كنت أعتقد أن بداية العلاقة الفلسطينية الكويتية تعود إلى منتصف الثلاثينيات حين توجه أول وفد تعليمي من فلسطين للتدريس في الإمارة بتوجيه من الهيئة الإسلامية العليا أيام المفتي الحاج أمين الحسيني، يتضح من بعض الوثائق والمعلومات التي تحتاج إلى تدقيق بأن العلاقة تسبق ذلك التاريخ، إذ احتج كويتيون على وعد بلفور الصادر عام 1917، والذي أعطى الحركة الصهيونية حق إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأنه في عام 1929م حين أندلعت هبة البراق كما نسميها في تاريخنا السياسي المعاصر، في الصراع حول الأماكن المقدسة في المدينة المقدسة، فقد تظاهر كويتيون وأعلنوا تضامنهم مع الحركة الوطنية الفلسطينية التي فرضت على بريطانيا، بعد تلك الهبة، أو الانتفاضة إذا شئتم منع اليهود في القدس من استخدام «البوق» في الدعوة للصلاة والتعبد قرب حائط البراق، الذي لم تطلق عليه اللجنة البريطانية للتحقيق القادمة من وزارة المستعمرات آنذاك، إسم «حائط المبكى». تلك الأشكال الشعبية من التضامن مع شعب فلسطين، من شعب عربي صغير يبعد آلاف الأميال، وقبل وجود وسائل إتصال حديثة، تسمح بنقل الأخبار، في ذلك الزمان البعيد من مطالع القرن الماضي، تعتبر مؤشراً على «عروبة» الكويتيين وإحساسهم بالتضامن مع أبناء جلدتهم، في حدود إمكاناتهم في ذلك الزمان الغابر، في الثورة الفلسطينية الكبرى: ثورة عام 1936م والتي سادها أطول إضراب في التاريخ المعاصر استمر ستة شهور، انتقل تضامن العائلات الكويتية إلى تقديم الدعم المباشر لتلك الثورة، حيث قدمت عائلة الصقر، وربما عائلات أخرى، العون المادي للثورة والتي توقفت آنذاك بقرار عربي، اعتماداً على وعود الصديقة بريطانيا في إعطاء شعب فلسطين حقوقه ومنحه الاستقلال، كما جاء في نص الإعلان العربي الرسمي المشؤوم. سيحتاج الأمر إلى تدقيق أكثر عمقاً في الوثائق البريطانية، وغير البريطانية، من أجل تقديم تلك المرحلة من العلاقات الكويتية-الفلسطينية في صورتها الناصعة، لعلها تردع المتمسكين بالأحقاد من كل الأطراف على التواري عن الأنظار: أنظار التاريخ والمستقبل سواء بسواء. إعادة كتابة التاريخ لكن الفصل الأهم في العلاقات الكويتية الفلسطينية يبقى العلاقة مع حركة فتح أولاً ثم منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها في الثامن والعشرين من مايو 1964م، بعد قرار القمة العربية الأولى، وكان للكويت فيها مشاركة فاعلة، التي انعقدت أوائل ذلك العام، في أول تحرك من نوعه يقدم عليه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد قرار إسرائيل تحويل مجرى روافد نهر الأردن. كانت مصر الناصرية ترفض وحدة الصف بديلاً عن وحدة الهدف ثم وحدة أداة العمل الثوري وكانت تؤمن بوحدة القوى التقدمية فقط في مواجهة ثالوث الرجعية والاستعمار والصهيونية. ليس هذا موضوعنا على أية حال، ولكن ميلاد المنظمة التي أصبحت ممثل شعب فلسطين وتكرست ممثله الوحيد بعد قرار قمتي الجزائر والرباط عامي 1973 و 1974، فتح أبواب التعامل المباشر مع هذا الكيان الجديد المعنوي للشعب الفلسطيني من قبل كل الأنظمة العربية، ومسيرة العلاقات بين المنظمة وكل دولة عربية على امتداد ثلاثة عقود وبضعة شهور وهي الفترة الممتدة منذ إعلان قيام المنظمة في أول مجلس وطني فلسطيني انعقد في مدينة القدس، وحتى قيام السلطة الوطنية ودخول الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى مدينة غزة في يوليو 1994. هذه المسيرة لم تكتب بعد بشكل موثق ودقيق وموضوعي ونقدي أيضاً، بعيداً عن التزوير والتزوير المضاد الذي تفرضه مصالح الطبقة الحاكمة العربية، ومصالح الفئة المتنفذة في منظمة التحرير والتي لم تتغير منذ فبراير 1968، حين دخلت الفصائل المسلحة رحاب المنظمة وأمسكت بمقود القيادة منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، دون تغيير أو تبديل. ما زال الرجال هم الرجال إلا أولئك الذين رحلوا عن عالمنا، وليس من مصلحة الشهود الأحياء في