كما هو متوقع تحولت سياسة الاغتيالات الاسرائيلية الى نهج، وذلك في غياب امكانية الخيار العسكري الشامل واتضاح القصور السياسي لحكومة شارون عالمياً. في سياق هذا الانسداد لم يعد امام حكومة شارون سوى تصعيد او مفاقمة سياسة القمع دون الوقوع في الخيار العسكري الشامل، أي دون العودة الى احتلال المدن الفلسطينية. وقد قلنا سابقا ان هذا التحليل لا ينفي امكانية الوقوع في خيار الحرب لأن ديناميكية الصراع، الفعل ورد الفعل، قد تؤدي اليه. تتلخص الاستراتيجية الاسرائيلية الحالية باستنزاف تصعيدي، في حين يمكن اعتبار الاستراتيجية الفلسطينية الحالية استراتيجية صمود. ولا تروق الاستراتيجية الاسرائيلية للعديد من القوى السياسية في اسرائيل، نتيجة لتنافس سياسي غالباً. فالتنافس السياسي في النظام البرلماني لا يحرك عادة بدوافع عقلانية أو برامج سياسية بديلة فعلاً، وانما غالباً ما يدفعه الصراع على السلطة والمكانة والنفوذ، ولذلك عندما يعقد مركز الليكود مؤتمره، يتحول هذا المؤتمر الى سوق للمزاودة الدموية الظلامية بين معسكري شارون ونتانياهو. لقد تربع نتانياهو على رأس السلطة في اسرائيل مدة ثلاث سنوات بدأها بمقتل ستة عشر جندياً اسرائيلياً في الصدام الذي وقع مع قوات الامن الفلسطينية بعد هبة الشعب الفلسطيني دفاعاً على الاقصى على اثر الاعلان عن شق النفق، وتلاها تنفيذ اعادة انتشار ضمن اتفاق الخليل ثم تفاهمات واي. وقد أطاح البرلمان بنتانياهو مبكراً و هبط التأييد لليكود في الانتخابات التي تلتها تأكيداً من الجمهور على فشل سياسته فشلا ذريعا ـ ويستطيع نتانياهو ان يلخص خطواته تجاه السلطة الفلسطينية واضطراره للتعامل مع اتفاقيات اوسلو دون ان يرف له جفن بكلمة «أخطأت». وفي الاجواء الهستيرية السائدة في المجتمع الاسرائيلي يقبل المزاج الجماهيري، بتسامح، هذا التلخيص الموجز وغير الجدي لفترة حكم كاملة، إذا ما كان صاحبه يدعو الى التصعيد والى الحرب والى التخلص من «سلطة عرفات» وهكذا... سوق المزاودة مفتوح، والبضاعة رائجة، لأن الطلب مدفوع بالغرائز، و هذه أنجع أنماط التجارة لأن الاستهلاك فيها يقوم على اشباع غرائز. يستطيع نتانياهو ان يتكلم عن الحرب وعن الاطاحة بـ «سلطة الارهاب»، طالما كانت السلطة الوحيدة التي يمارسها هو سلطة الكلام وسحره على اعضاء مركز الليكود، وطالما لم يكن مضطراً لمخاطبة بوش المنزعج من إلغاء ولي العهد السعودي زيارته الى الولايات المتحدة، أو لتبرير معارضته لإرسال مراقبين دوليين الى الضفة الغربية وقطاع غزة بموجب توصية الدول الصناعية الثماني الكبرى. قد يدفع نتانياهو وغيره من الساسة المزاودين بالمزاج الشعبي الى توقع المزيد من اعمال القمع من الحكومة، وقد يؤدي هذا بشارون الى محاولة اشفاء غليل هذا المزاج المتعطش اكثر فأكثر للدم. ولكن في نهاية المطاف تقرر حكومة اسرائيل الاستراتيجية، وتوجد استراتيجية واحدة لا اثنتان توحد شارون وبيريز، حتى لو كان الثمن غضب بعض وزراء الليكود، فهؤلاء يتمسكون بالوزارة والغضب لا ينسيهم مناصبهم، والاستراتيجية الاسرائيلية هي استنزاف بعيد المدى لقدرة شعبنا الفلسطيني على