تضاربت الاراء حول النتائج التي انتهت اليها لجنة التحقيق حول اضطرابات منطقة القبائل التي شكلها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة واكدت ضلوع الدرك الوطني في اشعال فتيل الازمة. فقد وصفت أوساط رسمية عمل اللجنة بـ« الثوري» كونه اعترف بمسئولية الدرك في الأحداث، وهو أمر لم يسبق أن عرفته الجزائر ، ولم يسبق ان أدانت لجنة رسمية جهة رسمية أخرى انطلاقا من التربية السياسية لأهل الحكم المبنية منذ نشأة الجمهورية عام 1962 على التضامن والتكتل. وراحت وسائل الاعلام الحكومية من تلفزيون وإذاعات وصحف تبرز دور الرئيس بوتفليقة في هذا التغيير، وتذكر الناس بأن «الرئيس وفى بوعده» وهاهو التقرير جاهز وينشر كاملا في الصحافة. وقالت مصادر اخرى أن بعض الأوساط الرسمية مستاءة مما توصل اليه فريق محند اسعد كونه يدين«هيئة رسمية ظلت في خدمة الشعب عقودا من الزمن» على حد تعبير ضابط سابق في الجيش يرى أن إدانة الدرك في أحداث القبائل يفتح الباب واسعا لممارسات خطيرة أخرى قادمة. ولم يخف هذا الضابط أن ما جاء في تقرير اللجنة يسيء لسمعة الجيش كون الدرك هو فصيل من الجيش وإن كان نشاطه يرتبط بالمحيط المدني للمؤسسة العسكرية. وقد يكون الاستياء أكبر من نتائج التحقيق في حال تنفيذ الرئيس بوتفليقة وعوده بمعاقبة من ارتكبوا تجا وزات خلال تلك الأحداث. لكن رغم أن التقرير حمل الجهات الرسمية مسئولية ما حدث فإن الأحزاب السياسية ـ باستثناء التجمع الوطني الديمقراطي الذي يعبر عن صوت السلطة المدنية والعسكرية ـ اعتبرت النتائج ناقصة ولا تعدو أن تكون تكرارا لبعض ما نشرته الصحافة. وأعابت جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال وحركة مجتمع السلم والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وتنظيمات أخرى أقل شأنا، على التقرير قصوره وسطحيته بالقياس الى ما يتطلبه الموضوع من تعميق وتفصيل وشهادات حية. واستغربت حركة النهضة المشاركة في الائتلاف الحكومي كون التقرير كان تكذيبا قاطعا لفرضية « اليد الأجنبية » التي روجت لها السلطة وفي مقدمتها الرئيس بوتفليقة في عز تلك الأحداث حتى أن الكثيرين من المسئولين وجهوا أصابع الاتهام الى فرنسا بشكل مباشر وواضح. وينتظر أن تسجل جميع التشكيلات السياسية في الجزائر مواقفها من التقرير خلال اليومين المقبلين بعد دراسته، ولا يستبعد الملاحظون أن تسجل هذه التشكيلات خيبتها كون الوثيقة خالية تقريبا من الشهادات الحية ولم تحسم قضية « من أمر بإطلاق النار على المتظاهرين؟» كما أن الموقف بصدد الأسباب التي أدت الى مقتل جرماح ماسينيسا تتخللها مساحات ظل لم يتمكن التقرير من الكشف عنها. وفي الميدان أكدت هيئة العروش التي انبثقت عن الأحداث الأخيرة وأصبحت أكثر التنظيمات في الجزائر قدرة على التعبئة، أن نتائج اللجنة لم تفاجئها كونها لجنة رسمية ولا يمكن أن تكشف عن الجهة التي أمرت بإطلاق النار على المتظاهرين العزل. وقال ناطق باسم مجموعة تيزي وزو في الهيئة المذكورة « حين رفضنا تعيين لجنة رسمية للتحقيق فلأننا كنا ندرك مسبقا استحالة خروجها بنتيجة تجعل الناس يعلمون من دبر قتل مئة شخص من شباب القبائل ... كنا ندرك تماما أنه ليس بمقدور لجنة كهذه فضح من أمروا بإطلاق النار على الشعب ... «وقال رابح بوستة ممثل ولاية بومرداس في الهيئة» إن التقرير لم يقل أكثر مما يعرفه الناس جميعا. هو بالفعل الاعتراف رسمي بمسئولية أجهزة أمنية في الكارثة لكنه حجب حقيقة كبرى هي «من أمر بمواجهة متظاهرين عزل بالرصاص الحي». وكان هذا هو رأي جميع ممثلي الولايات الذين تمكنا من الاتصال بهم وأخذ رأيهم في موضوع التقرير التمهيدي للجنة التحقيق في أحداث القبائل. أما خالد جرماح والد الشاب ماسينيسا فقال لـ« البيان»: « إن النتائج التي توصل اليها فريق التحقيق بعد نحو ثلاثة أشهر من التحريات كانت في معظمها غامضة ولم تقدم غير التأكيد لما كان الجميع يعرفه. نريد أن نعلم من أمر برمي المتظاهرين بالرصاص وما الغرض من ذلك. بمعنى أن التحقيق كان يجب أن يبحث في أصحاب القرار وتحدث خالد جرماح باستصغار واضح للنتائج، ومع أن محند اسعد رئيس اللجنة قال إن النتائج المقدمة في هذا التقرير تمهيدية فحسب وليست نهائية ويمكن مواصلة العمل الا أن هذه البداية كانت متعثرة ربما أكثر مما كان متوقعا. ولم يعد هناك ـ بنظر الملاحظين ـ مجال للبحث عن « حقائق أخرى» . فالعائلات التي سقط أبناؤها في تلك الأحداث تطالب بالقصاص وشفافية الأحكام وتنفيذها لتكون عبرة وليست في حاجة الى معلومات عن طول الرصاصة التي اخترقت أجساد أبنائها كما قال مندوب منطقة القصر خلال اجتماع جرى صباح أمس. وهو ما أكده خالد جرماح حين قال:«المهم اليوم هو أن يطبق القانون ويعاقب القتلة بالمؤبد.». الجزائر ـ مراد الطرابلسي: