بمقاييس التطور التاريخي للأمم والشعوب، لا تمثل ثلاثة عقود اكثر من لحظات عابرة قد لا تعني شيئا في كثير من الاحيان، بالنسبة لمن يرصد وقائع وتطورات الاحداث ومسارات التحولات الكبرى. فكم من الدول والشعوب عبرت اضعاف هذه المدة وما زالت تحبو دون ان تبلغ اولى درجات التطور والنماء.. والامثلة كثيرة في واقعنا الراهن وفي الماضي القريب والبعيد على حد سواء. غير ان ما شهدته الامارات العربية المتحدة خلال العقود الثلاثة الماضية ومنذ عام 1966، يمثل تحولا قياسيا وانجازا اقرب الى الاعجاز في مختلف مجالات النماء والنهوض الشامل، سياسيا واقتصاديا وعمرانيا، فضلا عما تحقق في ميادين بناء الانسان المتعلم الواعي والقادر على تحمل المسئولية والذي وضعته القيادة منذ اللحظة الاولى في اعلى سلم اولوياتها، ولم تبخل عليه بكل ما يحقق له الامن والرخاء وسبل العيش الكريم. وهكذا تأتي الذكرى الخامسة والثلاثون لعيد جلوس صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حفظه الله، وقد اكملت الامارات اسس نهضتها واصبحت نموذجا يحتذى في انجازاتها الوطنية ومواقفها القومية وعلاقاتها الدولية مما اكسبها محبة الجميع واحترامهم وجعلها منارة تستقطب الاهتمام وتحظى بالتقدير والاعجاب. ولا شك ان اكثر من يعرف حقيقة هذا الواقع الحضاري المزدهر الذي تعيشه الامارات، هو القائد زايد الذي جاهد لتحقيق هذا المستوى الرفيع وبذل الغالي والنفيس لتحقيقه، متحديا كل العراقيل والعقبات الكثيرة، بصدق ايمانه وعزيمته التي لا تلين. لكن زايد بحنكته وحكمته يدرك ان الحفاظ على المنجزات وصيانتها من اي عبث او اهمال، يتطلبان جهدا مستمرا وعملا دائما لا يحتمل التراخي او الكسل، لكي تستمر المسيرة ويتواصل العطاء والبناء. لذلك فإن الرسالة التي وجهها صاحب السمو الشيخ زايد الى ابنائه المواطنين في هذه المناسبة العزيزة لم تأت لترديد الشعارات المبتذلة كما دأب البعض، ولم تتوقف عند تعداد الانجازات التي تحققت، وهي تستحق. بل جاءت لتعزز الثوابت وتجدد العزيمة وترسخ اكثر النهج المتجدد والرؤية الاستشرافية التي تستوعب دروس الماضي وتعي حقائق الحاضر وتتطلع بالعمل والامل لمستقبل اكثر عزة واشراقا. حفظ النعمة «عليكم ان تجدّوا وتكدوا في اعمالكم وتخلصوا وتكرسوا جهودكم وهمتكم من اجل خير وطنكم وبلدكم، وإياكم والكسل والتقاعس والتهاون، فإن النعم لا تدوم الا بالجهد والنشاط والعمل الجاد وشكر الله وحمده». هكذا خاطب الوالد القائد ابناءه ومواطنيه، بروح الابوة الحانية، وخلاصة الحكمة والتجربة، وعمق الايمان بالله والتمسك بدينه الذي يحث على العمل واتقانه «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله» وهو سبحانه الذي وعد الشاكرين، ليس بدوام النعمة فحسب بل وبزيادتها ايضا «لئن شكرتم لأزيدنكم». وبذلك جمع سموه في هذه الكلمات الموجزة بين اسس البناء السليم، وسبل توطيده، ووسائل حفظه وصيانته وإذا ما توفرت هذه الشروط، من سلامة التخطيط وصحة التنفيذ واستمرار الحماية والرعاية، فإن البناء يكون قادرا على الصمود في مواجهة الظروف والمتغيرات مهما كانت شدة العواصف الطبيعية والاعاصير السياسية التي تجتاح الكثير من بلدان العالم ومناطقه المختلفة. وهو في كل ذلك يؤكد على التمسك بهوية الوطن والحرص على قيمه وتراثه العريق الذي يعبر عن اصالة هذا الشعب وانتمائه الحضاري والانساني الذي تضرب جذوره بعيدا في عمق الحضارة العربية الاسلامية والتاريخ الانساني التليد. الانفتاح الواعي لكن التمسك بالتراث الذي يحظى باهتمام خاص في نهج زايد ووجدانه، ليس معناه الانغلاق على الذات والانعزال عن احداث العالم وتطوراته، بكل ابعادها وانعكاساتها. بل العكس هو الصحيح. فالتراث العربي الاسلامي الذي عرفه سموه بالفطرة واستوعبه بالخبرة والتجربة، انما هو سلسلة متصلة من التواصل والتفاعل مع مختلف الثقافات والحضارات، هذا التفاعل الذي