ظاهرة أطفال الشوارع جعلت من نفسها بندا مهما في أجندة منظمات الطفولة العالمية، وبعد أن كانت حبيسة الأدراج وكانت تمثل حرجا واضحا للدول التي تعاني من الظاهرة في الحديث والتعامل معها، النسب والتقديرات المتزايدة جعلت منها موضوعا شائكا يهدد أمن المدن الكبرى الجاذبة لهؤلاء الأطفال مماشكل تهديدا واضحا لأمن المجتمعات ودعا الجهات المعنية الحكومية والأهلية للتحرك ودراسة أسباب الظاهرة ومحاولة تجفيف المنابع التي تفرزها. الظاهرة في مصر لم تصل الى حد استحالة العلاج.. فمنذ وقت طويل ادرجت مشكلة هؤلاء ضمن مشروعات الدولة الحكومية الخاصة بالطفولة ومشاكلها. وهناك جهود مبذولة سواء حكومية أو أهلية في هذا الشأن حققت نجاحات هائلة واستطاعت أن تدمجهم في المجتمع مرة أخرى بالاشتراك مع الهيئات والمنظمات الاقليمية والدولية. بدأت الدولة باعتبارها سلطة اتخاذ اجراءات حاسمة وصارمة لمواجهة المشكلة من خلال جهود وزارة الشئون الاجتماعية وجمعيات الرعاية الاجتماعية والمتكاملة والحد من زيادة اعداد هؤلاء الأطفال وذلك من خلال الأخذ بالأساليب الوقائية التي تمنع لجوء الطفل الى الشارع والشروع في الجهود الاصلاحية لمواجهة أسباب المشكلة والعمل على تقديم الحلول والاقتراحات والبدائل للتعامل معها وعلاجها. وعن جهود وزارة الشئون الاجتماعية في محاصرة الظاهرة يقول محمد عبدالرحمن زيدان وكيل وزارة الشئون الاجتماعية لمنطقة القاهرة: المواجهة المجتمعية حاليا لظاهرة أطفال الشوارع شاملة سواء كانت حكومية أو أهلية، نتعامل كدولة مع الأسباب ومحاولة علاجها. ويشير الى أن الدولة لا تمارس العنف اطلاقا ضد هؤلاء كما يحدث في دولة أخرى ونتعاطف كثيرا مع هذه البراعم الصغيرة ونعاملهم بعقلانية حتى لا نتركهم للعناصر الفاسدة من الكبار فيساء استخدامهم في كل ماهو غير قانوني ابتداء من النشل والسرقة وتوزيع المخدرات الى الجرائم غير الاخلاقية الأخرى. وكان من ضمن ماقامت به السيدة سوزان مبارك لمحاصرة المشكلة وايجاد حلول حاسمة وجذرية لها انشاء لجنة أطفال بلا مأوى والأطفال العاملين والتي تهدف الى تقديم حلول لهؤلاء الأطفال حتى لايتسرب منهم مجموعات الى الشارع وذلك لتجفيف المنابع التي تفرز أطفال الشوارع كي تتوقف عن التزايد. يفرق المستشار محمد عبدالعزيز الجندي مقرر لجنة أطفال بلا مأوى والأطفال العاملين ورئيس جمعية الحرية بالاسكندرية لرعاية أطفال الشوارع بين طفل الشارع والأطفال العاملين. فالأول هو من اتخذ الشارع محلا للحياة والاقامة دون رعاية أو حماية أو اشراف من جانب اشخاص راشدين مسئولين أما الأطفال العاملون هم الذين يعملون اثناء النهار أو لعدة أيام متتالية ثم يعودون الى أسرهم بصورة منتظمة وهم يمثلون الأغلبية العظمى من الأطفال المتواجدين بالشارع. أما الطفل بلا مأوى فهو الموجود مع أسرته ولكن بدون عنوان محدد. وعن دور جمعية الحرية يقول الجمعية تقوم بدور مهم في تأهيل وتدريب طفل الشارع وتوفر له عائدا يوميا يقدر بجنيهين يوميا علاوة على توفير الأكل والنوم وممارسة الرياضة. ويؤكد أن التجربة نجحت مع هؤلاء الأطفال قائلا: نحن لانقيدهم في الدار ونتركهم يفعلوا ما يحلو لهم حتى يتم تقويم الأطفال ويشعروا بدفء وحنان الجمعية والدار التي تقدم لهم المساعدات دون أية مقابل سوى أن يكونوا أطفال اسوياء، والحل ليس مستحيلا فالطفل الذي يتم تقويمه يعود الى الشارع ليحضر واحدا أو أكثر من أصدقائه طالبا له ماقدم لتقويمه واعادته للمجتمع مرة أخرى. الظاهرة عالمية والظاهرة لا تقتصر على مصر وانما هي عالمية وعن التقديرات العالمية لها يقول عنها الدكتور سامي عصر منسق المشروع العربي لأطفال الشوارع ان الظاهرة آخذة في النمو ليس على مستوى البلدان النامية فقط وانما أيضا في الدول المتقدمة وأشارت التقديرات العالمية الاخيرة ان العدد يزيد على 100 مليون طفل موزعين الى 20% للدول المتقدمة و40% لأمريكا اللاتينية و30% في قارة اسيا و10% في افريقيا، كما تبدو لافتة للنظر في الدول الأوروبية خاصة في الجنوب الأوروبي ولهؤلاء مسميات مختلفة ففي بولونيا يطلق عليهم دود الخشب وفي الكاميرون يسمونهم الصيصان وفي كولومبيا أولاد الغبار وفي فيتنام الاولاد السيئون أما في مصر فيطلقون على أنفسهم السوس. ولم ينج المجتمع العربي كما يقول الدكتور سامي من هذه الظاهرة الدولية فلقد مر مؤخرا بالعديد من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أهمها زيادة السكان وزيادة معدلات الهجرة من الريف الى الحضر. المجلس العربي للطفولة والتنمية لم يكن بعيدا عن المشكلة فقد تبنى فكرة مشروع عربي لعلاج الظاهرة من خلال اطار تعاملي يحتوى على مجموعة من السياسات والبرامج التي تخفف من حدة الظاهرة عربيا ويعمل على معالجتها وذلك بمشاركة الجمعيات الأهلية والجهات الحكومية العربية المعنية بمشكلات الطفولة في الأقطار التي تعاني منها واثارها السلبية ويعتمد المشروع خلال مراحله المختلفة والتي قدرت مبدئيا بخمس سنوات يمكن أن تمتد، على نقطتين هما العلاج والوقاية. فالعلاج يعتمد على الرعاية العاجلة للأطفال المتواجدين في الشارع وفي احتياج للمساعدة، أما الوقاية فتعتمد على تطوير أساليب وبرامج وسياسات تهدف الى الحد من انتشار الظاهرة عربيا والتعامل مع أسبابها والعوامل المرتبطة بنموها وتطورها وقد تم اختيار كل من مصر والسودان والمغرب واليمن لتنفيذ المشروع باعتبارها من الدول ذات تجربة في هذا المجال. كما قرر المجلس وتحت رعاية الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود رئيس المجلس العربي للطفولة والتنمية البدء في حملة لدعم المؤسسات والمشاريع العربية التي تحتوي هؤلاء الأطفال من خلال اقامة الحفلات الخيرية والتي يؤول عائدها لدعم هذه المشاريع الحيوية لصالح أطفال الشوارع والتي تهدف الى تحقيق شعار حتى لا ينام طفل عربي في الشارع وآخر هذه الحفلات والأنشطة الحفل الذي تم اقامته مؤخرا بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة واحياه عدد كبير من النجوم العرب ووصل عائد التبرع فيه لثلاثة ملايين جنيه. والفن أيضا ليس ببعيد عن المشاركة في حصار المشكلة والقضاء عليها بدليل مافعله الفنان المصري المتميز محمد صبحي عندما خصص جزءا كبيرا من قريته الفنية مركز الفنون والابداع لتعليم عدد من أطفال الشوارع يتم اختيارهم بعناية جميع أشكال الفنون وقبلها كان قد نوه للمشكلة في مسلسله الشهير يوميات ونيس وفيه التقط عددا ليس بقليل من هؤلاء الأطفال وتم تدريبهم على كافة الفنون وانتشالهم من حياة الشارع عن طريق اخصائيين نفسيين وتقديمهم للمجتمع أطفال اسوياء واصحاء. الجمعيات الأهلية في مصر قامت بدور بارز وفعال هي الأخرى ومدت يد العون لهؤلاء لتأخذ بيد كل طفل اضطرته ظروفه الاجتماعية أو جنوحه الشخصي وترك الجدران وتفضيله حياة الشارع بسلبياتها المتعددة. وانشأت عدة جمعيات لمواجهة هذه الظاهرة تحديدا ايمانا بدورها في مشاركة الدولة للوصول الى حل جذري والعمل على الرصد الدقيق للمشكلة وعلاجها، في البداية واجه عمل هذه الجمعيات بعض الصعوبات حيث أن الدراسات العلمية التي تم اجراؤها على أطفال الشوارع قليلة وان حجم الظاهرة في مصر لم يتم تحديده بدقة نظرا لتنقل هؤلاء بين أماكن عديدة وعلى فترات متقاربة وكان اعتماد تلك الجمعيات على تقارير واحصاءات الأمن العام والادارة العامة للدفاع الاجتماعي بوزارة الشئون الاجتماعية الى أن أصبح لهذه الجمعيات دور مهم وحيوي في خدمة هؤلاء الأطفال ومن هذه الجمعيات، جمعية قرية الأمل ورجال الأعمال بأسيوط، وكاريتاس مصر وهي أقدمهم والتي سجلت بوزارة الشئون الاجتماعية عام 67 وتنتسب الى هيئة كاريتاس العالمية، وجمعية حماية وسلامة المجتمع بالجيزة، وجمعية مصر للتنمية. وكان عمل هذه الجمعيات في البداية بدون مفهوم علمي متكامل حتى تراكمت الخبرات والتقت الأنشطة بجهود الخبراء والباحثين الاجتماعيين من خلال المؤتمرات والندوات واتباع أساليب حديثة في الممارسة الميدانية مثل معسكرات الاستقبال المفتوحة ولم شمل الأسرة وأنشطة التأهيل المختلفة. وهو ما أدى في النهاية الى العمل وفق رؤى علمية متقدمة وخبرات حية ومن أشهر الجمعيات التي تعمل وفق هذه الرؤية جمعية قرية الامل لرعاية أطفال الشوارع في مصر والتي تأسست عام 1988 من رجال وسيدات الأعمال وتخدم الأطفال من خلال 8 مراكز منتشرة في انحاء القاهرة الكبرى من خلال الرعاية النهارية الترددية ورعاية واقامة مؤقتة ورعاية واقامة دائمة من خلال أربعة مراكز ويستقبل الأطفال من عمر سنة وحتى الانتهاء من مرحلة التعليم. وتتميز المراكز التابعة للجمعية بكونها وحدات اعاشة في مناطق آهلة بالسكان غير منعزلة أو منغلقة حتى لا يهرب منها الأطفال ويشعرون بالسجن والانعزال وهو مايسمح بممارسة الحياة الأسرية مع شعور الطفل بأنه جزء من المجتمع وانه موجود في هذا المكان بدافع ورغبة منه وليس مفروضا عليه ويقوم بعملية الاشراف اخصائيون أو متطوعون ويقوم كل مشرف برعاية ثمانية أطفال وهو العدد المتفق عليه دوليا. وعن دور الجمعية في خدمة أطفال الشوارع يقول مديرها أحمد عبدالفتاح: 90% من هؤلاء الأطفال لديهم أسر يعرفونها جيدا وهدف الجمعية الأول تأهيل الأطفال للانخراط مرة أخرى داخل أسرهم. وتساعد الجمعية هؤلاء من خلال انتشار مجموعة من الاخصائيين في أماكن تجمعهم ومناقشتهم في حضورهم ليتناولوا وجبة غذاء نظيفة أو الاغتسال والكشف الطبي دون أية قيد أو شرط عليهم ومن هذا المنطلق يكون نوعا من أنواع الصداقة مع المشرف والدار معا ومن خلال ملف البيانات الموجود بالجمعية لكل طفل نستطيع معالجة الخلل الأسري الذي أدى الى هروب الطفل. ويشير أحمد عبدالفتاح خلال وجود الطفل بالجمعية يتم الحاقه بالمدرسة فإذا تعدى سن التعليم يلتحق بمحو الأمية وبعدها يبدأ في عملية التأهيل. ويشير الى أن الجمعية تقوم بواجبها تجاه الأسر لعلاج الخلل الحاصل بينها وبين طفلها وبعد دراسة حالة الاسرة تقدم لها الحلول فإذا كان هروب الطفل نتيجة للفقر فتمد الأسرة بقرض لرفع مستوى المعيشة بها لتظل حاضنة للطفل مع متابعاتنا الدورية. وكثير من الأسر عن طريق هذا القرض استطاعت لم شمل أولادها الضالين في الشوارع. وأضاف لم ينته دورنا الى هذا بل نعمل أولا على الحاق الطفل بالمدرسة اذا كان سنه مناسبا أو يلتحق بفصول محو الأمية ليتم الحاقه بعد ذلك بالورش التعليمية. واذا لم نوفق في رجوع الطفل لأسرته أو كان من الأطفال الذين لا يعرفون لهم أسر فمن خلال الاقامة المؤقتة لدينا نضعه في مجموعة عائلية صغيرة ليشعر بدفء الأسرة ويتعود على العيش في الجمعية بالاضافة الى حصوله على الخدمات الطبية والمعيشية من غذاء وملبس ومكان آمن للنوم بالاضافة الى وسائل الترفيه واقامة الدورات الرياضية مع الرعاية الاجتماعية والنفسية. كما يتم تدريبهم على حرف مختلفة مثل صناعة السجاد اليدوي وأعمال الصدف والنجارة ويتم الحاقهم بورش خارجية للتدريب. ويقول ان الهدف من الاقامة المؤقتة التي تصل الى سنة هو اعادة الطفل الى بيئته الطبيعية التي حرم منها بعد تعديل سلوكه. وينتقل بعد ذلك الى الاقامة الدائمة والمجموعة التي تصل الى هذه المرحلة يتم تقسيمهم لمراحل فالأطفال أقل من 12 سنة يلتحقون بالمدارس الحكومية ويتم الحاق من تسرب بالورش التعليمية، أما من تسرب من التعليم وتعدوا سن 15 يحولون الى بيوت الشباب حيث تتميز معيشتهم بالاستقلالية فيتحملون مسئولية اعاشة أنفسهم من خلال العمل ويشير إلى أن الجمعية لديها 7 من هؤلاء تخرجوا من كليات الزراعة والتجارة ومنهم واحد تزوج مؤخرا من فتاة خريجة كلية الألسن وتعرف حكايته بالكامل. وقال ان لدينا برامج عديدة نقوم بتنفيذها بالتعاون مع هيئات وسفارات أجنبية في مصر ومنها محاولة تشجيع المجتمع على التعاطف مع طفل الشارع وتغيير الشعور السلبي تجاهه والذي بدوره سوف يساعد الطفل على الاحساس بأن له أهمية وقمنا بتشغيل أطفال الشوارع في نظافة حي السيدة زينب ووجدنا انها نقطة التقاء جيدة بينهم وبين المجتمع. وقد تكرر تطبيق هذا المشروع لمدة سنة ونصف بالتعاون مع هيئة اليونيسيف وسفارة فنلندا. ويضيف نقوم أيضا بتنفيذ برنامج من طفل الى طفل ويهدف الى نقل المعلومات والسلوكيات الصحية السليمة للأطفال المقيمين في الشارع بواسطة زملائهم المترددين على مراكز الاستقبال بالجمعية. ويشير مدير الجمعية أحمد عبدالفتاح الى أننا كجمعيات أهلية وبالتعاون مع أجهزة الدولة المختلفة نستطيع مواجهة الظاهرة والحد منها ولابد من السيطرة على الظاهرة في مدينة القاهرة التي تعد أكثر المدن المصرية من حيث الأطفال المشردين بالمقارنة ببقية مدن الجمهورية ولا توجد حالات تشرد من القرى ووجودهم يكون في المراكز أو عواصم الاقاليم باستثناء المدن الساحلية وحتى عام 1996 فقد وصلت نسبة تشرد الأطفال في القاهرة حوالي 40% من نسبة الأطفال المشردين وبفارق كبير عن مدينة بورسعيد 16.8%. وعن سمات وخصائص طفل الشارع النفسية يقول الدكتور أحمد شوقي العقباوي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر: هؤلاء الأطفال ضحايا لأسباب مجتمعية كثيرة فعلينا أن نتخيل أي نفسية هذه لطفل فقد الأحساس بالأمان والرعاية والحب ليس لديه فرص تمتع بحقوق الطفل الرئيسية التي كفلتها له كل المنظمات العالمية والمحلية كحق التعليم والحياة الآمنة واللعب فهم بالفعل أطفال مظلومون ولابد من تقديم قدر كبير من الرعاية لهم لمحاصرة الظاهرة وأول هذه الرعاية تتمثل في المعالجات الأسرية التي تحد من الفقر وزيادة السكان والتفكك الأسري حيث تفرز هذه