الاحتمال، والتصعيد الاسرائيلي حالياً تدريجي ومتواصل بحيث تتحول بعض مظاهره الى روتين مستمر يعتاد الرأي العام عليه وينشغل بآخر اغتيال وآخر اعتداء. وبهذا المعنى فإن الاستراتيجية الاسرائيلية هي أيضاً «استراتيجية صمود» لو استطعنا ان ننزع من هذا التعبير تداعياته الايجابية. فإذا كانت اسرائيل غير قادرة على فرض حلول جذرية بإعلان الحرب فهي تصمد على الأقل على موقفها بعدم العودة الى المفاوضات الا بالشروط الاسرائيلية وبعد «وقف العنف» الفلسطيني. ولكن هنالك قوى اخرى في اسرائيل لا تكتفي بإلقاء خطاب تحريضي في اجتماع حزبي، وانما تحاول تطوير استراتيجية بديلة على الأرض وبالممارسة، أي ليس بالكلام فقط، وعلى رأس هذه القوى الحركات الفاعلة بين مستوطني الضفة الغربية وقطاع غزة. يحاول هؤلاء عبر التنكيل بالفلاحين الفلسطينيين والاعتداء على قراهم وممتلكاتهم تحرير انفسهم من قيود السلوك كدولة، وتبني سلوك العصابات، ولديهم قناعة غير صحيحة مفادها انهم اكثر قدرة على «تلقين الفلسطينيين درساً» لأنهم اقل اضطراراً للتحلي بسياسة «ضبط النفس»، والحقيقة انه مهما بلغت ممارسات المستوطنين فإنها لا تقترب من ممارسات الجيش لا حجماً ولا ضرراً. ولكنهم يمارسون ذلك كعملية تعبئة سياسية لكوادرهم لكي لا تيأس وتغادر المستوطنات، وفي محاولة لجر السياسة الاسرائيلية لتصعيد القمع اكثر فأكثر، وبعضهم يعتقد انه بالإمكان شل قدرة الفلسطينيين على الحركة بتشديد الاجراءات العسكرية، وبعضه الآخر يذهب الى حد المطالبة بعودة الاحتلال المباشر للمدن الفلسطينية. ولكن الحكومة الاسرائيلية هي التي تقرر في نهاية المطاف. ولا يوجد طرف اسرائيلي واحد ينفذ استراتيجية بدلاً من حكومة اسرائيل. قد تؤثر ممارسات هذه القوى على قرارات الحكومة، وهي تهدف الى ذلك بطبيعة الحال، ولكنها لا تحل محلها ولا توازيها ـ انها تطالب بالحرب ولكنها لا تنفذ حرباً خاصة بها. في مواجهة هذه السياسة الاسرائيلية، ورغم غياب الدولة والسيادة، من الأفضل ان تكون هناك استراتيجية فلسطينية موحدة ـ وقد تتضمن هذه مرونة ميدانية وتعددية من شأنها ان ترهق الاحتلال، وهي تهدف الى ذلك بطبيعة الحال، ولكنها لا تحل محلها ولا توازيها ـ انها تطالب بالحرب ولكنها لا تنفذ حرباً خاصة بها. في مواجهة هذه السياسة الاسرائيلية، ورغم غياب الدولة والسيادة، من الأفضل أن تكون هنالك استراتيجية فلسطينية موحدة ـ وقد تتضمن هذه مرونة ميدانية وتعددية من شأنها أن ترهق الاحتلال، وهذه هي عناصر قوة الحالة الفلسطينية غير المنظمة كدولة، ولكن الاستراتيجية يجب أن تبقى واحدة، وإلا فسح المجال لقيادة الشعب الفلسطيني الى معارك لا تندرج ضمن تصوراته واستراتيجياته النضالية. كاتستنيك تختصر هذه الكلمة كلمتي «معسكر اعتقال» بالألمانية وتضيف اليها نسبة الشخص اليه لتطلق ككنية على القابعين في معسكرات الاعتقال النازية. وقد اختار الكاتب يحيئيل دينور هذا النسب ليذيل مؤلفاته بدلاً من اسمه الصريح. وقد اصدر «كاتستنيك» عدة قصص ومؤلفات تصف بدقة شنيعة لا ترحم ظروف الحياة في معسكرات الاعتقال النازية وبنية نفسية المعتقلين والسجانين خاصة في