لعل الفترة الواقعة بين قيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لامارة أبوظبي واعلان الاتحاد تعد من الفترات العصيبة على وطننا العربي، فقد كان الشارع العربي بمجمله يعيش مجموعة من الاخفاقات السياسية والانتكاسات الوحدوية التي فشلت في تجسيد آمال الأمة العربية، وبذلك فترت الروح القومية وضعفت الهمة في طرح المشروع القومي وكذلك المشروع الوحدوي، وأصبحت النظرية رغم تواجدها على الساحة العربية غير مجسدة لإرادة الشعب العربي لأنه كان يريد واقعا وحدويا وليس خطابا انفعاليا خاصة بعد أن انكشف هذا الخطاب نتيجة الهزائم العسكرية التي أصابت الأمة وانعكست إلى هزيمة النفس. وفي ظل تلك الظروف تضافرت مجموعة جديدة من الهموم العربية، أولها ايجاد طريقة مختلفة للتغلب على الكيان الصهيوني، وثانيها الأزمة الاقتصادية التي لحقت بالوطن العربي، وثالثها وأهمها توتر الروح القومية والوحدوية. مما جعل الجو العام مشحونا باليأس ومعلقا بآمال لم تعد في وقتها واقعية. ورغم كل ذلك فقد أتى زايد بنظرة متفائلة ثاقبة إلى الواقع العربي، وبدأ العمل على وحدة الامارات دون أن ينسى هموم أمته العربية وقضاياها المصيرية. الرهان الأصعب ومع اقتران اسلوبه الترغيبي في الوحدة بالعمل الجاد استطاع سموه أن يعلن مع أصحاب السمو حكام الامارات دولة الامارات العربية المتحدة، هذا الاتحاد الذي اختلف عن كل أشكال الحكم في العالم معتمدا ايديولوجية جديدة همها الأول والأخير الإنسان وقضاياه الوطنية والقومية. وبذلك فاز الاتحاد بالرهان الأصعب في الوطن العربي، نتيجة استمراره ونموه وتوسعه والطريقة التي قادته إلى الحياة الحرة الكريمة، متجلية بقيادة الشيخ زايد الذي استطاع أن يؤسس علاقة قيادية مختلفة من حيث ارتباطها بشعبه أولا والشعوب العربية والإسلامية ثانيا. وتوضح هذا التأسيس القيادي في علاقة دولة الامارات العربية المتحدة مع شعوب العالم، اضافة إلى السمة المميزة لأسلوب حكمه السياسي الخارجي الذي اعتمد على التوازن والعقلانية المرتبطة بشكل وثيق مع الجرأة، وهي ميزة كبيرة تضاف إلى ميزاته السياسية الكثيرة. ويمكن لنا أن نقرأ ذلك من خلال العقلانية في حل مشكلة الجزر الاماراتية الثلاث، فالشيخ زايد طالب ومازال بالاحتكام إلى المحاكم الدولية والقبول بما تصدره من قرارات. وهذا القبول مرتبط بالإيمان الكامل الذي لا يقبل الشك بعودة الجزر إلى أصحابها الحقيقيين، ومن هم سوى شعب الامارات. ونلحظ من ذلك ان هذا الاتجاه السلمي مرتبط بالأساس بعقلانية جريئة وقناعات تامة بأن الحق لابد أن يعود إلى صاحبه. وتقترن النظرة الموضوعية الجريئة بالنظرة الاستشرافية المدافعة عن كيان الأمة العربية ووحدتها. فقد كان الشيخ زايد أول رئيس دولة يزور الكويت بعد خروج القوات العراقية منها، ومع ذلك فهو أول من نادى برفع الحصار عن الشعب العراقي، وكانت الامارات الدولة السباقة في تقديم المساعدات إلى الشعب المحاصر. ولعل هذا الموقف يعود بنا إلى التاريخ القريب، فالمعروف ان مصر أخرجت من الجامعة العربية بعد توقيعها معاهدة السلام المصرية ـ الاسرائيلية عام 1979، وفي منتصف الثمانينيات كانت الامارات أول دولة تعيد علاقاتها بمصر بعد قرار الجامعة العربية بذلك، وكذلك كانت الامارات الدولة السباقة في مساعدة مصر كي تعود إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. التطلع للوحدة ونستطيع هنا أن نقرأ بموضوعية الاسلوب السياسي القيادي الذي تمتع به الشيخ زايد من خلال النظرة الوحدوية لدولة الامارات ومن ثم الوطن العربي، ونسترشد بقول سموه: «كان الاتحاد حلما يراود مخيلة كل فرد من أبناء منطقة الخليج، وبسبب تضافر جهود اخواني حكام الامارات المخلصين وأبناء الشعب تم التوصل إلى اقامة دولة الامارات العربية، إن الوحدة الشاملة هي مصير الأمة العربية ... وهذا هو إيمان دولة الامارات العربية المتحدة ... إن باب دولة الامارات مفتوح لجميع اخواننا العرب فنحن معهم حتى بدون وعد وبدون قانون وبدون تعهد، فمصيرنا واحد وهمومنا واحدة وتطلعاتنا واحدة». وفي هذا القول الشامل لصاحب السمو الشيخ زايد نقرأ الأفكار الوحدوية العربية بكل تفاصيلها، وفيها بالطبع التضامن العربي الذي يعتبر الحل الأمثل لكل القضايا العربية. وهذه الدعوات العربية الصادقة من قبل سموه تبقى في اطار مواجهة العدو الأول وهو الكيان الصهيوني، ونقرأ هذا الربط بين الوحدة ومواجهة العدو الصهيوني بقول سموه: «إن على الأمة العربية أن تتحد وتتمسك بكل المواقف