الحقيقة المادية، هي الواقع الذي نعيشه، على أرض الواقع. وهو ما اصطلح على تسميته باللغة الإنجليزية (Physical Reality). وأما الحقيقة التي نصنعها بخيالنا وصورنا فهي التي اصطلح على تسميتها في عصر المعلومات باللغة الانجليزية (Virtual Reality). ولم أجد حتى الآن في اللغة العربية المستخدمة ترجمة لهذا الاصطلاح. وقد نسميه «الحقيقة المصورة» أو ما هو «بحكم الحقيقة». وإذا شاهدت الانتخابات الأمريكية، وترى المتسابقين على كرسي الرئاسة، فإنك لاتستطيع التمييز بين «الحقيقة المادية» للمرشح، وبين الحقيقة المُصنّعة، أو ما هو «بحكم الحقيقة» والتي يعمل على خلقها وتصنيعها نفر متخصص في بناء الصور، والرأي العام. و في دستور الولايات المتحدة لا يوجد سوى شرطين اثنين على من يرشح نفسه للرئاسة. الأول هو أن يكون أمريكياً مولوداً على أرض أمريكية، والثاني أن يكون قد أتم العام الأربعين من عمره. وأما ما يوضع عادة من شروط مثل الأهلية، وخلو السجل من الجرائم والاعتقال والسجن، والقوى العقلية، وغيرها، فهذه غير موجودة. والسبب يعود بالطبع الى البديهية الأساسية وهي ان الناس يجب أن يوثق بهم، أو بغالبيتهم، وان هؤلاء لا يجتمعون على ضلالة. ولذلك، فلا حاجة لوضع شروط الأهلية المدنية والخلقية والعقلية على المرشح، لأن ناقص الأهلية ليس له حظ في اختيار غالبية الناس له. وقد وضع الدستور الأمريكي قبل قرنين وربع القرن، ولا يزال مطبقاً من غير تغيير في هذه الشروط. ولكن البعض صار يقول ان بالإمكان تضليل الرأي العام بواسطة الإعلام والذكاء الاصطناعي والصور الحاسوبية، وغيرها. فيرد على ذلك المدافعون عن استقرار الدستور بما قاله إبراهام لنكولن، «إنك قد تخدع كل الناس بعض الوقت، وتخدع بعض الناس كل الوقت، ولكنك لن تخدع كل الناس كل الوقت» وهم يذكروننا بما قاله الشاعر العربي: ومهما تكن عند امريء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم والرأي العام صار بالنسبة للمرشحين في المجتمعات الديمقراطية امراً اساسياً وحيوياً، وهم وإن اعترفوا بصعوبة قياسه أحياناً، وبتقلبه احياناً أخرى، إلا انهم يبقون متابعين له حتى يطمئنوا على فرص نجاحهم، أو حتى يغيروا استراتيجيتهم الانتخابية لمخاطبة الرأي العام بما يرضيه. وهنالك من يعتقد ان المسئولين في الدول النامية لا يأبهون بالرأي العام وقياساته واحصاءاته. وهذا أمر غير صحيح. ففي كثير من الدول النامية، والدول العربية، من يكلف بعض الجهات المختصة وغير المعلنة بإجراء دراسات ميدانية لقياس شعبية رئيس الدولة، أو الحكومة، والتعرف على مواقف الناس من اداء المسئولين. ورغم ان النتائج لا تعلن، وتبقى سراً، إلا انها تؤثر في رأي المسئول الذي يفكر في بقائه السياسي. ومن غير المعقول ان يكون رئيس غير آبهٍ برأي الناس فيه. فإذا كانت نتائج الاستطلاع تقول بارتفاع شعبيته تراه استبشر بذلك وسعد. أما اذا كانت النتائج تشير الى ان حب الناس له وثقتهم فيه قد تدهورت، ادعى ان هذه النتائج غير موثوقة، وانها متقلبة، وانه لا يأبه بها. ومن الناس المطلعين من يقوم بإبلاغ المسئول أن الأوضاع العامة مقلقة للناس، وأن الناس (وليس المطلع) قلقون خائفون من المستقبل، ويقع الغضب على كاهل ناقل الخبر، وكأنه المسئول عن الاوضاع العامة. إن هذا مثل قتل الرسل الذين كانوا يحملون الرسائل بين الزعماء في الماضي. وإذا حمل الرسول رسالة لم يستسغها الرئيس الذي استلمها، أمر بقتل ذلك الرسول. وما من شك ان الرأي العام في كثير من الاقطار العربية يشعر بالأسى وخيبة الأمل، مما يجب ان يقلق المسئولين في تلك الأقطار. وبغض النظر عن رأيهم في اسباب ذلك القلق والخوف لدى شعوبهم، فإنهم هم القادة وهم المسئولون. ويُشكر للبعض انهم يتحركون ويسعون في الاتجاه الصحيح. ويُنتقد البعض الذي لا يلقي بالاً واهتماماً بشعبه، ويمعن في القرارات التي أدت الى خوف الناس من مستقبلهم وعليه. إن الوقت الذي يشعر الناس فيه بالترقب والخشية بسبب ظروف خارجية صعبة، أو بسبب ظروف داخلية قلقة، هو الوقت الذي يظهر فيه المعدن الحقيقي للقيادة المستنيرة الواعية القوية. وكما يقول مثلٌ مترجم عن الانجليزية «عندما يستبد الصعب بالناس فإن رجل الصعاب هو الذي يتحرك لينهي الصعب». الأوضاع في الوطن العربي صعبة، ولكنها ليست مستحيلة. والرأي العام قادر على الاستجابة مع القائد الهمام الذي يتحرك لمواجهة المشكلات، ويجند حوله الرجال الأقوياء الأمناء، والناس تتفهم ان المشكلات لا تحل بعصا سحرية، و لكن تفاؤلها بالمستقبل يتطور ويرتفع اذا رأوا ان مشكلاتهم تواجه بأحسن الوسائل. وبأكفأ الادارات حتى ولو كان الحل بطيئاً. إذا كان ناقل الخبر السييء يستحق العقاب، فما بالك بصانع الشيء الذي اصبح خبراً سيئاً.. والقيادات راسخة في وطننا العربية لأننا مللنا عدم الاستقرار، ولكن الحكومات تتغير إن عجزت عن تلبية طموحات الشعب والقيادة.. وحتى تبقى اشياء على حالها، فلا بد لأشياء ان تتغير. بقلم: د.جواد العناني