عمقه الاسلام الحنيف واغنى مضمونه بكل معاني الاخوة الانسانية والدعوة بالحكمة والمجادلة بالتي هي احسن. وانطلاقا من هذه الاسس والمباديء، وترسيخا للنهج الذي اختاره سموه منذ البداية، فإنه يحث ابناء المواطنين على انتهاج هذا الطريق القويم في التلاقي والتواصل مع العالم والاخذ من ايجابياته دون ان يعني ذلك الاستسلام للسلبيات او التساهل في الثوابت والقيم الراسخة. يقول سموه: «اعملوا وتفاعلوا مع العالم الذي حولكم، خذوا منه ما يفيدكم واطرحوا جانبا ما يضركم ويسيء الى مجتمعكم وقيمكم وتراثكم العريق». ولم يقتصر الخطاب في هذه الرسالة التوجيهية الكريمة على فئة دون أخرى من أبناء الوطن وبناته، «كونوا حسبما نتوقعه منكم، رجالا ونساء، تعملون من أجل بلدكم ووطنكم بكل جد وتفان». إنه التفاعل الواعي والعقلانية المتزنة اللذان شكلا فكر زايد وطبعا ممارساته منذ توليه الحكم في امارة أبوظبي، ثم رئاسة الدولة الاتحادية حيث انتخب سموه أول رئيس للاتحاد عام 1971، باجماع أصحاب السمو حكام الامارات، وظلوا يجددون له العهد والاختيار، وفاء لعطائه وتقديرا لخصاله. وهي الخصال ذاتها التي جعلت دولة الامارات تنفرد بأنها الدولة العربية الوحيدة التي ليست طرفا في خلاف مع دولة عربية أخرى، رغم التداخل المتنوع والحدود المشتركة مع أكثر من بلد عربي. والأمر نفسه بالنسبة لعلاقاتها الدولية التي لم تقف عند حدود التمثيل الدبلوماسي، بل أصبحت الامارات تستقطب كل الجنسيات من مختلف الأعراق والثقافات، اما مقيمين أو عابرين لأغراض التجارة أو السياحة وغيرها من الأنشطة التي تزخر بها الامارات، كالمعارض المتنوعة والمهرجانات المتعددة التي تجتذب الزوار من كل الأصقاع. طريق المستقبل كل هذه الانجازات والمكتسبات التي حققتها الامارات في هذا الحيز الزمني الضيق وبهذا المستوى من الشمولية والتنوع، لا ترضي طموح القائد ولا تقلل تطلعه المستمر وسعيه الدؤوب لتحقيق الأفضل والأعلى للوطن والمواطن وللأمة كلها والإنسانية جمعاء. وصاحب السمو الوالد القائد، لا يعطي التوجيهات أو يقدم الارشادات لمجرد التنظير أو القاء الأوامر، وإنما يستخدم اسلوب الاقناع والتحليل، مستعرضا ظروف الماضي ليستخلص منها الدروس والعبر، ويقدم القدوة والنموذج بجهده وعمله، ومتابعته الشخصية. «لقد مر علينا نحن كما مر على أهلكم وعلى البعض منكم ظروف قاسية وحياة صعبة وحال عسير.. والآن نحن في خير من الله وفير. لذلك عليكم ألا تدخروا جهدا من أجل العمل بكل ما أوتيتم من طاقات وامكانيات». وهذا التحول لم يكن وليد الصدفة المحضة، وإنما جاء ثمرة جهود جبارة تميزت بروح التحدي والمثابرة والعزيمة الصادقة التي لا تلين. فلم تكن الثروة النفطية التي حبا الله بها هذه البلاد، إلا وسيلة أحسن استخدامها ووجهت في الاتجاه الصحيح لخير الوطن واسعاد المواطنين. وإلا فإن الامارات ليست البلد الوحيد الذي يمتلك ثروة طبيعية كبرى، ولو كانت الثروة هي العامل الوحيد للنمو والارتقاء لما اختلفت عن غيرها من الدول التي تحظى بمثل هذه الثروات وأكثر، لكنها لم تعرف، أو لم ترد، وضعها في مسارها الصحيح، وفي بعض الأحيان تكون الثروة ذاتها مصدر تعاسة وشقاء وحروب مدمرة يصبح الفقر معها أفضل بالنسبة للكثيرين من كل الثروات. وأهم خصائص النهج القيادي الذي اعتمده صاحب السمو الشيخ زايد عبر مسيرة العطاء والانجاز، هو العمل والمثابرة بكل التفاني والاخلاص. فلا مجال للكسل ولا مكان للمتقاعسين، «فثابروا واستمروا، لأن الإنسان السوي لا يسعى إلا لما فيه خيره ومسرته وعزته، فإياكم والابتعاد عن هذا الطريق»، لأنه الوحيد لتحقيق الآمال والوصول إلى الغد المنشود لما فيه خير شعبنا وأمتنا، وتجاوز كل التحديات والصعاب. تلك رسالة زايد وهذا نهجه.. العمل ثم العمل، دون كلل أو ملل. وما دام هذا النهج قائما وأساساته راسخة، فلا خوف على الحاضر ولا خشية من المستقبل. بقلم: عبدالله إسحاق