤال جيد.. لقد كانت لدي دائماً الرغبة في العيش بنيويورك.. مثل الجميع.. أليس كذلك؟ قل لي من ليس لديه الرغبة في أن يعيش بهذه المدينة؟».لم تكن الاجابة مقنعة.. وقد علقت عليها «جاييل» بغضب: «ماذا تظننا هذه المرأة؟ أنا أيضاً كنت في ولسلي ويال، وشققت طريقي بمفردي» ثم أضافت: «إن هيلاري لم تقم بأي شيء استثنائي بعد أن أنجزت دراساتها، نعم انها تعمل في حقل القانون لكنها لم تدافع أبداً عن ملفات كبرى.. ولم تكن أول امرأة يتم تعيينها في المحكمة العليا.. ولن تكون الأولى في مجلس الشيوخ، إذ كان هناك نائبات عديدات قبلها.«ثم انها ليست السيدة الأولى التي تدخل مضمار السباق نحن المنصب الرئاسي، إذ كانت هناك السيدة «اليزابيث دول» من المعسكر الجمهوري، لكن حزبها لم يوافق على ذلك، لذلك ينبغي على هيلاري ان تقدم نفسها لنا كرائدة! أما ان تكون لديها رغبة تغيير أفكارها، فهذا مفهوم وأنها ذكية، هذا معروف، وبأنها تحب السلطة، هذه هي مشكلتها، ولكن لماذا تريد ترشيح نفسها عندنا؟ إننا لا نملك قدرة مساعدتها كي تتجاوز مشاكلها النفسية». لقد جندت قضية «مونيكا لوينسكي» الكثيرين ضد هيلاري كلينتون من المحافظين المتزمتين إلى المناصرين المتحمسين لقضايا المرأة، كان تحالفاً متنافراً جداً ضد هيلاري. تقول «كارول» العاملة في ميدان النشر بمانهاتن وهي في عمر هيلاري، لكنها ظلت «جمهورية» تميل إلى معسكر التقليديين: «من هي بالفعل؟ هل هي امرأة ـ زوجة ـ خانعة تمارس وظيفة السيدة الأولى أم انها تسعى للحصول بأي ثمن على أحد المناصب الانتخابية العليا؟». وتضيف: «لا أعرف ما هي حقيقة هذه التي أمامنا، وهذا سؤال يضنيني، أما بيل كلينتون فإنه يصيبني بالضجر، انهما متماثلان، ولا يوحد بينهما سوى الطموح». وإذا كانت هذه التعليقات تأتي من أبناء الأحياء الراقية في نيويورك، فماذا عن سكان الأحياء الفقيرة؟ تقول ابنة الثلاثين عاماً: «إنها لا توحي لي بالثقة، ويبدو انها مستعدة لعمل أي شيء من أجل الوصول إلى السلطة.. انها مدمنة لها». وصلت الانتقادات الموجهة لهيلاري كلينتون إلى حد «التجريح» واتهامها بأوصاف فيها الكثير من «السوقية» وبأنها لا تمتلك أية كفاءة سياسية كي تصبح عضوة في مجلس الشيوخ، ولا تستطيع العمل في اطار فريق جماعي لأنها مأخوذة دائماً بمزاجيتها الخاصة. وسوف تكون مضرة جداً بقضايا المرأة فهي ليست سوى «مخلوق ضعيف يزعم انه أقوى مما هو عليه في واقع الأمر». بكل الأحوال بدا ان نوعاً من الهستيريا يواجه هيلاري بعد قضية مونيكا لوينسكي، ولكن هذا قد أعطى نتائج سياسية عكسية إذ ومهما كانت الأحكام الأخلاقية التي أصدرها الأمريكيون قاسية على بيل كلينتون، فإن شعبيته ظلت عالية وتجاوزت نسبة 65% من الآراء المؤيدة له. فهل كان متوقعاً ان تتكرر نفس الظاهرة مع هيلاري؟ كانت نصائح مستشاريها تتمثل في ضرورة تجاهل وسائل الإعلام القومية وعدم الموافقة على المقابلات والهرب من مواجهة الخبراء، وبالمقابل ترديد نفس الرسائل الموجهة للناخبين بشكل مباشر حول قضايا ملموسة تهمهم. وكانت هيلاري تعرف أكثر من أي انسان آخر بأنه ليس هناك ما تنتظره من الأوساط الثقافية النيويوركية. لقد ظلت وفية للمبدأ الذي أخذت به منذ وصولها إلى البيت الأبيض قبل سبع سنوات والمتمثل في عدم قراءة الصحف ورفض الاستماع إلى الحديث عن الكتب المنشورة عنها ورفض اجراء أي حوار مع وسائل الإعلام. كانت خطتها هي رؤية الناس واللقاء بهم ضمن مجموعات صغيرة ومحاولة اقناعهم ببرنامجها والشد على أياديهم كما كانت قد رأت بيل يفعل مرات عديدة، كان عليها ان تحاول تقليده و«تنسخ» عنه بعض التقنيات وبعض أشكال السلوك، بل وكان عليها ان تتعلم بعض الحركات «المطلوبة» أثناء الحملة الانتخابية، وكان عليها قبل كل شيء ان تتخلص من نقطة ضعفها الأكثر حميمية أي «زاجيتها». أثناء الاحتفال بمراسيم انتقال السلطة، قالت السيدة بربارة بوش لهيلاري: «احذري من هؤلاء مثل الطاعون!» وأشارت إلى جمع الصحفيين، ثم أردفت: «اذا نقلوا أي تصريح عنك، فتأكدي جيدا بأنهم قد فهموا ما تريدين!» ردت هيلاري: «انني على علم بهذا الأمر»، وهي التي لم تعرف المعجبين فقط في الأوساط الاعلامية أثناء الحملات الانتخابية أو أثناء وجود زوجها كحاكم لولاية أركنساس. فهل يتم تعيينها وزيرة للعدل أو للخارجية؟ أو ربما أمينة عامة للبيت الأبيض؟ لقد تم طرح مثل هذه التساؤلات لكن «ديك موريس» الذي كان آنذاك مستشاراً سياسياً قوياً في البيت الأبيض ردعها عن القبول بأية حقيبة في الادارة الجديدة، إذ انها وهي في الرابعة والأربعين من عمرها كانت لا تزال تحت وقع «الاذلال» الذي دفعها إليه استطلاع للرؤى في أركانساس حيث رأى الرأي العام هناك بأن الدور الوحيد الذي يليق بها هو دور الزوجة، ولكنها لم تكن مأخوذة بشكل كبير بفكرة ان تحصل على منصب يتوازى مع مساهماتها في انتصار زوجها بالانتخابات الرئاسية. كان الرئيس نفسه هو الذي وجد الفكرة، وهي تكليف هيلاري برئاسة لجنة خاصة مكلفة باصلاح نظام التأمين الصحي وللمرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية تحصل امرأة رئيس بمنصب رسمي دون ان يكون مطلوباً منها تقديم أي حساب لغيره، لقد واجهت قطاعاً يمثل المرتبة السابعة في تراتبية الاقتصاد الأمريكي، وكان قد أفشل سابقاً عدة خطط للاصلاح. وكان جورج ستيفانو بولوس أحد مستشاري الرئيس كلينتون المقربين لسنوات قد كتب في مذكراته بأن «الخطأ كان كبيراَ» لاسيما وأن هيلاري لم تكن تملك أي حس للمصالحة والتوفيق. لقد قادت هيلاري لأشهر بطريقة «ديكتاتورية» فريقاً من العاملين معها منعتهم من أي اتصال مع الخارج، انها أثارت الاعجاب بسيطرتها على منهج الوقائع والأرقام لكنها ألبت ضدها بنفس الوقت الأوساط المعنية من محترفي حقل الصحة وحتى أصحاب شركات التأمين ومجموعات صناعة الأدوية.ان هيلاري وبدلاً من ان تحاول التنسيق وتنتبه إلى الملاحظات انزوت في مكاتبها بالبيت الأبيض وتبنت سلوكاً بدا غير بعيد عن انفصام الشخصية، ولم تتردد في وصم معارضيها وناقديها بكل الشرور مما دفع بالمقابل إلى وصفها بـ «الساحرة الشريرة» وقد قالت هيلاري في احدى مقابلاتها النادرة بعد أشهر طويلة ما مفاده: «انني لم أعط ما ينبغي من قيمة وأهمية لحقيقة تسييس النقاش، وللذهنية التحزبية الضيقة لخصومي، ولم أفهم ايقاع وآلية عمل الكونجرس» وكانت الضربة القاضية قد جاءتها من أحد الديمقراطيين، وهو «دانييل باتريك موانيهان» عضو الكونجرس عن نيويورك والرجل الذي أرادت هيلاري ان تعقبه فيما بعد، إذ قال قبل ثلاثة أيام من مجيء الرئيس كلينتون نفسه للدفاع عن خطة زوجته أمام الكونجرس حيث قال «موانيهان ما يلي: «وكيف سيتم تمويل مصنع الغاز هذا؟ انه هذيان». وعندما تحدث بيل كلينتون لصحيفة «نيويورك تايمز» عشية عيد الميلاد لعام 2000، لحظة مغادرته للبيت الأبيض، حول محصلة الفترتين الرئاسيتين اللتين مضاهما في المنصب الرئاسي، اعترف بأن اصلاح نظام التأمين ـ الضمان ـ الاجتماعي كان أكبر فشل قد واجهه، قال: «كان ذلك خطئي، إذ اننا لم نكن نملك المال لتحقيق طموحاتنا، لقد طلبت من زوجتي ان تضع خطة لتغطية شاملة ـ لجميع المواطنين ـ تحافظ على القطاع الخاص، لم يكن هناك أي حل آخر، وأقول بصراحة انه في المناخ السياسي الذي كان سائداً آنذاك، ومع محاولات التشويش التي قامت بها مجموعات الضغط، لم يكن الكونجرس، ولم تكن البلاد على استعداد لقبول أي شيء، كان ذلك خطئي، وعلي أن أتحمل مسئوليته مثل بقية أخطائي الأخرى. وتقول «ميلاني فيرز» حول تلك التجربة «لنكن صريحين، لقد كنا مبتدئين مهنياً، وساذجين سياسياً ولم نكن على معرفة كافية لادارة الآلة، ومنذئذ ينبغي الاعتراف بأن الأحداث قد أثبتت صحة توجهنا، فالنفقات لم تتوقف عن الازدياد، وكذلك عدد الذين لا يطالهم التأمين الاجتماعي، وهذا ما أشارت إليه هيلاري غالباً في حملتها الانتخابية، وبالنسبة لها، كان ذلك أحد الملفات التي لم يستطع الرئيس رغم جهوده كلها ان يصل به إلى نهاياته».ولم يفوّت خصمها في الانتخابات للكونجرس عن مدينة نيويورك «ريك لازيو» أية فرصة كي يذكر بما أسماه «كارثة لا مثيل لها» والتي أبرزت، حسب رأيه كل المسالب التي تتمتع بها منافسته وبأنها «متغطرسة» و «تميل إلى السرية» و «غير قادرة على التوفيق والعمل في فريق» أي باختصار انها تتسم بكل ما يتنافى مع ما يتطلبه العمل البرلماني. وكان ردها المستمر هو بأن الجمهوريين يجهلون المشاكل الحقيقية للبلاد وأنهم لا يفكرون سوى بالأغنياء وبمصالحهم، وقد ذكرت هيلاري في ربيع عام 1999 بأنه لا يزال هناك 43 مليون امريكي لا يتمتعون بالضمان الصحي ومن بينهم 3.1 ملايين من سكان نيويورك، وقد قالت موجهة حديثها لجمهور مستمعيها آنذاك: «لا شك ان البعض منكم يتذكرون بأنه كان لدي فكرة أو فكرتين حول هذه المسألة عام 1993، ومن المعروف ان الخطة التي وضعتها قد فشلت، اطمأنوا، انني لن أعود لها، لقد أصابني الاحباط لكنني تعلمت الدرس ولن أنساه أبداً». وكان الدرس ـ كما قالت ـ «انني انتمي الآن إلى مدرسة الخطوات الصغيرة، فأنا على قناعة بأنه من الأفضل القيام بتغييرات تدريجية بدلاً من التصريحات المدوية على طريقة خصومنا الذين يعتبرون بأن المشكلة مستعصية على الحل ويفضلون بالتالي تجنبها». كانت استراتيجية المرشحة تكمن في تحويل فشل الاصلاح الصحي إلى حجة ايجابية لصالحها، وكانت بعد ذلك الفشل قد اتبعت نصيحة «ديك موريس» وبدأت عبر شبكة الانترنت اصدار نشرة اسبوعية حول الحياة في البيت الأبيض على الطريقة التي كانت قد مارستها «اليانور روزفلت» زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت، وكان «ديك موريس» في كل مرة يريد فيها ان يدفع هيلاري نحو تنفيذ وصية ما يقوم باستخدام اسم «اليانور» فينجح في تحقيق غايته. لقد كانت هيلاري تجمع صفات كثيرة باستثناء انها يسارية فوضوية، وكانت تدعو دائما إلى «التوازن» التوازن على مستوى الأفراد كما على مستوى المؤسسات، كما كانت هيلاري ـ ولا تزال ـ مع عقوبة الإعدام، وهي تتماشى بهذا مع موقف أغلبية الأمريكيين، أما بالنسبة للمسألة الأخرى التي تثير اهتمام الرأي العام الأمريكي، أي الطلاق فإن هيلاري مع حرية اختيار المرأة في هذا الموضوع. بالمقابل يتفق الجميع على ان هيلاري ذات مزاج حاد، وكانت الصحافة الأمريكية قد أوردت الكثير من الحكايات حول هبات غضب هيلاري ونفاد صبرها وقلة تسامحها، وقد وصفتها اليسا موسكاتين التي عملت معها لسنوات بعد ان كانت صحفية في الـ «واشنطن بوست» بالقول: «انها ترى العالم بالأبيض أو بالأسود، وانها بحاجة لأعداء، وهي تصنفهم حسب فئات وليسوا كأفراد كالتالي: اليمين المتطرف ثم مجموعات الضغط وشركات التأمين، انها تجعل النقاش محصوراً بين موقف التأييد التام أو المعارضة التامة مما يثير ردود فعل قوية، إيجابية أو سلبية، وحتى في صفوف أولئك الذين يشاركوننا آراءها». وحول علاقة الصحافة بهيلاري علقت «ميلاني نيرفر» بالقول: «ان أحد الأخطاء الكبرى التي تكررها الصحافة دائما بخصوص هيلاري هي تصورها بأنها تعرفها، وهي تقول عن نفسها بجدارة: «انها الأكثر شهرة بين غير المعروفين».