النظام العربي والنظام الفلسطيني السماح بروايات متوازنة تنقل التاريخ القريب للأجيال الجديدة، كما عشناه فعلاً فوق أرض الواقع، والجدال الدائر حول مسئولية مجزرة صبرا وشاتيلا واحتمال ظهور روايات جديدة تقلب الروايات السائدة، واحد من الأدلة على إمكانات تزوير التاريخ القريب والبعيد، سواء بسواء. في أحاديث القادة الفلسطينيين الذين عاشوا العقود الثلاثة الماضية من تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، الكثير من النقد القاسي لما قامت به الأنظمة العربية من مضايقات على عمل المنظمة وعلى حياة الفلسطينيين فوق أرض كل نظام عربي، وهي أحاديث قاسية تجعل الشاب الفلسطيني يخرج من جلده العربي حين يسمع مسلسل القتل والتدمير والسجون وقطع لقمة العيش والابعاد، وبالطبع فإن هؤلاء القادة يهملون مدى مسئوليتهم ومدى مسئولية سياساتهم المغامرة في المآسي والمذابح التي تعرض لها الفلسطينيون في عصر ولاية منظمة التحرير على شعب فلسطين. ليس من حقي أن أتحدث عن حدود هذه المسئولية إلا حين تتوافر الوثائق الواضحة كل الوضوح، والتي تغني عن كل تحليل نظري والتي تظهر مسئولية كل طرف عن كل ما حدث من الأحداث وعن الانفجارات المتلاحقة على مدى ثلاثين عاماً من تاريخ العلاقات العربية الفلسطينية في عصر المنظمة، ولهذا طالبت وما زلت أصرخ ليل نهار من أجل تشكيل جمعية إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني المعاصر من مؤرخين وسياسيين يملكون الثقة والمصداقية والموضوعية من فلسطينيين وعرب، لتوضع أمامهم كل الوثائق والمعلومات من مصادرها الأساسية حتى يعرف الفلسطينيون والعرب كل الحقائق وكل الأسرار ليتحمل كل طرف قسطه من مسئولية شلال الدم الفلسطيني الذي لم يتوقف لحظة واحدة، على يد الأعداء والأشقاء أيضاً. أعرف أن بعض أطراف القيادة الفلسطينية يسخرون من اقتراحي الذي كتبت حوله، مرات ومرات، دون كلل أو ملل، في الصحف الفلسطينية، وكتبت حوله لمن يهمه الأمر. اشراف الكويت استثناء لكن الأمر الملفت للنظر أن هؤلاء القادة الفلسطينيين الذين لا يكفون عن تحميل الأنظمة العربية والقادة العرب مسئولية مآسي الشعب الفلسطيني ومسئولية ما تعرض له الفلسطينيون في كل بلد عربي من أذى ويبالغون في الأمر، تراهم يتحدثون بإيجابية شديدة، حين يتعلق الأمر بالكويت رغم ما اخذوه من مواقف أقرب للفضيحة حين تعرضت الكويت للاحتلال وصمتوا عن إدانة الاحتلال وأرضهم محتله. حادثة نادرة الوقوع حسب علمي في التاريخ السياسي المعاصر، لم أسمع من أي مسئول فلسطيني حديثاً سلبياً أو بحثاً عن سلبيات في علاقة الكويت بمنظمة التحرير ومؤسساتها، وبالتعامل مع الفلسطينيين، سواء في الكويت أو في فلسطين. وأكثر المؤيدين لبغداد، دون ذكر أسماء، لايتحدثون سوى بالوجه المشرق للعلاقة الفلسطينية الكويتية، لا يعني ذلك عدم وجود سلبيات على الإطلاق في علاقة استمرت عقوداً ولاأحد يدعي أن الكويتيين ملائكة لا يخطئون، ولكن تلك النقاط السوداء يكاد يصعب رؤيتها في ثوب أبيض، ناصع البياض. لنعد إلى البدايات: في مطالع الستينيات وأواخر الخمسينيات بدأ الفلسطينيون يفيقون من صدمة «النكبة» والخروج الكبير من فلسطين بما رافقه من تحطيم شامل للحركة الوطنية الفلسطينية، وبدأوا يتلمسون، بالتدريج، ضرورة بناء تنظيماتهم الوطنية الخاصة، دون إخلال بنظرية عروبة القضية الفلسطينية. إتجه الفلسطينيون للأحزاب القومية واليسارية والإسلامية، على حد سواء، وكان منهم قادة بارزون على المستوى القومي في كافة هذه الأحزاب، إيماناً منهم بأن الجهد القومي العربي لا بد أن ينجز الوحدة طريقاً لتحرير الأرض المغتصبة، ولكنهم مع مرور فترات أطول على وعود التحرير وعلى البلاغ العسكري العربي رقم 1، الذي انطلق من عواصم عربية عديدة واعداً بالتحرير مبرراً للانقلاب على الذين تخاذلوا في حرب فلسطين، أخذ الفلسطينيون يبحثون عن تمايز أو طلائعية في الإطار العربي وتحول التمايز إلى استقلال وإنفصال عن الحركة القومية، رغم كل ادعاء بغير ذلك. في الكويت كان هناك تجمع فلسطيني يضم عشرات الآلاف ولكنه كان يعج بالمثقفين والمؤهلين والمتميزين والمناضلين، الذين وفدوا على الإمارة الصغيرة، هرباً من قمع عربي كان يلاحق كل المناضلين، من أجل قمع ذاكرة «الهزيمة المدوية» وهرباً من فقر مدقع كان يلف بلدان المشرق العربي، واستثماراً للتأهيل والكفاءة والتميز حيث أعطوا وأخذوا، دون منة من أحد على أحد. وجدوا في الكويت كل الفرص لتنمية نشاطاتهم السياسية، ومع مطالع الستينيات كان يوجد في الكويت أكثر من عشرة تنظيمات فلسطينية صغيرة، متناثرة هناك وهناك، قبل أن تتوحد في تنظيمات كبيرة. ولم يسجل أحد حسب علمي، أن أياً من هذه التنظيمات من «جبهة تحرير فلسطين» ج.ت.ف. وحتى «أبطال العودة» و«شباب الثأر» وجود مضايقات من الحكومة الكويتية، خلافاً لما كان عليه الوضع في بلدان المشرق العربي، لا أعرف إذا كان المرحوم هاني القدومي على سبيل المثال لا الحصر، وقد كان مسئولاً مباشراً في ديوان كبار المسئولين قد كتب مذكراته حول هذا الشأن فهو الذي يعرف أكثر من غيره أسرار العلاقات الأولى بين براعم التنظيمات الفلسطينية والحكومة الكويتية، وأرى من الضروري أن يساهم الفلسطينيون الأوائل والكويتيون الأوائل في توثيق تلك المرحلة الناصعة من رعاية الكويت لأولئك الفلسطينيين الذين كانوا يتلمسون البدايات بحثاً عن إطار للمساهمة في تحرير وطنهم، لم تسجل تلك المرحلة أية اعتقالات أو إبعادات لأعضاء ينتمون لمنظمات غير مشروعة رغم أن الكويت في تلك الفترة كانت تمر في مرحلة الانتقال من «الامارة» للدولة العصرية الحديثة، وتحتاج لاستقرار وطيد، وتسجل تلك المرحلة أيضاً أن الفلسطينيين الذين شكلوا خلاياهم الخاصة في عشرات التنظيمات الناشئة، لم يتدخلوا في الشأن الكويتي على الاطلاق. ربما شهدت تلك المرحلة إبعاد عناصر تنتمي للشيوعيين والبعثيين، عن أرض الكويت، وقد تم ذلك في إطار أضيق نطاق ممكن، ولم يكن له علاقة بالعمل الوطني الفلسطيني. من الشقيري إلى عرفات بدأ احمد الشقيري جولاته العربية في الفترة التي تلت تكليفه من القمة العربية الأولى: يناير 1964م، وذلك لبحث أفضل الوسائل لتنظيم الفلسطينيين في الأقطار العربية وتحضيراً لعقد أول مجلس وطني فلسطيني، وكانت الكويت هي البلد العربي الوحيد، تلته قطر فيما بعد (والفلسطينيون فيها محدود العدد)، الذي سمح للفلسطينيين بإجراء انتخابات غير مباشرة لاختيار ممثليه في المجلس الوطني الفلسطيني، وكان ياسر عرفات واحداً منهم عن وزارة الأشغال العامة حيث كانت الوزارة تضم عدداً كبيراً من المهندسين والفنيين الفلسطينيين، وقد جرت انتخابات العاملين في الوزارات والمؤسسات الكبرى دون تدخل من أحد كما يشهد بذلك الجميع، وتصدرت تلك النشاطات الوطنية عناوين الصحافة الكويتية في ذلك الزمان، في وقت فرضت العديد من الحكومات العربية، ممثلين لها عن الفلسطينيين الذين يعيشون في بلدانها، ليصبحوا أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي انعقد في رحاب المدينة المقدسة. كان البعض منهم ممثلين للأنظمة العربية، وما زالوا، في مجلسنا الوطني الفلسطيني، وقد طورت بعض انظمتنا العربية وسائل اختراقها للساحة الفلسطينية بإنشاء بعض منظمات فلسطينية تابعة لها بشكل مباشر، فالصاعقة تتبع القيادة القومية في سوريا حتى يومنا هذا، وجبهة التحرير العربية تتبع القيادة القومية في بغداد حتى يومنا هذا ايضاً، وفي مرحلة من المراحل أنشأت القاهرة تنظيم «منظمة فلسطين العربية» التابع لها، وحاولت أنظمة اخرى إنشاء فصائل فلسطينية لم تعمر طويلاً وتلاشت من تلقاء نفسها، لكن الكويت التي تواجد فوق أرضها أكبر عدد من الفلسطينيين خارج دول الطوق، حسب التسميات القديمة، وأكبر عدد من النشطاء الوطنيين والشخصيات الاجتماعية والثقافية، لم تحاول على الإطلاق أن يكون لها تنظيمها الفلسطيني المزروع في بيت منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت دون نقاش، الأقدر على ذلك. لم