بعيداً عن التكلف وانتقاء الكلمات المنمقة، والبحث عنها في قواميس اللغة العذبة والجزلة، وبعيداً عن اللغة الدارجة الباحثة عن التزلف في مدح هذا القائد أو ذاك، وهذه الدولة العربية وشعبها أو تلك. حاولت قبل أن أكتب هذه الكلمات، أن أتقصى الحقيقة في عيون ونفوس بعض الفلسطينيين والفلسطينيات، عن المكانة التي تحظى بها الإمارات العربية قيادة وشعباً، وعن الأسباب التي دفعت هؤلاء، لاعطائهم شهادات تسجل بأحرف من نور. حتى أني، وشهادة حق تذكر أو تقال والأمر سيان، حاولت أن أتجنب الانحياز عند سماع شهاداتهم بعد طرح أسئلتي عليهم، والتي تحمل تارة الاستمزاج، وتارة أخرى المقارنة مع الآخر بعيداً عن الحساسيات الشخصية والمواقف السياسية المعلبة مسبقاً، متوخياً الصدق والأمانة فيما أكتب أو أقول نقلاً عنهم، ليبقى لكلمة الحق مكان في عالمنا المتداعي، الذي بات يرى في الحق حملاً ثقيلاً وتجارة خاسرة لأصحابها. فقد سحبتني قدماي في بداية جولتي إلى امرأة ذاقت مر الهزائم من أولها، وقتل في صبرا وشاتيلا أبناؤها الثلاثة وزوجها، دون أن أعلم ما الذي دفعني في بداية جولتي المتواضعة المتوجسة بعض الشيء إلى هذه العجوز المدماة من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، وطرحت عليها حزمة من الأسئلة، عن واقعنا الفلسطيني بحدود فهمها المليء بالتجارب المرة حتى أصل إلى ما أبتغيه، ودون أن أدخل بالتفاصيل، التي قد تكون كابوساً مزعجاً للبعض وحلماً جميلاً للبعض الآخر، وصلت للسؤال عينه :وما رأيك بالإمارات العربية المتحدة؟ بالابتسامة ذاتها التي طرحت معظم أسئلتي عليها؟ العطاء بلا مَن قالت بلغة متعبة، وبلهجة فلسطينية لم يغيرها الزمن على مدار أكثر من نصف قرن ونيف: المهم أن شعب الإمارات وقيادة الإمارات، لم تلاحق الفلسطيني أو تفرض عليه شروطاً سياسية مسبقة، وأنها احتضنت الكثير من أبنائنا دون أن «تحملنا جميلة»،أو تذكرنا على مدار الساعة ما أعطت. وبعد توقف عن الحديث دام قرابة ثلاث دقائق، رفعت ناظريها من الأرض، لتفاجئني بالقول: «المهم أكثر أن هذا البلد العربي الوحيد، التي لم أسمع أنها طردت فلسطيني على انتمائه السياسي أو موقفه و«قطعت رزقه»، ولم أسمع أيضاً أنها سجنت هذا الفلسطيني أو ذاك لمثل تلك الأسباب الذي لوحق الفلسطيني وسجن بسببها في الكثير من العواصم والبلدان أو عذب وقتل حتى في كثير من الأحيان». خرجت عن صمتي وسمعي، لأجس نبضها بطريقة مختلفة، عن الطريقة التي بدأت بها حديثي معها، فقلت أنت تغالين بهذا الكلام، لان الدنيا كما يقول المثل، «إذا خليت بليت»،و «كل الناس خير وبركة». قالت: «يمكن كلامك صحيح،.. لكن زوج ابنة أختي يعمل بالإمارات، قال يوماً لي،.. أننا في هذه البلد لم نشعر لحظة واحدة بالغربة، ولم يعب علينا أحد من أبناء هذا البلد، بأننا بلا وطن، بل بالعكس ثمة تعاطف معنا يحمل رائحة الانتماء للامة بمعناها العروبي والإسلامي». لكن بقرارة نفسي، رغم صدق الأحاسيس وحسن النوايا غير الملوثة بفعل المواقف السياسية التي تستند إلى جدار أيديولوجي مسبق في أغلب الأحيان، التي طرحت بها حديثها، قلت علي ألا أكتفي بكلام «أم أحمد»، وأن أطرح حزمة من التساؤلات على مجموعة مسيسة، لأنقل الصورة بعدها، بكل الصدق والأمانة بعد مقاربة بالمواقف بصرف النظر عن تجميلها، أو إعطائها حلة مختلفة غير ما يمكن أن تكون عليه. وكما هي العادة جلسنا بمنتدى يحتوي على كل الاتجاهات السياسية، اليسارية والإسلامية والقومية والوطنية، والديمقراطية، إذا جاز لنا أن نسمي أصحاب هذا الرأي اتجاه مستقل بذاته. بدأت بطرح تساؤلاتي الثقيلة أحياناً، دون أن يعرف أحد عن ماهية الدوافع القابعة خلف هذه التساؤلات، فقد بدأنا الحديث حول مجموعة المواقف العربية من الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى «وعن حجم المد العربي على المستويين الشعبي والرسمي لها، وعن المواقف السياسية التي أنتجتها هذه الانتفاضة على الصعيد الرسمي العربي وعلى الصعيد الإعلامي التعبوي. كالعادة تباينت المواقف، بين أصحاب الاتجاهات الأربعة، عن الوضع بشكل عام وعن المواقف العربية المتباينة، ولعل سمة الجلسة كانت أشبه بحرب، لكن سلاحها الكلمات هذه المرة وليست البنادق. بدوري بقيت أساير المواقف لأصل إلى السؤال الذي جلست معهم من أجله، وهو أين الإمارات العربية المتحدة من كل هذه المواقف؟ الغريب بالأمر أن الحديث لم يدم طويلاً، حيث صبت مجموعة المواقف في نقطتين لا ثالثة لهما، وبتوافق لم أشهد له مثيلا من قبل: الأولى: تمثلت في أن الإمارات العربية، لم تدعم نضال الشعب الفلسطيني يوماً، لدوافع إقليمية أو نفعية أو لأغراض سياسية تتعلق بوضعها الداخلي، فهي على الدوام تعبر عن الضمير العربي اليقظ، بصرف النظر عن المكاسب السياسية التي قد تجنيها من وراء ذلك، كما يفعل البعض. وتجمعت المواقف في أن الخطوات الإماراتية بمجملها، جاءت نتيجة موضوعية أملتها ظروف الاتحاد نفسه كتجربة رائدة ويتيمة مع كل الأسف على المستوى العربي، وهي بهذه المواقف تطابق بين الإرادتين الشعبية والرسمية، ومحصلة لارادة وحدوية، وأن العامل الموضوعي، أي المواقف من القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، هي انعكاس للحالة الصحية للعامل الذاتي المنسجم مع ذات الذات، شعبياً ورسمياً. على العكس تماماً من الكثير من المواقف العربية، التي تجد الموقف من القضية الفلسطينية مدخلاً لأهداف داخلية أو إقليمية أو حتى دولية، وهي مبررة أيضاً، إذا ما صبت بالنهاية في خدمة الصراع العربي - الصهيوني. الثانية: ان الإمارات العربية المتحدة، منذ البداية لم تدخل بالنزاعات العربية والمنافسات الصغيرة، التي قد تدفعها تارة إلى الإقدام وأخرى إلى الإحجام، وهذا العامل المهم بالنسبة للسياسة الإماراتية المتوازنة، حافظ على ثبات المواقف بحيث لم يكن مفاجئاً على سبيل المثال فتح باب التبرعات الشعبية والرسمية لمد الانتفاضة الفلسطينية بكل وسائل الدعم والمساندة. ولم يكن مفاجئاً المواقف السياسية المعلنة والواضحة والمنحازة كل الانحياز لنضال الشعب الفلسطيني، بعيداً عن الشروط والإتاوات والمنافع الشخصية الضيقة والكسب الرخيص الذي يمارس عادة عند بعض الأطراف، بكل وسائل إعلامها على اختلاف مشاربها وانتماءاتها، إذا جاز لنا القول انها تعبر عن مشارب وانتماءات. مواقف راسخة ولعل هذا النقاش لم يقف عند حدود الراهن، بل رجع إلى تجارب الفلسطينيين مع هذا البلد العربي المعطاء، أي إلى الأيام الأولى لنضال الشعب الفلسطيني، حيث عبر ممثل اليسار عن حقيقة تعتبر غاية بالأهمية، هي ان هذا الاتجاه الذي كان ملاحقاً في بداياته لم يجد ملاذاً إلا الإمارات العربية، بعيداً عن هواجس الملاحقات الأمنية والاستخبارية. ومن نافلة القول ان الشعب الفلسطيني، بمختلف اتجاهاته السياسية والأيديولوجية لم يجمع على موقف أو يتوحد ويلتف حول موقف يوماً أكثر من إجماعه والتفافه حول مواقف الإمارات العربية المتحدة، بحيث لا يمكنك أن تفصل بين وحدة المواقف إزاء سياسة الإمارات الفلسطينية، إلا بالشكل المدرسي المحض. وهذا الكلام ليس باطلاً يراد به حقاً أو تكسباً، بل كلمة حق يراد بها الحق من كل الاتجاهات السياسية على الصعيد الفلسطيني والشعبية أيضاً. فحتى الذي لم يزر هذه البلد أو يتعرف على شعبه عن كثب وسياسة قياداته، يمتلك صورة مشرقة ناصعة غير مخدوشة أو مشوهة عن مدى صدقية النوايا والأقوال التي تؤكدها الأفعال في أكثر من خطوة سياسية إجرائية على الأرض الفلسطينية التي حولت الحجر سلاحاً، والدم سيفاً يرتد إلى أعناق القتلة المحتلين. ولا غرو إذا ما قلنا أن الذكرى الخامسة والثلاثين لتنصيب صاحب السمو الشيخ زايد حاكما لامارة أبوظبي، ليس عرساً إماراتياً وحسب، بل هي عرس عربي وأكثر من ذلك عرس فلسطيني، لما تحمله هذه الذكرى في الذاكرة النضالية الفلسطينية، وإسلامي، وهنا لسنا بصدد البحث في هذا الجانب. بقلم : عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني