سياسي كبير من دولة عربية شقيقة روى لي هذه الواقعة التي كان طرفاً فيها قبل سنوات. كان ضمن وفد يرأسه رئيس دولته في زيارة لقطر عربي آخر لحضور أحد المؤتمرات. وعقب انتهاء المحادثات في أحد الأيام، صحب رئيس الدولة المضيفة بعض الرؤساء والزعماء في جولة بالعاصمة العربية. وكان نصيب صديقنا السياسي الكبير أن يجلس في سيارة قادها رئيس الدولة المضيفة بنفسه وبجانبه صديقنا، بينما جلس في المقاعد الخلفية رئيس الدولة التي ينتمي اليها الصديق وإلى جواره الشيخ زايد. طافت السيارة بأنحاء المدينة العربية في جولة طويلة، ثم عادت إلى مقر الضيافة.. وبعد قليل فوجئ صديقنا السياسي الكبير بالشيخ زايد يطلبه للقائه ليقول له إنه لاحظ تفاهماً بينه وبين رئيس الدولة المضيفة، ومن هنا فهو يطلب منه أن يتحدث معه في أمر هام. ويقول صديقنا السياسي الكبير أنه استفسر من الشيخ زايد عن هذا الأمر، فإذا به يقول إنه لاحظ أثناء الجولة أن المواطنين في هذه العاصمة العربية لا تبدو عليهم أمارات السعادة والاطمئنان، وأن أحوالهم وأحوال المدينة لا تليق ببلد حباه الله بالخير وأنعم عليه بالثروة، وهو لا يدري سببا لذلك، ويود أن ينقل لرئيس الدولة المضيفة حقيقة مشاعره عما رآه، وأمنياته في أن يلتفت الحكام في البلد الشقيق لمعالجة هذا الأمر. أما لماذا لم ينقل زايد وجهة نظره مباشرة للزعامة العربية الأخرى. فلأنه - كما شرح لصديقنا - لا يريد أي حساسية أو سوء فهم. وأما ما حدث بعد ذلك، فقد نقل صاحبنا وجهة نظر زايد وكان الرد حديثاً طويلا تختلط فيه الحقائق بالأوهام، وتوضع المصالح الوطنية في آخر الاهتمامات. لماذا أذكر القصة اليوم؟ لأنها تضع أمامنا مفاتيح هامة في شخصية الشيخ زايد. فهذا رجل لا يعرف اللف والدوران، يؤمن أن غاية الحكم أيا كان هو سعادة المواطن، وينطلق من أن لكل مواطن حقا في ثروة بلاده التي ينبغي أن توضع في مكانها الصحيح وأن تدار بالطريقة التي تحقق بناء الوطن الذي يحمي أبناءه ويوفر لهم كل فرص الحياة والتقدم. والذين شهدوا - مثلي - البدايات الصعبة على أرض الإمارات قبل ثلاثين سنة، يدركون أنه بهذا المفهوم وحده تحقق ما يشبه المعجزة: قامت الدولة، واستمرت، وأنجزت، ووجدت أجيال ما عوضها عن سنوات الحرمان الطويلة، ووجدت أجيال أخرى ما فتح لها أبواب المستقبل على مصراعيه. ولم يتحقق ذلك بالانكفاء على الداخل، بل بادراك عميق بأن ما يجري بناؤه بالداخل سيكون عوناً للأمة العربية وسنداً لها في كل معاركها.. وهذا ما كان، وبكل الصدق والمسئولية والتواضع النبيل. جلال عارف