مثلت الشفافية (أو العلانية بكلمة أدق) أحد أهم مبادئ الاطار المرجعي للاصلاح السوري ممثلاً بخطاب القسم للرئيس السوري بشار الأسد في بدء ولايته الدستورية، إلا انه ما من أداء اداري وسياسي يتعارض بصورة تامة، بل وبصورة حرفية معكوسة مع ذلك المبدأ مثل أداء الأجهزة الإدارية والسياسية السورية التي ما زالت تستحكم بها الآلية الأوامرية البيروقراطية النمطية لأنظمة التخطيط المركزي الشامل. فلقد انعقدت على سبيل المثال خلال العام الماضي حلقات نقاشية متعددة الآراء، تمثل وثيقة مرجعية ثمينة عن إدراكات النخب السورية في غرف مغلقة وشديدة السرية ومحدودة الاتصال بالجمهور أو الصحافة إن لم تكن محجوبة. ويحار المرء في فهم الحكمة من ذلك أو جدواه. إذ بدلاً من أن تنشر لجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية (أو ما عرف بلجنة الـ 18) مسودتها الأساسية، ومجريات مداولاتها، والصيغة الختامية لمشروعها، فإنها قامت بعملها على طريقة المنظمة السرية المغلقة بل محكمة الإغلاق، الى درجة بات فيها تقليدياً في معظم الجلسات التحذير من تسريب أي شيء في المداولات. وهو ما يقال بالنسبة لعمل لجنة الـ 35 الخاصة بإعادة هيكلة القطاع العام الصناعي، واللجنة الحالية البديلة التي حلت بدلاً عنها، كما يقال الأمر نفسه عن مشروع تعديل قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة المنظم للعمل الجمعياتي الأهلي أو غير الحكومي، وعن غير ذلك من حلقات نقاشية مهمة ترفع مشاريعها الى دائرة صنع القرار، حتى أن ذلك يصح على كتمان أمر رفع قروض الشراء للقطاع العام وإحاطة وزارة المالية ذلك بسرية كاملة كأن الأمر يتعلق بلحظة صفر للهجوم على اسرائيل. فما الأخطار التي تهدد تماسك «الأمن القومي» ـ هذه الكلمة العزيزة على الادارة السورية أو «الاستقرار» ـ فيما لو نشرت مسودات ومداولات ومشاريع تلك الحلقات، وأشرك الجمهور والمنظمات والشخصيات العامة بها؟ وكم كان نشر ذلك وطرحه للمداولة العلنية سيثري عملية الحوار الوطني في سوريا، ويوجهها نحو مشكلات جوهرية تتصل بالرؤية بعيدة المدى لمستقبل البلد؟ وكم كان سيحقق درجة مهمة من درجات المشاركة المجتمعية للجمهور أو لما يجب ان نسميه اليوم بتعبير أكثر عصرية بالرأي العام؟! إن آليات المنظمة البيروقراطية المغلقة الوصية على الجمهور، والتي تنفر بطبيعتها من إشراكه بمناقشة أي قضية من القضايا التي تتعلق بواقعه ومستقبله، ناهيك عن ضيقها بأي رأي آخر أو آراء مختلفة ما زالت للأسف الشديد عقلية الإدارة السورية رغم كل ما جاء في مبادئ البرنامج الرئاسي من شفافية وعلانية، ودعوة حارة للمجتمع كي يتخلى عن تواكله على الدولة وأن يأخذ زمام المبادرة في مناقشة شئونه وقضاياه. ويدفع ذلك الى مزيد من التشاؤم حول مدى قدرة الادارة السورية على إصلاح أدائها وعصرنته وعقلنته ذاتياً، إذ يتطلب ذلك ادارة ديناميكية وليس ادارة ستاتيكية، لا يزال بعض رموزها ـ وهو للمفارقة بمثابة كبير الصحفيين في سوريا ـ يجد إلى الآن أن من واجبه القومي مساءلة أحد رؤساء تحرير الصحف الحكومية حول نشر مقال عن شارع أو مدينة مهملة تحتاج لاهتمام الحكومة. كما يتطلب ذلك منظمات اجتماعية وشعبية ونقابية طوعية ومستقلة نسبياً عن الدولة لا منظمات كسولة تمثل مجرد واجهات بيروقراطية للسيطرة. وإذا لم تستطع الادارة السورية على مختلف اجهزتها ان تتحول الى ادارة ديناميكية فإن هذا يعني بكل بساطة انها ستغدو الرجل المريض الحقيقي في مجتمع انتشرت فيه ثقافة الاصلاح والعصرنة والاتصال المفتوح مع العالم، وغدت مهيمنة. إن الرأي الآخر والآراء المختلفة مهما كانت معارضة للمشاريع المطروحة في الحلقات النقاشية (السرية أو شبه السرية للأسف الشديد) هي إثراء لهذه المشاريع وليس عبئاً عليها. إن دور المجتمع في دفع الادارة السورية نحو الشفافية مهم للغاية، إلا أن المبادرة تبقى في أيدي الادارة نفسها، في طور رغبة الجميع بإصلاح تدريجي شامل يتجنب الانقسامات والفوضى والصدمات. فهل سيدرك أهل هذه البلاد كم يربحون بالشفافية وكم يخسرون دونها؟ وهل سيدرك هؤلاء ان اثراء الرأي لن يتم إلا بمناسبة الرأي الآخر واحترام حقه وواجبه في المشاركة الاجتماعية والسياسية؟! أليست المشاركة أرفع شيء في مفهوم الديمقراطية؟ لقد بدأ العمل الحزبي السياسي المعارض بالخروج من السرية الى العلنية الكاملة كما هو الأمر بالنسبة للاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي «المعارض» غير ان الخروج من السرية مطروح في الحقيقة ـ غضب من غضب ورضي من رضي ـ على الدولة السورية نفسها التي يتطلب ارتقاء اجهزتها الى مستوى خطاب القسم ان تخرج كلياً من عقلية المنظمة السرية المغلقة الى العقلية العلنية، عقلية الدولة الحديثة. بقلم: محمد جمال باروت