يحتل دخل الفرد موقع الصدارة في اطار جملة المعايير التي يمكن اعتمادها لتقويم اداء القطاعات المختلفة في هذه الدولة أو تلك. وبالتالي لتقويم وقياس مستوى الرفاهية الشعبية التي من المؤكد، انها تنعكس ايجاباً في تفعيل العمل وزيادة الانتاجية خاصة عندما يكون معدل الدخل عاكساً دقيقاً لحجم الخدمات الا ان مشكلة تدني معدلات دخل الفرد تعتبر من اكثر المشاكل الاقتصادية ذات الطيف واسع التأثير على كامل فعاليات المجتمع على اختلاف اختصاصاتها لأنها تعود في اسبابها الى تردي الحالة الاقتصادية للبلاد وسوء توزيع الدخل فيها. ويرى البروفيسور ممتاز نحاس في دراسته الاقتصادية الجديدة والتي تحمل عنوان «هل زيادة دخل الفرد ممكنة» ان هناك الكثير من الاسباب التي تحتاج الى دراسات معمقة وجهود مكثفة لترسيخ قاعدة صحيحة يمكن الانطلاق فيها باتجاه الحل السليم، الا ان المشكلة الاصعب من تدني معدلات دخول الافراد هي مشكلة البطالة وغياب فرص العمل وبالتالي غياب الدخل اساساً. فالخدمة أو العمل حسب المفهوم للكلمة هي نشاط ايجابي منتج يقوم به الفرد بدافع البحث عن اجر مناسب يستطيع من خلاله تأمين متطلبات العيش له وللأفراد الذين يعيلهم حيث يكون هذا النشاط غير بعيد عملياً عن تأمين الواجب الوطني والاجتماعي ولكونه يحمل من المواصفات ما يجعله مفيداً وإيجابياً فهناك اذن تبادل في المنافع بحيث يجب ان يكون تبادلاً عادلاً يمكن المجتمع من الحصول على معدل التنمية الحقيقي المطلوب على اعتبار ان هناك خدمات مفيدة يجرى انجازها من قبل الافراد الذين يكافأون بما يستحقون لقائها فالمكافأة هي الأجر المناسب لهذه الخدمات والجهود. البداية من المجتمع ويتساءل البروفيسور نحاس في دراسته الجديدة عن المجتمع المتقدم الذي يعطي افراده اكثر مما يأخذون وأيهما يجب ان يكون الباديء بالعطاء المجتمع أم الفرد حيث أقر علماء الاقتصاد والاجتماع بأن البداية يجب ان تكون من المجتمع الكتلة الكبرى والفرد جزء منها والكل عادة هو اقوى امكانية من الجزء والحالة الصحيحة بأن يشعر الافراد بانتمائهم الى المجتمع وإدراكهم لحقيقة المنفعة والارتباط المصيري المتبادل مع الهيكل العام لهم وهو المجتمع والدولة. ويؤكد البروفيسور السوري في معرض حديثه عن الدخل الجيد مقابل الخدمة النظيفة الى انه وقبل ان نسعى لمحاسبة الفرد على تقصيره يجب ان ننظر الى معاملة المجتمع له ونعمل على تقويم مستوى اداء المجتمع عموماً بمعنى محاسبة المجتمع المحاسبة التي يجب ان تكون على شكل اعادة دراسة عطاء هذا المجتمع بالنسبة للأفراد المقصرين. فلكي يكون ما يدفعه المجتمع أو الدولة لقاء الخدمات المقدمة من افراده مفيداً له ولجني أكبر الفوائد مما يدفع في الدولة من اجور ينبغي على الدولة ان تشجع العمالة فيها وفق سلم الأولويات الاقتصادية وذلك حتى تستطيع ان تمنح اليد العاملة اجورها من ناتج اعمالها فهناك رابطة وثيقة ما بين استطاعة او امكانية اعطاء الحق وبين العمل المطلوب تحصيل الحق منه فكلما كان هذا العمل قريباً من الاعمال الاقتصادية المساهمة في دعم الاداء الاقتصادي وترسيخ ايجابية هذا الاداء في مواجهة الاخطار المحتملة خارجياً وداخلياً كلما كان يستحق اجرا افضل. تناسب الاجر والعمل كذلك لابد ان يكون عطاء العامل متناسباً مع الاجر وهي معادلة منصفة لجميع الاطراف العاملة في الانتاج والتسويق بالاضافة الى رفع اجور اليد العاملة وزيادة عدد الوحدات المنتجة خلال وقت معين وعدم التساهل بمسألة الجودة اي رفع معدلات الانتاج مع الاحتفاظ بمواصفات عالية الجودة وهنا تظهر واضحة العلاقة ما بين العوامل الاساسية المشجعة على رفع معدلات الاجور لكي تؤمن وضعاً معيشياً مناسباً للعامل في وقت تم تأمين تناسب بين السعر العالمي للساعة المنتجة وبين الاجر الممنوح لانتاجها. وعن الاستفادة من المميزات النسبية يشير البروفيسور نحاس الى انه من المعروف ان لكل دولة مميزات نسبية هي المواصفات الخاصة التي تتمتع بها صناعياً أو زراعياً أو على اي صعيد آخر من الصعد الداعمة للاقتصاد وهذا ما يلاحظ في آلية الاقتصاد العالمي والتفوق الذي تمتاز به دولة ما في تصنيع وتصدير مادة ما لذلك يقترح ضرورة محاولة اعادة توطين هذه الصناعات الصغيرة المنسية والتي يجب ان تنفرد بها البلدان العربية من بين الدول الاخرى فالنسيج السوري معروف عالمياً كالبروكار والدامسكو وغير ذلك والأعشاب الطبية المتوفرة لدينا تتيح صناعات دوائية ذات مميزات خاصة ايضاً وغير ذلك من المميزات التي تخلق فرص عمل كبيرة وتتيح دخول جيدة لأن انتاجها يسوق سلفا فهي رائجة جداً في الخارج. من جهة اخرى يشير البروفيسور ممتاز نحاس في دراسته الجديدة الى انه تبدو معدلات الدخل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحجم ودرجة المؤهل اولاً بنوع العطاء والانتاج ثانياً حيث تبدو المؤهلات العالية والخبرات المعقولة قادرة على انتاج اعمال نوعية ومتميزة وهي مهما كان نوعها فإما انها تسوق بسرعة اذا ما كانت انتاجا سلعياً أو انها تسهم في تحقيق ارباح كبيرة اذا كان الانتاج على شكل خدمات وفي كلا الحالتين تستوجب منحها بدلات عالية من الاجور لقاء الاعمال الراقية التي قدمتها وليس من شك بأن معظم الاعمال المطلوبة حالياً أو فرص العمل متوفرة تنحو الآن لنصرة ذوي المؤهلات والخبرات الخاصة والنوعية اذ لم تعد الاجازة الجامعية كافية دائماً لتأمين فرصة عمل لصاحبها بل امسى ومن المطلوب وبإلحاح توفر امكانات ومؤهلات اضافية كإتقان اللغات الاجنبية والخبرة في مجال استعمال الكمبيوتر والبرمجيات ففي ذات الوقت الذي يبحث فيه الجميع عن فرص العمل في ظل معدلات البطالة الكبيرة تبدو المؤهلات المذكورة اوفر حظاً في الحصول على فرصة عمل وسط زحام العاطلين وبالتالي اكثر دخلاً. من جانب آخر وبالنسبة لعلاقة الدخل بالعطاء فإننا نلاحظ ان كثيراً من العاملين يطالبون الحكومة أو أرباب العمل بزيادة اجورهم متناسين هذه العلاقة القوية ما بين الانتاج وبين الاجر هذه العلاقة التي تحول ما بين رب العمل وبين تحسين وضع العامل باعتبار ان رفع معدلات الاجور اذا لم يرافقه امتصاص لها من عوامل انتاجية اخرى تشكل خطورة وقد ينجم عنه ضرر كبير قد يؤدي بالعامل الى فقدان عمله في وقت كان يفكر بتحسين وضعه المعيشي من خلاله وذلك بسبب عدم تمكن الجهة التي يعمل بها من دفع رواتبه بسبب الكساد الذي يعاني منه لارتفاع تكلفة الانتاج أو لعدم مجاراته لمثيله في السوق جودة ومنافسته له. زيادة فرص العمل ويشير البروفيسور نحاس الى ان هاجس اي دولة في العصر الحديث يتمثل في اتاحة المزيد من فرص العمل امام مواطنيها وزيادة دخولهم بشكل يضمن لهم حدود دنيا على الاقل من الرفاهية التي تطلبها الحكومات لشعوبها عادة هذا الى جانب اعادة متجددة كل فترة لتوزيع الثروة أي توزيع الدخول بين الافراد في الدولة كل حسب جهده وعطائه حيث يبدو تشجيع الاستثمار وتوظيف رؤوس الاموال من قبل الجهات المالكة لها بغض النظر عن تبعية هذه الجهات أو صفتها أمر هام في اعادة توزيع الدخل وإيجاد دخول جديدة فالمال الذي يمتلكه المصرف نتيجة لتراكم الودائع فيه وفوائض الايداعات التي أمست مشكلة حقيقية تواجه المصارف السورية في حين لو استمرت بتوظيفها في مشاريع انتاجية مفيدة فإنها تعكس فوائد اقتصادية متعددة وتمتص من جهة طوابير البطالة المتراكمة عاماً بعد عام. من جهة ثانية تمكن رفع معدلات الدخول القائمة من امتصاص البطالة لأن المشاريع الاقتصادية الجديدة والمدروسة تستطيع دفع رواتب اعلى نسبياً من المشاريع التي انشئت عشوائياً كيفما اتفق ثم ان انتعاش الاقتصاد ومساعدة الناس على استخدام ما لهم واستثماره بالشكل الذي يؤمن لهم عائداً يزيد من جهة معدل العائدات. ويرى البروفيسور ممتاز نحاس في نهاية دراسته الاقتصادية انه اذا كان هناك من فائدة مرجوة تلمس كنتيجة لتفعيل البحث العلمي في مختلف جوانب الحياة فإننا نلمسها بالدرجة الأولى في الجانب الاقتصادي على اعتبار ان تقدم الأشياء لا يتم إلا بمعرفة المعوقات التي تحول دون تقدمها وهذه المعرفة لا تتم الا بالبحث عنها لذلك يجب تحديد اجور اليد العاملة على ضوء مستوى المعيشة اثناء قيام الدراسة كما يجب النظر الى معادلة مهمة وهي ان الدخل يجب ان يعادل الجهد. وفي حالة الفشل في تصحيح هذه المعادلة لتحقيق المساواة بين اطرافها فإنه يجب الانتقال الى اعطاء العامل فرص عمل اخرى يستطيع من خلالها سد النقص والعجز الحاصل في تحقيق المساواة بين اطراف المعادلة او تقديم خدمات تكون مجانية وذات قيمة مادية لرفع مستوى دخله عملياً الأمر الذي يجعله متمسكاً بعمله محاولاً الابداع فيه قدر الامكان.