تقم بأية محاولات من هذا النوع ولم أعثر على أي عمل من هذا القبيل رغم سؤالي لعدد كبير من النشطاء الوطنيين في ذلك الزمان. لم تكن علاقة الكويت على نفس المستوى من الدعم مع كافة الفصائل الفلسطينية، وقد حظيت حركة فتح بالدعم الأقوى إلى ما قبل الغزو ببضع سنوات، حيث تغير اتجاه هبوب الرياح السياسية، لأسباب وعوامل سأوضحها فيما بعد - والسبب الأساسي أن فتح كانت، وما زالت بالطبع، التنظيم الأكبر والعمود الفقري لمنظمة التحرير والقيادة الفعلية لها، إضافة إلى أن فتح رفعت منذ إنشائها شعار عدم التدخل في شئون الأنظمة العربية وقد اكسبها ذلك دعم الجميع، ما دامت لاتتدخل في شئونهم الداخلية. وبعض كان يقيم علاقات ثنائية خاصة مع قوى المعارضة، في هذا البلد العربي أو ذاك، ولم تكن الكويت استثناء من ذلك على الإطلاق، ومع ذلك فإن الحكومة الكويتية لم تمارس القمع ضد فصائل المعارضة الفلسطينية وكانت تصدر بياناتها بشكل علني وتجمع التبرعات في وضح النهار رغم مواقفها السياسية التي تتجاوز الاطار الفلسطيني ورغم علاقاتها الخاصة مع بعض قوى المعارضة، وعدد الذين تم إبعادهم من الكويت بسبب هذه النشاطات والارتباطات عدد محدود جداً لم يؤثر على هيكلية هذه القوى، التي اهتدت في السنوات الأخيرة التي سبقت الغزو، إلى إقامة علاقات ثنائية مباشرة مع الكويت وافتتحت لها مكاتب علنية أو شبه علنية من الجبهة الشعبة وحتى جماعة أبو نضال مروراً بتنظيم أبوالعباس (جبهة التحرير الفلسطينية) وربما كان هذا الانفتاح الذي تجلى في زيارة جورج حبش للكويت وإعلانه في حديث صحفي، يمكن العودة إليه، أنه بعد مقابلة الشيخ جابر الأحمد أيقن أنه ما زال في الدنيا خير، ربما كان عاملاً من عوامل توتر العلاقة بين حركة فتح وحكومة الكويت في الفترة التي سبقت الغزو، وكانت عاملاً من عوامل عديدة لموقف القيادة الفلسطينية في عدم إدانة الاحتلال للأرض العربية في الكويت. لقد كانت كافة مطالب قيادة المنظمة تلقى على الدوام استعداداً إيجابياً من الكويت، إذ حين دعت في وقت مبكر لفرض ضريبة التحرير على العاملين الفلسطينيين في الدول العربية، استجابت الحكومة الكويتية لهذا المطلب على الفور، وتم فرض هذه الضريبة على كل العاملين الفلسطينيين في الوزارات والمؤسسات، رغم ان القانون الكويتي لا يسمح بذلك، وحين كان بعض الفلسطينيين من المعادين لسياسات منظمة التحرير وخاصة من جماعة حزب التحرير الإسلامي الذي وجد هو الآخر أرضاً خصبة ومفتوحة للعمل في الكويت، يطلبون في كتب رسمية عدم رغبتهم في اقتطاع هذه الضريبة من رواتبهم، كانت الإدارات القانونية في الوزارات والمؤسسات الحكومية تشعر بالحرج الشديد، إذ أن كل موظف يملك الحق القانوني في عدم الموافقة على اقتطاع جزء من راتبه ومع ذلك فقد كانت تتم ممارسة ضغوط معنوية على هؤلاء العاملين ليتراجعوا عن مطالبهم والكثيرون استجابوا لذلك في حينه. تمادت قيادة منظمة التحرير في مطالبها وخاصة في فترة توتر العلاقات في أواخر الثمانينيات ومطالع التسعينيات وطلب عرفات في قمة بغداد: قمة الانتفاضة في مايو 1990، تطبيق ضريبة التحرير على الفلسطينيين العاملين في القطاع الخاص في الكويت وقد رفض الوفد الكويتي للقمة هذا المطلب الذي يتنافى مع روح الدستور الكويتي، ويستحيل تطبيقه، وقد كنت في بغداد اتابع أعمال تلك القمة، وهو الأمر الذي أدى لتوتر شديد في العلاقات الكويتية الفلسطينية الرسمية، قبل أسابيع من كارثة الثاني من اغسطس 1990، يومها غضب الوفد الكويتي بشدة فالكويت واحد من بلدان عربية قليلة تفرض - دون سند قانوني- ضريبة التحرير على الفلسطينيين العاملين في مؤسسات الحكومة، رغم تذمر العديد من اولئك الفلسطينيين، وخاصة في السنوات الأخيرة حين ظهرت أحاديث البطر والفساد في سلوك القيادات الفلسطينية في وقت يدفع هؤلاء الموظفون من قوت أبنائهم لدعم منظمة التحرير ونضالاتها المشروعة، وقال الشيخ صباح الأحمد لمن زاره من مسئولين فلسطينيين بعد تلك القمة» أنتم بحاجة لارسال وفد فلسطيني كبير لاسترضاء الأمير الذي استاء بلا حدود من محاولات الاحراج أمام القمة العربية والتي لا شأن لها بموضوع ثنائي بيننا وبينكم ولا تملك حق فرض قرارات تمس سيادة الدولة، لكن ذلك الوفد الكبير لم يأت، بل جاء الغزو. حلال للفلسطيني حرام على الكويتي في أرضه لم يقتصر عمل المنظمة في الكويت طوال عقود على النشاط السياسي للفصائل والنشاط الوطني العام، بل امتد ليشمل نشاط الاتحادات الشعبية الفلسطينية التي انضوى تحت لوائها عشرات الآلاف من الفلسطينيين. كان اتحاد العمال يضم الآلاف ويقيم علاقات متعددة الأشكال مع اتحاد عمال الكويت ونقاباته المتعددة، وضم إتحاد الطلاب أكثر من ألفي طالب وطالبة كانوا يدرسون في جامعة الكويت، إضافة إلى تنظيم «الثانويات» التابع للاتحاد ويضم النشطاء في المدارس الثانوية، وقد تعرض الاتحاد العام لطلبة فلسطين، في الكويت وحدها من دون دول العالم إلى إنشقاق أدى لقيام اتحاد يهيمن عليه الإسلاميون الفلسطينيون الذين يتلقون الدعم من الإسلاميين الكويتيين والذين كانوا قد سيطروا منذ زمن طويل على الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، إضافة للعديد من الجمعيات والمؤسسات، ولم تتدخل الحكومة الكويتية على الإطلاق في هذا الشأن الفلسطيني، رغم أنها لم تكن مرتاحة، كما أفترض، لذلك التطور الأصولي في أوساط النشطاء الوطنيين الفلسطينيين، وفي مرحلة من المراحل سيطرت جماعة «أبو نضال» على الاتحاد العام لطلبة فلسطين في وقت كانوا يرفعون أكثر الشعارات تطرفاً ولم تتدخل الكويت للقيام بإبعادات إلا حين طلبت حركة فتح الشرعية ذلك، وفي حالات عديدة تصرفت حركة فتح وكذلك المنظمة باعتبارها دولة داخل الدولة، وقامت باعتقالات في قبو مبنى الحركة في «الجابرية»، وقد رأيت المعتقلين بنفسي عدة مرات، وأصابني الهلع حين رأيت مسئولاً في الأمن الفلسطيني في السفارة يضرب بقوة شباباً فلسطينيين قيل إنهم شاغبوا ضد المنظمة، وقد هددت بالتصريح العلني لوكالات الأنباء عن هذا التصرف إذا لم يجر إطلاق سراح الشباب على الفور وذلك ما كان. وحتى حصل الانشقاق الشهير في حركة فتح أوائل عام 1983م، وجد استجابة سريعة في الكويت بانشقاق مماثل سيطر رجالاته لبعض الوقت، على عدد من الاتحادات، ورغم أن السياسة الكويتية لم تكن مرتاحة، كما أفترض مرة ثانية، لسيطرة عناصر متشددة محسوبة على نظام عربي ثم خطف الطائرات من الكويت إلى مطاره الدولي عدة مرات، إلا أنها لم تتدخل في شأن فلسطيني- وفي الحالات النادرة التي حصل مثل هذا التدخل - في حده الأدنى، كان بناء على مطالب، أو لنقل تلميحات فلسطينية قيادية. إذ كانت مطالب القيادة الشرعية لمنظمة التحرير، وعمودها الفقري حركة فتح، تلقى استجابة فورية من حكومة الكويت على الدوام، ولم يحصل أن كان على جدول اجتماع مجلس الوزراء الكويتي مطلب فلسطيني تعرض للرفض، إلا في حالات نادرة، وفي حالات عديدة كان يتم خرق القانون الكويتي، الذي لا يسمح باستمرار راتب موظف غير كويتي إذا انتقل للعمل في دولة أخرى أو منظمة أخرى، على سبيل المثال وليس الحصر. في السنوات الست الأخيرة قبل الثاني من اغسطس المشئوم كنت معاراً لمنظمة التحرير كمستشار دون راتب، وقد قيل لي بأكثر من طريقة إن الأمر سيجري النظر له بجدية إذا تقدمت المنظمة أو إذا تحدث رئيسها بضرورة صدور استثناء حيث يستمر عندئذ راتبك من حكومة الكويت، وقد اعتذرت عن ذلك، وتبين لي فيما بعد أن هذه الاستثناءات طالت عديدين، عبر وسائل مختلفة، وحين أراجع هذا الشريط أتفهم بسهولة قد تكون صعبة على كثيرين لماذا كان الغضب الكويتي شديداً من الموقف الفلسطيني الرسمي، الذي كان خارج نطاق التوقعات بنسبة مئة بالمئة، بعد أن قدموا كل ما يمكن تقديمه للثورة والمنظمة والشعب الفلسطيني، قياساً بما كانت عليه العلاقات مع الدول العربية الأخرى، إذ تبقى الأمور نسبية في عالمنا العربي، وعالمنا الثالث بشكل عام. وعودة للاتحادات الشعبية الفلسطينية التي شملت كافة القطاعات من معلمين ومهندسين وطلاب وعمال وأساتذة جامعات ومحامين، فقد كانت هذه الاتحادات تعمل بحرية في إجراء انتخاباتها العامة في رحاب منظمة التحرير وفي إصدار بياناتها العلنية وفي دعم الثورة والمنظمة، بكل الوسائل، وفي اتخاذ المواقف النقدية علناً في بعض الحالات. لذا كانت هذه الاتحادات تعمل بحرية في وقت لا يسمح فيه القانون الكويتي بإنشاء اتحادات غير كويتية، إذ يمكن للمعلمين غير الكويتيين، على سبيل المثال، أن يكونوا أعضاء في جمعية المعلمين الكويتيين (دون حق الترشيح والانتخاب) ولكنهم لا يملكون حق إنشاء اتحادات خاصة، وحين خرجت بعض هذه الاتحادات عن المسار العام وأرادت توجيه انتقادات للسياسة الكويتية، في أمر من الأمور، لفت الشيخ صباح الأحمد أنظارهم في اجتماع خاص إلى هذه المسألة القانونية لكنه أبلغهم أن الأمر مسكوت عنه ما دامت هذه الاتحادات تعمل من أجل القضية الفلسطينية، وحين تنحرف عن هذا الهدف المقدس، لسبب أو لآخر، فلكل حادث حديث. كان ذلك حين اشتكت بعض هذه الاتحادات في المؤتمرات العربية من عدم السماح بدخول الطلاب الفلسطينيين، في مرحلة من المراحل، للمدارس الكويتية. استعادة الأموال كاملة بعد الغزو وجمع التبرعات كان مفتوحاً على مصراعيه، إذ يكفي ختم الدفاتر المخصصة للتبرعات من وزارة الشئون الاجتماعية لمنع التزوير والتلاعب، وهو أمر روتيني في أغلب الحالات إن لم يكن جميعها، ولا يتطلب موافقة الجهات الأمنية المسبق كما هو الوضع في غالبية الدول العربية، الثورية والمعتدلة، على حد سواء، وكانت كافة الفصائل وكافة الاتحادات بمن في ذلك جمعية الأسرى والشهداء تمارس بشكل مفتوح جمع التبرعات من الفلسطينيين والكويتيين الذين كان المقتدرون منهم يدفعون بسخاء، وحين داهم الغزو العراقي «الكويت» كان في حساب هذه الاتحادات والجمعيات مئات الآلاف من الدولارات في البنوك الكويتية حسب الكشف الذي اطلعت عليه فيما بعد، وكان مكتب منظمة التحرير في بغداد، ودول أخرى، وكذلك اتحادات عديدة تأوي حساباتها في البنوك الكويتية، حيث الأمن والأمان واستمر الوضع كذلك حتى الثاني من اغسطس 1990، واتضح أنهم جميعاً كانوا على حق في هذه الثقة، إذ عادت لهم جميعاً، دون استثناء، أموالهم المودعة في المصارف الكويتية مع احتساب فوائدها خلال فترة الاحتلال، وهو أمر لا أعرف مثيلاً له، الا ما قام به البنك العربي في فلسطين بعد نكبة 1948م، حين أعاد للمودعين أموالهم وبحث عنهم في كل مكان، وكان ذلك هو السبب الرئيسي في المصداقية الهائلة التي راكمها هذا البنك خلال نصف القرن الماضي وتحول إلى ملاذ لمئات الآلاف من المودعين. ربما لا يعرف كثيرون أنه كان في البنوك الكويتية اثنان وتسعون مليون دولار لحساب الصندوق القومي الفلسطيني، وعدد من المؤسسات الفلسطينية، وحين عادت الكويت لأهلها فقد تم سحب هذه الأموال، كاملة غير منقوصة، بالطريق القانوني ونقلها ليتم إيداع الجزء الأكبر منها في حساب الصندوق القومي الفلسطيني في جنيف، ولم يحدث أي تباطؤ في هذا الأمر كما أدعى ويدعي كثيرون، ولدي الاثباتات والوثائق التي تؤكد صحة ما أكتبه بهذا الصدد. واللجنة الشعبية لجمع التبرعات في الكويت، كانت وما زالت، نموذجاً مشرقاً للمساهمة الشعبية، وقد قدمت الكثير لمشروعات ومؤسسات وجامعات ونواد داخل فلسطين، ولكنها لجنة تدفع التبرعات للعديد من دول العالم المنكوبة في آسيا وأفريقيا. وليست لجنة مخصصة لفلسطين وحدها، وكثيراً ما تعرضت للنقد القاسي -غير المبرر- من القيادات الفلسطينية التي كانت تريد أن تدفع اللجنة عبر هؤلاء الأخوة للمنظمة بشكل غير مباشر وذلك يتنافى مع أسلوب عملها الموثوق. قبل الثاني من اغسطس بأسابيع فقط، تعرضت هذه اللجنة التي تضم كبار رجالات الكويت الذين نعرف عنهم العطاء لأمتهم، تعرضت لهجوم اثنين من قادة المنظمة تحت ذريعة أنها رفضت أن تدفع ما طلباه من دعم لم تتحدد أوجهه إطلاقاً. لقد جاء للكويت عبر سنوات وسنوات، وفود لا حصر لها من داخل فلسطين تمثل قرى ومساجد ومستشفيات ونواد وتلقت الدعم من اللجنة الشعبية ومن أهل الكويت، وقد آن الأوان للقيام بتوثيق دقيق، حيثما يكون ذلك ممكناً، لهذه الصفحة المشرقة من العلاقات الكويتية الفلسطينية، من أجل ان ننسب الفضل لأهله، وأن نثبت نحن الفلسطينيين بأننا أوفياء نعترف بأهل الفضل في أحلك الظروف وأكثرها قسوة. كل قرية فلسطينية كان لها ممثل في الكويت والصناديق الخيرية في الكويت عملت دون ترخيص أيضاً ورغم أن القانون الكويتي لا يتيح لها العمل العلني الا بشروط قاسية وفي بعض الحالات فقط. لقد انتشرت صناديق نابلس وجنين وطولكرم ورام الله ويافا وكل قرية من فلسطين يتواجد عدد من أبنائها في الكويت، ومن النادر أن تجد بلداً من فلسطين وخاصة من الضفة الغربية وقطاع غزة، لا يعمل عدد من أبنائها في الكويت. كانت هذه الصناديق، التي عملت بحرية مطلقة، تفرض رسوماً على أعضائها وتجمع التبرعات عبر احتفالات ومهرجانات خاصة وعبر عشاء تقشفي في فندق أو قاعة، وذلك لدعم الأهل في الأراضي الفلسطينية التي يتمسك أهلها بتراب الوطن، وتقوم بمساعدة المحتاجين منه وببناء مشروعات خاصة بها ومساعدة الطلبة على تحصيل دراساتهم الجامعية، وقد تعرض هذا كله للتدمير بعد الغزو، بحيث يمكن القول، دون مبالغة، أن الخاسر الأكبر من اجتياح القوات العراقية لدولة الكويت، كانت فلسطين، شعباً وقضية، بعد الكويت بالطبع. لقد وصلت تحويلات العاملين الفلسطينيين في الكويت لأهلهم في الأردن وفلسطين إلى حوالي مليار دولار في بعض سنوات الإزدهار. ما كان ممكناً للفلسطينيين أن يذهبوا إلى مؤتمرمدريد للسلام بالشروط المجحفة والقاسية التي اضطروا للموافقة عليها لو لم تقع تداعيات ذلك الغزو بما أدى إليه في نهاية المطاف من تدمير شامل لقوة العراق ومن تدمير للكويت ومن تخريب للتضامن العربي الذي كان قد بدأ رحلة النهوض مع بدايات عقد التسعينيات ومن تغيير للاولويات بحيث بات العربي يشعر بالخطر قادماً من أخيه العربي. كانت تلك مقولة إسرائيلية لا يصدقها أحد، وما حدث يوم الثاني من اغسطس أعاد لتلك المقولة، لبعض الوقت، الازدهار والانتعاش، والأمور تقاس بخواتيمها ونتائجها مهما كانت النوايا والشعارات والخطابات. جاءت الانتفاضة في التاسع من ديسمبر 1987م لتحدث تفاعلات واسعة في العلاقات الكويتية الفلسطينية، لقد تلقفها الكويتيون وكأن دعمها مسئوليتهم المباشرة. تحولت صحف الكويت إلى صحف للانتفاضة، وامتلأت بقوائم المتبرعين في صدر صفحاتها الأولى وأقامت بعض هذه الصحف ما يشبه مشروعات خاصة لتبني عائلات الشهداء، لكن الخطاب الرسمي الكويتي تحّدث عن الانتفاضة باعتبارها عملاً شعبياً عفوياً لا تقف وراءه أية منظمة، كما جاء في خطاب لأمير الكويت، وقد كان الأمر كذلك بالفعل إذ اندلعت الانتفاضة الأولى تعبيراً عن غضب شعبي متراكم وبشكل عفوي ودون أزرار تحرك البشر بالريموت كونترول، وهو أمر يقر به الجميع ولكن الفصائل الوطنية تمكنت وبسرعة قياسية من الامساك بالوضع وحفر قنوات ومسارب تسير فيها فعاليات الانتفاضة. في الصحافة الكويتية وكانت صحافة ليبرالية بلا حدود، تسمح للرأي والرأي الآخر، اتجه منسوب دعم الانتفاضة إعلامياً بالحديث عن أن هذه الانتفاضة بلا «أبوات» كما قالت احدى الافتتاحيات في ذلك الزمان. لقد أدى هذا النقد من موقع التضامن، إلى حساسية شديدة في أوساط القيادات الفلسطينية في تونس وفي الكويت أيضاً وقد كان ذلك، ربما، أحد عوامل ومكونات الموقف السياسي الفلسطيني. لا أنسى ما سمعته من بعض قياداتنا من لتشف بإنهيار الصحافة الكويتية بعد الثاني من أغسطس. لكن صورة الدعم الكويتي للانتفاضة الأولى بقيت ناصعة البياض، حيث تحولت دواوين وجمعيات ونوادي الكويت إلى خلايا نحل تعمل ليل نهار لدعم الانتفاضة، وقدمت الكويت رسمياً الدعم للجامعات الفلسطينية لتبقى منارات علم وإشعاع.. وقد قدمت ذلك بشكل مباشر وباركت القيادة الفلسطينية ذلك، لكنها في الاعماق لم تكن مرتاحة لعدم اعتماد القنوات الرسمية سبيلاً للدعم. وفي الواقع فإن دولاً أخرى سلكت ذات الطريق وكانت الجماهيرية الليبية أبرز النماذج حيث قدّمت الدعم للمؤسسات الفلسطينية بشكل مباشر ولكن بالتنسيق مع القيادة الفلسطينية حتى لا يحدث اي تضارب وإخلال بالاولويات وحتى لا تتلقى المؤسسة الواحدة الدعم من اطراف عديدة، فيما تحرم مؤسسات أخرى منه، وقد تداعى في حينه عدد من الشخصيات العربية المعروفة لتشكيل لجنة عربية لدعم الانتفاضة تشق طريقها نحو مؤسسات الانتفاضة دون مرور بقنوات منظمة التحرير وهي محاولة لم تر النور فيما بعد. لكن بغداد، اختارت طريقاً آخر وقررت تقديم واحد وخمسين مليون دولار سنوياً لدعم المنظمة والانتفاضة عبر قنوات المنظمة المباشرة، وهو أمر لا بد من أخذه بالاعتبار حين محاولة فك طلاسم الموقف الفلسطيني الرسمي وحل شيفرته وألغازه المحيرة. تحولت الصحافة الكويتية إلى صحافة للانتفاضة الفلسطينية تنقل عنها كل وكالات الأنباء في العالم الاخبار التي كانت تنشرها عبر مراسليها في الأراضي الفلسطينية، رافقها تحول الاذاعة الكويتية إلى إذاعة للانتفاضة بحيث كانت اخبارها وتعليقاتها تتصدر كافة نشرات الأخبار ولم يكن ذلك مقبولاً من الناحية المهنية البحتة، وأذكر أنه تم إثارة الموضوع وقد كان لي تعليق يومي في احدى البرامج الاخبارية في الاذاعة بعد نشرة الظهيرة على مدى خمس سنوات، وتم في النهاية إهمال الاعتبارات المهنية البحتة، لصالح الاولويات القومية والسياسية واستمرت الاذاعة في الأخبار والتعليقات المتواصلة يومياً حول الانتفاضة، وفي ذكرى انطلاقة الانتفاضة كما كتبت أكثر من مرة، فقد كانت إذاعة الكويت، دون كل إذاعات العرب من المحيط للخليج، تقطع برامجها العادية من السادسة صباحاً وحتى الثانية عشرة ليلاً لتبث برامج فلسطينية خالصة وكان الشباب يلتقطونها على ذبذبات معينة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الذكرى الثانية للانتفاضة عام 1989 كنت في بغداد لأسمع البرامج التي كنت قد ساهمت في إعدادها قبل ذلك بيوم واحد، تصدح في مكتب المنظمة في العاصمة العراقية وقالوا لي أن الكثيرين هنا في بغداد يتابعونها باهتمام كبير. وحين تشكلت اللجنة الوطنية العراقية العليا لدعم الانتفاضة بمشاركة رؤساء الاتحادات وشخصيات اجتماعية، اجتمعت اللجنة مع الرئيس ياسر عرفات في مقر إقامته في الجادرية، قرب فندق بابل، وقال لهم بحضوري أن تجربة الكويت في دعم الانتفاضة هي النموذج الذي انصح باقتدائه في عملكم. وتجيء الانتفاضة الثانية في ظروف مختلفة، وفي ظل قطيعة رسمية كويتية فلسطينية يجب ان تنتهي ذات يوم، وفي ظل شكوك وغضب ومخاوف وانفعالات لم تهدأ رغم مرور أحد عشر عاماً كافية لعودة الصفاء للنفوس، ومع ذلك فإن الكويت انطلقت في تظاهرة واسعة لدعم الانتفاضة، وتنشط الآن العديد من الجمعيات والمؤسسات بما في ذلك لجان جديدة (كويتيون من أجل القدس) لدعم شعب فلسطين في انتفاضته الحالية وعادت العلاقات وخاصة من قبل القوى الإسلامية الكويتية إلى سابق عهدها مع القوى والمؤسسات داخل فلسطين، وتعهدت الكويت بدفع مئة وخمسين مليون دولار لدعم صندوقي القدس والانتفاضة بجانب استمرارها في التبرع بمبلغ خمسة وعشرين مليون دولار لصندوق الدول المانحة الذي يمول السلطة الفلسطينية. ربما تحدثت عن الايجابيات وحاولت تصغير «السلبيات» وضعها في إطارها الموضوعي، لأن الحديث ليس بلا هدف والهدف هو أن يتحرك المخلصون من الشعبين لتجاوز الجفاء، ولذلك عدد كبير من المداخل، دون الاقتراب من محرمات السياسة والسياسيين. في مثل هذا الوضع فإن الوفاق السياسي يجب أن يكون الخطوة الأخيرة، وأن يكون تحصيل حاصل للعديد من الخطوات القادمة من الناس ومن المؤسسات ومن أوساط المثقفين المخلصين من الطرفين الذين يجب أن يستجيبوا لنصيحة عبد الرحمن الكواكبي «ما بال هذا الزمان يضن علينا برجال يعلمون الناس، ويزيلون الالتباس، يعملون بحزم ويفكرون بحزم، ولا ينفكوا حتى ينالوا ما يريدون». توفيق أبوبكر مدير مركز جنين للدراسات :