المشكلات أطفالا مصابين بالأمراض النفسية. ومن أهم السمات الشخصية لهذا الطفل ضعف المبادئ وضعف الانتماء والشعور بالظلم والرغبة في الخروج على النواميس والعمل ضد المجتمع وبالتالي لا يحترم له اي قوانين أو اعراف، أيضا سماته العناد وحب الشغب وعدم التركيز والرغبة في المساواة مع الاخرين. ويشير د. العقباوي أن قضية هذا الطفل الأساسية واليومية هي الصراع من أجل الحفاظ على كيانه. ويمر هؤلاء الأطفال بثلاث مراحل لاكتساب حياة الشارع في المرحلة الأولى وهي الانفصال عن الأسرة يشعر بالخوف الشديد من البقاء في الشارع وعدم القدرة على التكيف أما في مرحلة التنقل بين الأسرة والشارع والتي تتميز بالهروب المتكرر من الأسرة والتعرض لما يسمى بأزمة الهوية بمعنى عدم الاحساس بالانتماء من جانب الفرد لجماعة معينة ونجد أن هذه المرحلة تكثر بها الاصابة بكافة أنواع الاضطرابات النفسية. وأخيرا مرحلة التحول الى طفل شارع حيث تتميز باكتساب الطفل لقيم ومهارات جماعة أطفال الشوارع ويبدأ حياته في هذه المرحلة بالاكتئاب وتزول بانخراطه مع الجماعة وانسياقه التام لثقافة أطفال الشوارع فالواضح أن أية جماعة من البشر مشتركين في خصائص معينة لهم ثقافة فرعية وتعتمد هنا على المشاركة ويتعاملون وكأنهم في محنة يريدون الخلاص منها وذلك بحقدهم على المجتمع اعتقادا منهم انه العدو الأساسي والعلاقة بينهم يحكمها قدر هائل من التعاطف والمساعدة، هذا لا يمنع انهم أنانيون بطبيعتهم لأنهم في معركة حياة أو موت فيقول أنا وبعدي الطوفان. ويضيف لابد من دور دول الدولة وجمعيات المجتمع المدني لمساعدة هؤلاء المظلومين في التخلص من اضطراباتهم النفسية التي تشكل العامل الأساسي في هروبهم الى الشارع واحتضان الشارع لهم فكثيرون منهم فضلوا أن يتركوا عيشة الترف والتعليم ليناموا في العراء لممارسة الحرية بكل صورها ضاربين الاعراف والتقاليد. ولكن لابد للاخصائيين النفسيين توظيف سلوكهم الايجابي في العمل الجماعي وتحمل مشقة العيش في الشارع فهؤلاء الصغار بما فيهم من سلبيات لديهم ايجابيات وتظهر قدرتهم على تحمل المسئولية في هذه السن الصغيرة ومواجهة الأمور كعمليات القبض ومواجهة المرض والاحساس بالبرد وتحمل الجوع، فلابد من توظيف هذه الايجابيات عند محاولة تأهيلهم نفسيا للرجوع عن طريق الشارع. ومن خلال اللقاءات والمناقشات والمشاهدات التي رصدتها «البيان» لظاهرة أطفال الشوارع وجهود الدولة والجمعيات الأهلية في محاصرة الظاهرة وعلاجها تؤكد على أن العمل الميداني مع أطفال الشوارع هو أول بدايات النجاح والأخذ بيد الطفل من الشارع الى الدار يمثل نقلة حضارية بالنسبة له، مع ضرورة الاخذ بما توصلت اليه الدراسات والأبحاث الأخيرة عن نفس الموضوع ومحاولة تنفيذ توصياتها، وضرورة النظر الى التصدي لظاهرة أطفال الشوارع على أنها مسئولية المجتمع بأثره تتطلب تضافر الجهود على المستويات كافة التعليمية والتشريعية والثقافية والاعلامية. وضرورة أن ينلن الأناث حظا موازيا للذكور عند التصدي للظاهرة مع التأكيد على دور الحكومة الرئيسي في التصدي من الجانب التشريعي والارتقاء بمؤسسات الرعاية وان تسعى الجمعيات الأهلية بزيادة تطوير قدراتها المؤسسية واستقطاب التمويل اللازم لدعم برامجها واستثمار النجاح الذي حققته في رعاية هؤلاء الأولاد وتقديم نماذج مشرفة منهم للمجتمع. القاهرة ـ عفاف السيد: