تشغل الازدواجية في السلوك الأمريكي تجاه الصين بال الكثيرين، ويقرأون في مفردات الاستراتيجية الأمريكية رغبة أمريكية شديدة في الصين لكنها مغلفة بعنجهية عنيفة. وبين التشدد تجاه قضايا مهمة تفتعلها الولايات المتحدة ضد الصين، نجدها تسعى لدفع الصين الى منظمة التجارة الدولية رغم شروطها المرفوضة صينياً. والازدواجية ليست غريبة على الاستراتيجية الأمريكية، انها تتصرف وفقاً لمنهجية يرسمها خبراء تهدف الى سلوك أقصر السبل نحو مصالحها، حتى لو كانت هذه السبل باستخدام القوة المفرطة أو العنف. تطرف القوة الأمريكية يجسده بأوضح صوره الرئيس الأمريكي الحالي الذي يثبت يوماً بعد يوم جهله بالسياسة الأمريكية، خاصة وهو ينسف جهود عشرات السنين ان لم نقل نصف قرن من الزمان في تحويل الخصم الصيني اللدود إلى خصم منافس، ومن عدو الى حليف ولو تجارياً. فكيف نفهم السلوك الأمريكي والرغبة المقرونة بسوط العنف، هل يمكن أن نسميها سادية مساوية سياسية فعلاً أم انها محاولة فقط للتغطية على الفشل الأمريكي في احتواء الصين؟ كيف نفهم الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين، هل هي سياسة منفصلة عن محيط الصين الاقليمي أم انها تدخلها في معادلاتها بآسيا، وما هي أهداف أمريكا من الدفع باتجاه انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية رغم انها تناهضها العداء مرة أخرى بعد أن مهدت خطط الخبراء لعلاقة شراكة استراتيجية ومصالح متبادلة، وكيف يمكن فهم الدور المستقبلي للصين اقليمياً ودولياً، هل سيكون في اطار طوق أمريكي، أم انه دور منفصل كقوة عظمى، وهل يمكن أن تكون بديلاً للاتحاد السوفييتي السابق، كيف يمكن قراءة السلوك الصيني في اطار كل هذه المتغيرات وفي اطار تاريخها السياسي وسلوكها تجاه الولايات المتحدة؟ كما هو معروف ان ما يسيطر على السياسة الأمريكية الدولية هي فكرة القيادة الابدية بلا منافس، وهي فكرة لا يبدي الامريكيون تجاهها اي تهاون ولايبدو انهم مستعدون للتنازل عنها بعدما تسيدوا. وفق هذه النظرة يرسم خبراء السياسة الامريكية معادلات الولايات المتحدة في العالم بعد المتغيرات التي طرأت بانهيار الاتحاد السوفييتي وبروز القوة الامريكية المنفردة التي نجحت بتهميش المنظمتين الدوليتين ـ الامم المتحدة ومجلسها الأمني ـ وقادت حربين ناجحتين لتقليم جميع الاظافر التي قد تخدش جسد المصالح الامريكية. من ضمن هذه المعادلات كانت معادلة آسيا التي تكاد تشظيها الصراعات والتي تعد بؤرة موشكة على الانفجار، وذلك خطر على المصالح الامريكية برمتها. ورغم تفعيل الدور الامريكي في اسيا عبر حلفائها هناك كاليابان والفلبين وسريلانكا وتايلند وكوريا الجنوبية والباكستان فالهند، ثم تحييد روسيا، الا ان المعادلة الاصعب في هذه المنطقة تبقى احتواء الصين، فهي تجد ان «امريكا + الصين» هو أهم معادلة ينبغي تحقيقها خاصة وان التنبؤات الامريكية تجاه هذه الدولة الاسيوية مضت بدقة شديدة وحققت الدولة ذات الـ 1.3 مليار نسمة نمواً فاق كل التوقعات في اقتصادها واستطاعت بالفعل ان تؤقلم شيوعيتها وتبني ايديولوجيتها الخاصة بها بعيدا عن تأثير الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا الحالية وبعيداً عن الانخراط في دوامة العولمة الرأسمالية. ورغم ان الصين تسعى لأن تكون قوة عظمى، لكنها تبقى مصرة على نظامها الاشتراكي وحققت نجاحاً كبيراً على مدى نصف قرن، ويرى ساستها انها تستطيع فعلا ان تندمج في المجتمع الرأسمالي دون ان تفقد هذه الايديولوجية او دون ان تخرج عن منهجها. وقبل الدخول في سياسة او استراتيجية امريكا تجاه الصين ـ وهي محور الموضوع ـ يجب ان نقرأ بوضوح الايديولوجية الصينية والسجل السياسي الصيني الذي سنجد انه في كل خطواته كان يتجه نحو علاقة استراتيجية مع امريكا.. ولكن بشروطها هي. مسيرة الألف ميل يؤشر خبراء السياسة القرن العشرين بأنه قرن الثورة والمعاناة، الفقر والامال المشرقة والتحولات السياسية والايديولوجية الحاسمة بالنسبة للصين. فقد كان التحول من امبراطورية عريقة إلى جمهورية وليدة ثم إلى «ديكتاتورية شيوعية» امراً احدث فوضى اخرجت من قلبها نظاماً فرض نفسه بقوة في المعادلة السياسية الكونية. تقلبت الصين في تاريخها السياسي بين الرفض الغاضب المطلق للنفوذ الغربي، والقبول الحذر للعلاقات مع هذا الغرب التي ادركت الصين مذاق منافعها. خرجت الصين من عزلتها ونفورها بعد ثورة عام 1949 لتسلك طريقين متوازيين معاً كأنها تريد تحقيق معادلة صعبة في سلوك الطرق التي لا تلتقي، فكانت بين تعصبها للنقاء الايديولوجي لشعبها وطموحها لبلوغ الرخاء الاقتصادي الذي ينعم به الغربيون، وكان ذلك مقرونا بشعورها بالظلم او كما قال شارل ديجول عام 1962: «الصين بلد عريق اسيئت معاملته إلى اقصى حد»، فكيف رأى ديجول ومن بعده نيكسون الصين، وكيف نظرا إلى مسيرة الثورة الصينية؟ في خضم فهم الجميع للصين على انها تابع شيوعي للمد السوفييتي، كان هناك من ينظر الى الشقاق الصيني السوفييتي في فورة اعادة رسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وبينما كان الكثيرون يرون الصين على انها بلد «متعطش للدماء» كان القلائل ينظرون إلى عمق الحضارة الصينية التي حفرت في صخور التاريخ سورا عظيما وثقافة عريقة ونموا يتجه نحو الطليعة سريعاً. يقول الرئيس الامريكي الاسبق ريتشارد نيكسون في كتابه نصر بلا حرب: «بعد نصف قرن من الحروب مع الاخرين ومع الذات، خرجت الصين موحدة. وخلال خمسين عاماً فحسب زاد تعدادها من 400 مليون نسمة إلى اكثر من الف مليون. وتحت قيادة دنج تشياو بينج، وهو من اكبر رجال الدولة في القرن العشرين، ابتعدت الصين عن الماركسية المتزمتة. وقد رفع دنج العبء الثقيل للتخطيط البيروقراطي الشامل وحرر الامكانيات الهائلة لخمس سكان العالم. واذا استمرت الصين في الطريق الذي رسمه دنج فسوف يعيش احفادنا في عالم لا تقف على رأسه دولتان عظميان فحسب، بل ثلاث دول اعظم هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية». هكذا رأى نيكسون الصين التي زارها اول مرة عام 1972 وعاد إلى بلاده وقد قلبت الصين كل معادلاته وتوقعاته فقال للأمريكيين: «عليكم بها حليفاً». تدين الصين بثورتها التقدمية لدنج الذي اتى إلى الحكم عام 1978، لكنها لا تنسى اولا تنكر مسيرة ماو وشواين لاي، حكم ماو وشو معا بأيديولوجيتين مختلفتين، فامسك ماو بطرف عصا الصين بأسلوب كان يراه ثورة مستمرة، ووصفه السياسيون بالمراوغة، وبأنه يصعب التنبؤ بما سيفعله، تشغله رؤيا معينة ونجد انه عندما ادرك بأن الصين تفقد حماستها الثورية اطلق الثورة الثقافية التي اقتلعت كل نفوذ غربي. وعلى عكسه انجرف شو ممسكا بطرف العصا الاخر إلى سياسة تدريجية لتحديث الاقتصاد التي بدأها والتي كان من أهم نتائجها انفصال الصين عن الاتحاد السوفييتي وبدء النظرة الصينية المتطلعة لعلاقات مع الولايات المتحدة. كان ذلك التحدي الذي مثله كيفية حكم الصين هو المتحول الذي قاد السياسات الثورية وألهم دنج لرسم سياسة الاصلاحات الاقتصادية عام 1978. ويرى الخبراء ان ثورة الصين الاقتصادية كانت نتيجة لمتغيرين حاسمين في نظرة قادتها هما: ـ موقفهم الجديد من الغرب ـ واصلاحات دنج الاقتصادية وقع التحول الاول عند احساس الصين بالخطر السوفييتي المتمثل في قوتها العسكرية، اما التغير الثاني فجاء بعد ادراك الصين انها تحتاج إلى نموذج بديل للنموذج الاقتصادي السوفييتي، فقد اغرقها الاخير في أوحال الفقر. كان امام الصينيين خياران لا يقلان صعوبة عن بعضهما: ان تخوض في نظام اشتراكي ينادي بالمساواة ويكون نتيجته أو ثمنه الفقر، او ان تخوض في مسيرة التقدم على ان تدفع ثمن ذلك عدم المساواة، وبالمقارنة مع محنة الفقر التي اجتاحت الصين بدا ان خيار التقدم مع قدر من عدم المساواة هو الأرجح. ويعد دنج المهندس لسياسة الصين منذ عهده حتى اليوم فمازالت مبادئه تحكم الصين حتى الساعة، استندت هذه المباديء على اربع خطوات لتحديث الصين، وهي: ـ الاحتفاظ بالنظام الاشتراكي ـ اطلاق التنمية والنهضة الاقتصاديتين واعتماد الصين على نفسها في ذلك ـ المحافظة على النظام الحزبي ـ الانفتاح على العالم ومع بدء هذه الخطوات، بدأ الاقتصاد الصيني يزدهر ويمكن تأشير ثمار ذلك في عام 1986 مثلا اذ وصل النمو الاقتصادي إلى نسبة 11% اي ثلاثة امثال المعدل المتوسط في بلدان الغرب الصناعية، ومع ذلك تحقق اكبر نجاح في مجال الزراعة، وقد وصفه خبراء السياسة بالأعجوبة فالصين تملك 6% من اراضي العالم الزراعية لكنها تقوم بإطعام 25% من سكان العالم اليوم. لم تخل تجربة دنج من مخاطر جمة واجهها بثقة وعناد، لعل اخطرها ما كان يهدد بيروقراطية الحزب الشيوعي الذي أنقصت سيطرته على الاقتصاد فهو يستمد قوته من ممارسة تلك السيطرة وهكذا كان توجه المصلحين في الصين عدم السماح بحرية اقتصادية بلا تغيير اساسي في النظام السياسي الشمولي. ومن بين المشاكل التي واجهت مسيرة الاصلاح الصيني او الثورة التي قادها دنج كانت اعادة تنظيم القوات المسلحة الصينية فهو تهديد للمؤسسة العسكرية، يضاف اليها الثورة الثقافية، والاقتراب من الافكار الغربية عن الحرية الاقتصادية الذي كان يهدد بخطر احياء النزعة الشديدة المعادية للأجانب لدى الصينيين. وهكذا نجد ان دنج حرر الصين، كما يقول الخبراء السياسيون، من قيود الماضي الايديولوجية واعدها للزعامة الدولية التي تلوح اشاراتها اليوم، وهي التي التقطها الامريكيون منذ خمسين عاماً، ويرون فيها نبوءة تتحقق اليوم، وهي التي تقف وراء ازدواجية السلوك الامريكي، فكيف نقرأ هذا السلوك؟ أمريكا والصين بدءاً نظرت الولايات المتحدة للصين منذ مطلع السبعينيات على انها عملاق القرن الحادي والعشرين المستقل، ورغم قناعة امريكا بأن الصين لن تكون بالضرورة موالية للغرب لكنها متأكدة تماماً ان الصين لن تكون موالية للروس. عمل الامريكيون على تحقيق معادلة مهمة دون الاعتبار للخطر السوفييتي رغم ان هذا الخطر هو الذي قرب الصين للولايات المتحدة، فقد كان ضروريا انشاء علاقة جديدة بين «اقوى دول العالم واكثر دولة سكاناً»، واسباب ذلك كانت واضحة للجميع: الفوائد الاقتصادية والثقافية التي تترتب على هذه العلاقة الودية يضاف اليها «الواقع القاسي للعصر الذري». ونلاحظ ان الامريكيين نجحوا في اختراق «سور الصين العظيم»، فحققوا تجارة مع الصين تبلغ اليوم اكثر من عشرين مليار دولار سنوياً حتى باتت الولايات المتحدة ثالث اكبر شركاء الصين في التجارة. ولم يكن النجاح الامريكي في تحقيق شراكة تجارية مع الصين سهلا، بل كان مؤلماً خاصة مع الاختلاف في الايديولوجية والفلسفة، لكن ما كان يجمع الاثنين هو المصلحة المتبادلة وادراك كل منهما لأهمية الاخر، فقد ادركت الصين طموحات الولايات المتحدة في المنطقة بعد ان انتهت الحرب الباردة وادركت الولايات المتحدة طموحات الصين في ان تكون القوة العظمى التي يحسب حسابها. ورغم ان امريكا عمدت إلى تهميش دول ومناطق اقليمية كاملة في منظومة التفاعلات الدولية، الا انها وقفت عند حدود الصين ورأت، بعين الخبير التي ترقب منذ خمسين عاماً هذا العملاق، أهمية دمج الصين في منظومة الاقتصاد العالمي وتحويل قناعاتها الايديولوجية باتجاه مباديء الفلسفة الليبرالية. وتشير دراسات كثيرة إلى قائمة المصالح والأهداف التي تشكل محددات السياسة الامريكية والتي تعد ثابتة نسبيا، وقد اشتملت على اربع قضايا اساسية هي: ـ احتواء الشيوعية: وهذا التهديد لم يعد قائماً الا بقدر اصرار الصين على نظامها الاشتراكي مع الانفتاح على العالم الامر الذي يهدد بنشر مفاهيم هذه الاشتراكية المواجهة للمباديء الامريكية. ـ حماية خطوط التجارة البحرية والبرية، ورغم انه لا يوجد تهديد فعلي لها لكن امريكا تحسب حساب خطوط نقل الطاقة والسيطرة على حركة النقل التجارية العالمية بعقلية المستعمر لا بعقلية الشريك. ـ الوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام وهو ما يشكل محوراً اساسياً في استراتيجياتها وعليه تقوم كل خطورتها في التدخل العسكري او الضغط السياسي. ـ وأخيراً دعم ونشر القيم الليبرالية وبخاصة الديمقراطية وحقوق الانسان والتي تعد ورقة ضاغطة تجاه معظم دول العالم ومنها الصين. خضعت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العالم لعملية تقويم واعادة ترتيب لأولوياتها واهدافها، دفعت اليها مجموعة من المتغيرات أبرزها وفق دراسات متعددة: ـ ازدياد أهمية المرتكزات الاستراتيجية التي تقوم عليها العلاقات الامريكية الدولية في عصر العولمة الامريكية. ـ التغير الذي طرأ على سياسات التحرر الاقتصادي في وجهة النظر الامريكية وتزايد الاهتمام الامريكي بغزو دول العالم واسواقها. ـ تغير رؤى وتصورات الادارة الامريكية بشأن المشاكل والصراعات التي تعاني منها مناطق معينة في العالم وأهمية تحقيق الاستقرار والأمن وتدعيم فرص النمو الاقتصادي بما يخدم المصالح الامريكية الحيوية في المنطقة. ـ اعادة تقويم اوروبا وبعض دول اسيا لسياساتها وذلك ما جعل امريكا تعزز من فرصها. على هذه القواعد الأساسية سارت الاستراتيجية الامريكية تجاه الصين ولكن مع ادراكها ضرورة دعم الصين من اجل التوازن الاستراتيجي في آسيا والعالم ولذلك دعت الغرب إلى اعطاء الصين فرصة للحصول على التكنولوجيا التي تحتاجها للتنمية الصناعية ولكن مع عدم بيع أنواع من التكنولوجيا ذات الحساسية الفائقة والتي يمكن ان تستخدمها الصين ضد هذا الغرب عسكريا، وهو نفس السلوك الذي تسلكه تجاه دول عديدة منها حلفاؤها الغربيون، لكن الصين مع كل الحرص الامريكي ادركت أهدافها ومضت بعيدا في صناعتها حتى صارت تهدد السوق الأمريكية، انها العملاق الذي قفز من صهوة الغفوة إلى واقع السيادة الدولية.