الفعالة لمواجهة العدو الصهيوني، وعلى العرب أن يعملوا بسرعة من أجل فرض ارادتهم على العدو الصهيوني». وطالما نادت الامارات الدول العربية للوقوف بصوت واحد وفعل واحد ضد العدو الصهيوني، وتجلى ذلك بمقولة سموه في حرب اكتوبر 1973 حين أعلن «ان النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي». ولعل استخدام سلاح النفط بدعوة الشيخ زايد كان السلاح الأشد فاعلية ليس على اسرائيل فحسب بل على كل الدول التي تدعم اسرائيل. ولعل مواقف الامارات بشأن الصراع العربي الصهيوني تعد من المواقف الأكثر شجاعة وجرأة، فبالاضافة إلى النظرة الموضوعية التي يطالب بها الشيخ زايد وهي الموقف العربي الموحد، فإن نظرته الاستشرافية باتت واضحة بعد كل الاتفاقيات الموقعة بين العرب والكيان الصهيوني برعاية أمريكية، فالشيخ زايد قال: «إنني كواحد من أبناء الشرق الأوسط أرى ان الولايات المتحدة لا تعطي سلاما لأحد، بل على العكس من ذلك انها تسببت في حروب وستخلق المزيد من التهديد والعدوان في المنطقة ... إننا نطالب الولايات المتحدة بالضغط على اسرائيل والعمل بجدية لاقرار السلام العادل والدائم في الشرق الاوسط الذي يعطي للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة بما في ذلك دولته على ارضه.. اننا نطالب بذلك ليس فقط لاحقاق الحق وتأكيد العدل بل لأن الاغتصاب الاسرائيلي لفلسطين والاعتداءات الصهيونية على لبنان تشكل تهديدا للامن والاستقرار في العالم كله». الرؤية المستقبلية ولعلنا نرى الآن طبيعة النظرة الاستشرافية للشيخ زايد على ارض الواقع، فالسلام لم يتحقق بالجهد الامريكي والراعي الامريكي ليس نزيها بل هو الراعي الاول لاسرائيل، والحرب التي تشنها اسرائيل على الانتفاضة المباركة ما زالت تتزايد، وحتى الضربات الاسرائيلية على لبنان ما زالت قائمة. إذن يعتبر وعي زايد السياسي بالشأن العربي وعيا مستقبليا بكل اشكال الصراع وبكل القضايا المصيرية للءمة العربية. وتبدو المساعدة الاماراتية للشعب الفلسطيني واضحة للعيان، ولعل الموقف الاكثر بزوغا هو موقف الشيخ زايد الذي اجل الاحتفال بشفائه بسبب اشتعال الانتفاضة وهذا الموقف يدل بوضوح على قمة التضامن، ليس العربي فقط بل الانساني الذي تجلى بشكل كبير بقرار كبير من صاحب القلب الكبير الذي دافع عن القضية الفلسطينية ودافع عن القدس ووقف ضد تهويدها بكل ما يمتلك وتمتلك الامارات من امكانيات. إذن طبيعة الرؤية السياسية العربية في بصيرة زايد هي طبيعة مدافعة بكل قوة وجرأة عن القضايا العربية عن اية محاولة لشق الصف العربي، فهو يضع التضامن العربي في المكان الأول من سياسته ويسعى إلى تحقيق الأمن العربي بكل جهد وبما تمتلك الامارات من امكانيات وقوة ومكانة دولية، حتى ان المساعدات الخارجية التي تقدمها الامارات تبلغ حوالي 3.5 من اجمالي الناتج المحلي بينما قررت الامم المتحدة ما نسبته 0.07 من الناتج المحلي للدول المتقدمة كحد ادنى لتقديم المعونات للدول النامية. والمساعدات التي تقدمها الامارات تشمل كل ارجاء العالم، ورأيناها بشكل واضح عالميا في المساعدة الاماراتية لشعب كوسوفو والانطباع الذي تركته هذه المساعدة في نفوس ذلك الشعب ولا تبخل الامارات بتقديم مساعداتها في المحن والكوارث العالمية والاقليمية والعربية، فهي حاضرة بمساعداتها في كل الدول المحتاجة، بل هي الداعي الاول لاستقرار الامن في ارجاء العالم، وهذا ما لاحظناه في دعوات التهدئة بين الباكستان والهند وفي شرق اسيا اجمالا وشبه الجزيرة الكورية. ان ذكرى الجلوس ليست غالية فقط على شعب الامارات، بل هي غالية على الشعوب العربية والاسلامية وحتى العالمية، لأن سياسة الشيخ زايد هي سياسة الموضوعية والجرأة والانفتاح على العالم الخارجي بنظرة استشرافية جعلت من الامارات الدولة الصغيرة بحجمها تأخذ مكانا كبيرا عالميا. كل ذلك بسبب السياسة الحكيمة التي اتبعها الشيخ زايد ومعه اشقاؤه حكام الامارات، وهذا النسيج المتآلف بين القيادة والشعب منح الامارات صيغتها الحالية واعطاها مكانتها، اضافة الى توقع مستقبلها الذي نرى تطوره باستمرار وبحركة تاريخية دائمة غير متوقفة. ولعل الخصال السياسية التي قرأناها في فكر الشيخ زايد جعلت من الامارات الدولة الاولى في حل القضايا العربية، فالامارات لا تشكو من خلاف او اختلاف مع اية دولة عربية، بل على العكس تحاول وباستمرار تقديم الصورة الامثل والفعل الاكبر في التضامن العربي. بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني