لم تبدأ الأوطان من نقطة في خيال مهندس معماري، أو خبير في شئون العمران.. فالخرائط، كل الخرائط بدأت عشوائية ثم امتدت لها يد النظام والتنظيم لتقول: هنا توجد الحدود.. وهنا يوجد البشر. وربما كان ابن خلدون، عالم الاجتماع العربي، من أول الذين تأملوا في مسألة التجمعات والتحركات والمستوطنات البشرية.. ولكن، وبعد قرون من ابن خلدون ينشأ علم، ويأتي علماء، ويتخرج في الجامعات خبراء مهمتهم: رسم الخرائط قبل ان تنشأ. وقد مرت مصر بهذه الدورة. كان الناس في عصور قديمة وسحيقة يعيشون في الاطراف شرقا وغربا، فلما جاء نهر النيل هبط المصري القديم واستقر على النهر وعرف العالم ـ كما حدث في الصين والعراق ـ فكرة الدولة. مرت آلاف، وربما ملايين السنوات على هذا المشهد حتى أن احدا لا يتصور او يتذكر ان النيل شيء مستحدث، وان عصرا هجر الجفاف وعرف المطر، وما زال مستمرا، هو الذي دفع بالمياه لتحفر المجرى، ودفع بالمجرى الى البحر الابيض في شكل فروع كثيرة جرى اختصارها فيما بعد الى فرعين يكونان الوجه البحري. حدث ذلك قديماً، وما زلنا نعيشه حديثاً.. فالسكان، إلا قلة، يسكنون الوادي، والصحراء من حولهم شبه خالية. في محاولة بالستينيات نظر عبدالناصر وصحبه الى الصحراء الغربية فتقرر مد العمران الى مديرية التحرير والوادي الجديد. وفي الثمانينيات امتدت يد المخططين لبقع متناثرة في الصحارى القريبة من الوادي فنشأ نحو عشرين مدينة أولها: العاشر من رمضان.. ثم.. وفي الوقت نفسه جرى الزحف الى الشواطيء الشمالية والشرقية وإلى بقع في سيناء. ثم.. وفي التسعينيات بدأ الحديث ـ وحتى الآن ـ عن الحيز العمراني. كان حلم رئيس وزراء سابق ـ هو د. كمال الجنزوري ـ ان يرتفع بالحيز العمراني من (4%) من مساحة مصر الى (25%).. أي ان يزيد ـ وحتى عام 2017 ـ الحيز العمراني لستة أضعاف ما كان عليه منذ الفراعنة. وقلنا: مجنون أو مخادع. ولكن، وبصرف النظر عن الحجم الحقيقي للعمران المتوقع فإن حلم الخرائط المتحركة ما زال قائماً. ولندع قصة (توشكى) والتي سينمو العمران فيها بطيئاً بالضرورة بسبب قسوة المناخ هناك وتكاليف الحصول على الماء. ولكن، ماذا عن الساحل الشمالي؟ هذا ما تتجه له الأنظار الآن، وتتحدث عنه دوائر التخطيط. وقد بدأت القصة والحديث كله عن منتجعات سياحية افتتحتها للدولة بإنشاء قريتين تحت اسم (مرافيا) و(مرابيللا) ثم انشئت على البعد قرية ثالثة هي الاشهر في مصر والعالم العربي هي (مارينا).. وكانت الخطة: خطوة رائدة من الدولة ثم هجوم من الأفراد والقطاع الخاص الذي سوف يملأ هذا الفراغ من الاسكندرية وحتى مطروح في اقصى الغرب. وذلك ما حدث بالفعل.. مليارات الجنيهات تم انفاقها في انشاء قرى سياحية لا تعمل اكثر من شهرين في العام. نعم.. امتد العمران ولكنه عمران مؤقت. ونعم.. تحركت الاستثمارات، ولكن لتصبح بعد حين مجرد احوال راكدة ونزوة طارئة. و.. كان لابد أن يطرح السؤال نفسه ولماذا يكون العمران مجرد شريط هش على ساحل البحر الأبيض المتوسط؟.. لماذا لا يجد له عمقاً، وقد كانت هذه المناطق التي غرق فيها روميل أثناء الحرب العالمية الثانية هي نفسها حقول الرومان التي انتجت التين والعنب. جرت تجارب لزراعة القمح، ولا يوجود مورد مائي غير المطر وقليل من المياه الجوفية.. ونجحت التجربة رغم ان الاعتقاد الذي كان سائداً بين الزراعيين ان الرمال لا تنتج كثيراً، وان الأرض السوداء المليئة بطمي النيل هي وحدها القادرة على الانتاج! ثم جرت تجارب لمحاصيل اخرى، ونجحت التجربة. ثم جرى انشاء بعض التجمعات الصناعية المحدودة. و.. بات الهدف واضحاً، تجرى دراسة استكماله الآن وهو اعتبار الساحل الشمالي منطقة اقتصادية متكاملة.. تعمل بالسياحة والزراعة والصناعة. يمر بها خط الكهرباء العربي الموحد الذي يبدأ من المغرب. يمر بها خط السكك الحديدية المقترح بين مصر وليبيا والذي يقطع المسافة كاملة في كل شمال أفريقيا.. و.. قد تشهد المنطقة ـ والتي تضم ميناء بترولياً عربياً هو ـ مشروعات بترولية عديدة. انها قصة العمران من جديد، والتي تصادفها هذه المرة مشكلة غريبة في نوعها وهو أن أكبر قدر من ألغام الحرب العالمية الثانية قد تم دفنه في هذه المنطقة.. وضاعت خرائط، وبات الاقتراب في كثير من الأحيان: خطر داهم يودي بحياة من يقترب. و.. ربما كان ذلك هو مغزى ان تتقدم دولتان من دول المحور سابقاً (ألمانيا وايطاليا) باقتراح مساعدة مصر في ازالة الألغام وهو أمر يكلف مئات الملايين. وفي كل الأحوال فالتجربة تقول: أولا، انه قد انتهى عصر الصدفة الذي يتجمع فيه البشر حول نهر أو بئر أو على ساحل بحر أو محيط. انتهى العصر العشوائي، وبات التخطيط ضرورياً، فلا يكفي ان نرث ما صنعه الأجداد ولكن لابد من خيال يقول لنا: أين يعيش الانسان وكيف؟ وربما وبعد ان ننتهي من استثمار اليابسة تأتي حكاية البحار والمحيطات والتي تغطي معظم مساحة الكرة الأرضية. الأمر الثاني الذي تشير له التجربة، انه ـ وفي عصر الخصخصة ـ لا يمكن الاستغناء عن دور الدولة.. ولا يمكن اعتبار قانون السوق وحافز الربح.. محرك التاريخ! دور الدولة ضروري، خاصة في البلاد النامية التي يبدأ نضالها من انشاء مصنع في قرية.. ويمتد لإنشاء مدن ومجتمعات عمرانية. لقد صعدت بلاد الشمال الى القمر، فهل نحن عاجزون عن ارتياد الصحارى والبحار والمحيطات؟ التجربة المصرية وقبلها تجارب خليجية وعربية عديدة تقول: «بل نستطيع». بقلم: محمود المراغي