اوشفتز الذي نجا منه ـ قبل أن تعرف هويته الحقيقة، عندما استدعي شاهداً في محاكمة ايخمان. عندها تعرف الناس على الرجل الذي تحدث على المنصة بصوت نحاسي عديم التعابير عن «اوشفتز» ككوكب آخر، في الزمان وفي المكان. في الزمان، لأنه يفصل بالنسبة لنزلائه ما قبله عما بعده ـ وبهذا المعنى فقد ولد هو من جديد باسم جديد بعد النجاة، وأصر حتى وفاته الأسبوع الماضي ـ ألا يتحدث بكلمة واحدة عن حياته قبل معسكر الاعتقال. وفي المكان، لأن هنالك انقطاعاً مطلقاً رهيباً بين معسكر الاعتقال وبين محيطه، اذا صحت التسمية، لأن الحياة في اوشفتز ليست حياة ولا الموت موت، ولا الناس ناس، بل أرقام، ولا المجرمون مجرمون بالمعنى العادي للكلمة في الامكنة الاخرى. اصر الرجل على رأيه ان اوشفتز وقعت كوكب آخر، وان المعاناة في معسكرات الاعتقال النازية لا توصف ولا تفهم باللغة البشرية العادية، الى ان بدأ يزور لايدن في هولندا للعلاج لدى اخصائي شهير. وقد استعمل هذا الاخصائي عقاقير «ال.اس.دي» في علاج المصابين بالصدمات الحياتية (تراوحا). بحيث تعيدهم الهلوسة التي تحدثها العقاقير الى انتاج التجربة من منظار جديد أو من مخيلة جديدة. يقول «كاتستينك» انه ادرك فجأة ومن مشهد واحد فقط لضابط «اس.اس» يوجه الناس نحو المحرقة ـ ان هذا الضابط هو انسان وان الضحايا بشر ـ ومنذ أن توصل الى هذا الادراك البسيط والكارثي في الخيال اولاً ثم في الوعي لم تتوقف التداعيات ـ فهو يعني انه بالامكان فهم ما جرى، وان البروفة الكبرى للنازية تمت في شوارع مدريد (الحرب الأهلية الاسبانية)، لو أراد الناس ان يفهموا، وأن اوشفتز هي البروفة للحرب النووية المقبلة ـ فالشر هو في نهاية المطاف شر انساني، والنفس البشرية التي امرت بالإبادة قادرة أيضاً أن تأمر بتفجير القنبلة النووية. يقول كاتستنيك انه عندما خرج من معسكر الاعتقال، من ذلك الكوكب الآخر، زاد من صدمته ان العالم خارجه بقي على حاله لم يتغير فيه شيء، سوى انه في هذه الفترة تم اكتشاف البنسلين، كما اكتشفت القنبلة النووية ـ ولم يعر الموضوع اهتماما في حينه. ولكن بعد ان ادرك ان النازية هي شر بشري في نهاية المطاف، ادرك ايضا ان هذين الاكتشافين هما ايضا تعبير عن خيارين امام البشر. وسأل المعالج من لايدن كاتستنيك. ما دمت رأيت ان ضابط «ال.اس.اس» هو انسان فهل بإمكانك ان تتخيل نفسك مكانه؟ فجاءت اجابة الكاتب تعبيراً عن خيار اخلاقي وليس عن تحليل علمي لنشأة هذا الضابط وخلفيته الاجتماعية أو البيئية فقال: «اذا قدر للإنسان ان يصل الى هذه الدرجة من الشر بحيث يتحول الى جلاد بهذه القسوة، فإنني أفضل ان أكون ضحيته على أن أكون في مكانه». بقي فقط أن نقول انه قبل ان يصل دينور الى هذا الاستنتاج وفي نفس المحكمة التي عبر فيها عن نظرية الكوكب الآخر، كانت تجلس في المحكمة مفكرة أمريكية ألمانية الأصل ـ هانا ارندت ـ صاحبة كتاب «محاكمة ايخمان»، وقد توصلت هذه الى المعارف الوجودية حول «عادية الشر» غير المحتملة، وان النازية ليست من كوكب آخر، وان شر الفاشية يمكن ان يعود على ذاته، وان اليهود انفسهم غير محصنين منه. بقلم: د. عزمي بشارة