لم يصل البرلمان الإندونيسي من خلال جلسته الخاصة لمجلس الشعب الاستشاري، إلى التصويت بغالبيته الساحقة لعزل الرئيس واحد، بعد إعلانه قانون الطوارئ وحل البرلمان، لمجرد ممارسة تمرين للديمقراطية الطارئة على المجتمع الإندونيسي كما يحلو للبعض اعتبار ذلك، بقدر ما جاء هذا التصويت إيذاناً بالخطر الداهم الذي هدد مستقبل الكيان الإندونيسي برمته وبات ينذر بالكثير من الفواجع الغير محسوبة النتائج، والتي تتمثل في هاجس انفجار الأرخبيل الذي يضم أكثر من 220 مليون نسمة واكثر من 14 ألف جزيرة،بعد أن سلخت جزيرة تيمور الشرقية بعهد الرئيس واحد، وتنامي النزعات الانفصالية في الكثير من الجزر الإندونيسية وأهمها جزيرتي أتشي واريان جايا وبعض الجزر المجاورة لها. ولعل هذا التصويت الذي أودى بحياة واحد السياسية، جاء نتيجة حتمية للسياسات التوفيقية التي بدأها الرئيس عبد الرحمن واحد، منذ توليه العهد الرئاسي والتي باءت جميعها بالفشل، و عجزت على ما يبدو عن جمع التناقضات والاتجاهات وصهرها في بوتقة واحدة، لدرجة أنها وصلت حقاً إلى الطريق المسدود، بل زد على ذلك أنها أصبحت عصية على الحل بعد أن كشفت الأوساط السياسية والاقتصادية الإندونيسية، ليس عن تورط الرئيس واحد بفضيحتين ماليتين، بل وإدارة الظهر عبر الحال والترحال، وترك الحكم بما يمثل من اتجاهات وأهداف وصبوات على غاربيه. أي أن إندونيسيا الوطن والشعب، وليس الحكومة وحدها، عاشت ولا تزال تعيش هذه الأيام، حالة من الترقب المشوب بالخطر، بصرف النظر عن إقالة واحد، وتقبع على مفترق طرق وعرة بسبب الصراع على السلطة، والذي لم تتضح معالمه بعد رغم التأييد الكاسح لميجاواتي سوكارنو بوتري بنت مؤسس دولة إندونيسيا الحديثة، كما يحلو للبعض الإندونيسي تسميتها. فرص ضائعة وعلى الرغم من انتقال الصراع بين الطرفين واحد والبرلمان وميجاواتي، من مرحلة استخدام أقصى ما عندهما من أوراق ضغط وأدوات تكتيكية بهدف كسب المعركة التي تجاوزت في مساحتها قصر الرئاسة وسدة البرلمان وأطاحت في نهاية الأمر برأس عبد الرحمن واحد، إلا أن القضية برمتها أصبحت معروضة في شوارع جاكرتا التي شهدت هي الأخرى انفجارين مخيفين، كبداية مجس اختبار لقوى الأمن والجيش على حد سواء، وبعد أن تدهور الوضع بشكل مخيف في شرق جاوا، التي تعتبر المعقل الرئيسي لمنظمة «نهضة العلماء» والتي يقدر عدد اتباعها ومناصريها بحوالي 40 مليون نسمة، بقيادة الرئيس المخلوع واحد على مدى 15 سنة، ولا يزال حتى هذه اللحظة، ومسقط رأسه. لكن السؤال المفصلي والمهم: هل حقاً لا يزال واحد بعد حجب الثقة عنه بغالبية 591 صوتاً، وغياب حزبه الذي يمثل 10% داخل البرلمان وحزب مجهري صغير متحالف معه، قادرا على فرض شروطه على شركائه السياسيين حتى بعد أن عزله البرلمان دستورياً بالاستناد إلى المادة السابعة والثامنة التي تؤكد على أن أعلى السلطات تبقى بيد مجلس الشعب،رغم التفسيرات الخاصة للدستور وقوانينه المتعلقة بذات الشأن، من قبل واحد وأتباعه، واعادة إندونيسيا إلى سابق عهدها، أي كما كانت في عهد الرئيس سوهارتو الذي حكم البلاد قرابة 32 سنة؟ للرد على هذا السؤال الطويل نسبياً، وبعيداً عن التطرق إلى ما تبقى للرئيس واحد من علاقات على الخارطة الداخلية الحزبية والسياسية، لا بد من الاعتراف، أن جميع الفرص الذهبية، التي أعطيت لواحد قد خسرها دفعة واحدة، مما جعله يفقد أكبر حلفائه منذ الجولة الأولى لمعركته مع نائبته ميجاواتي سوكارنو بوتري، و أمين ريس الذي يعتبر ممثل الصندوق الدولي والبنك الدولي على حد سواء، وبخسارته لهذين الطرفين المقررين داخل المجتمع الإندونيسي، خسر حتى قبل التصويت وبكل جدارة البعدين الآسيوي، وبالتحديد مجموعة «آسيان» التي تبرأت من واحد، والتي كانت مجتمعة في فيتنام، والتي أعلنت من ردهات اجتماعاتها، بأنها ليست معنية بالتدخل بالأوضاع الداخلية الإندونيسية. بموازاة ذلك خسر مسبقاً، البعد الدولي الذي بقي يراهن عليه حتى النهاية، والركائز الاقتصادية على المستوى الداخلي التي تعتبر جزءاً هاماً في محددات السياسة الإندونيسية بصفة عامة، لما يمثله الطرفان من قوة ونفوذ في هذا الحيز الهام، فأصحاب رؤوس الأموال والمثقفون الصينيون، يعتبرون العمود الفقري لحزب الرئيسة الجديدة ميجاواتي، وهم ذوو تأثير ونفوذ قوي داخل الحياة الإندونيسية، أما ريس فهو لا يقل أهمية على هذا المستوى داخلياً وخارجياً. وهذا ينساق بشكل أتوماتيكي على الموقف الأمريكي، حتى وإن بدى موقفاً متوازناً من خلال الدعوة التي وجهتها الحكومة الأمريكية للأطراف الإندونيسية بحل مناسب للازمة السياسية التي تشهدها إندونيسيا، باعتبارها تؤدي إلى تحقيق المصالحة وحسن سير عمل المؤسسات. بالمقابل كان قد خسر في وقت مبكر من حكمه أعمدة المؤسسة العسكرية، فقد اعتبرت مجموعة من الباحثين والمتخصصين أن الصيحة الغاضبة التي أطلقها الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن واحد مبكراً، من منتجع دافوس في سويسرا في بداية تسلمه السلطة، والتي طالبت باستقالة وزير التنسيق للشئون العسكرية والأمنية وخمسة من الجنرالات، قد هزت الصورة السياسية الإندونيسية بعامة وهيبة المؤسسة العسكرية بخاصة. وقد أثارت جملة من التكهنات حول مستقبل النظام الإندونيسي برمته. خسائر متوالية ولعل جملة القرارات المتسرعة التي اتخذتها الحكومة في تحجيم دور الجيش الإندونيسي بذريعة الحفاظ على وحدة البلاد قد زاد الأمور تعقيداً وأسس لحركات انفصالية جديدة مدعمة من دول الجوار الجغرافي والمدعوم دولياً بشكل عام. وان بعض الذرائع التي اتخذتها بعض الدول المجاورة والولايات المتحدة واستراليا تحديداً في المطالبة بتحجيم بعض الجنرالات في وقت مضى انطلاقاً من مبدأ تبعية العسكريين للسلطة المدنِية التي تشكل أحد أسس الديمقراطية، قد زاد الطين بلة، وأضعف من ولاء الجيش الإندونيسي لسلطة واحد. مما اضطر الجنرالات للتفكير جدياً ببناء شراكة أو تحالف إذا جاز التعبير مع الاتجاهات القومية، والتي تعتبر ميجاواتي وأمين ريس من أبرز قادته. بالإضافة إلى أنه خسر حزب جولكار، حزب الرئيس السابق سوهارتو، الذي اعتبر أن ما تعيشه البلاد من مستويات معيشية متدهورة وفقدان الثقة بالمؤسسات المالية وفقدان قيمتها وارتفاع نسبة البطالة، ناتجة عن السياسات الانفعالية التي يمارسها الرئيس واحد وتحالفه. أي أنه خسر حتى هذا الحزب الذي لا تزال تربطه به، علاقة مبطنة أكبر من العلاقات التي تربطه «بالحزب الديمقراطي الإندونيسي - النضال» بقيادة ميجاواتي، انطلاقاً من تقارب الرؤى السياسية فيما بينهما والإرث التاريخي الذي كان يربط الرئيس واحد بالرئيس سوهارتو نفسه، رغم ما أبداه من معارضة لنظام سوهارتو في أخر عهده. دون أن نغفل خسارة واحد منذ بداية عهده الرئاسي، للمجموعات الإسلامية الأصولية، بسبب رفضه إقامة نظام إسلامي في البلاد، وزاد من هذه العداوة علاقته ببيريز وزير خارجية اسرائيل، وتبنيه لمشاريع العولمة المطروحة، ضارباً عرض الحائط كل الاتجاهات السياسية وما تحمله من خلفيات أيديولوجية. وانطلاقاً من هذه الخارطة السياسية والحزبية، يمكننا القول أن، إقالة الرئيس واحد جاءت تحصيل حاصل لجملة المواقف الحزبية الرافضة لسياسته التسويفية، ليعود مرة أخرى إلى صفوف المعارضة، داخل البرلمان الإندونيسي، هذا إذا بقيت دورة البرلمان على ما هي عليه دون تقديم الانتخابات، بعد إعلان الرئيسة الجديدة حل الحكومة. ومن نافلة القول أن مراهنات واحد القانونية، التي تؤكد على ضرورة حصول مجلس ممثلي الشعب، على موافقة «المجلس الاستشاري» (مجلس الشيوخ)،الذي يتألف من 1000 عضو، لعقد جلسة خاصة للتصويت على عزل الرئيس، قد باءت هي الأخرى بالفشل الذريع، خاصة بعد أن تخطى البرلمان بعض المفاهيم الدستورية، والتي وقعت جميعها في حيز العرف وليس القانون، وأن قرار البرلمان غير خاضع للطعن، و أن إنكار واحد للاتهامات السابقة التي كانت قد وجهت إليه، لم يعد ذا قيمة، بعد أن اعتبره أمين ريس مواطناً عادياً لا يمتلك أية حصانة وأن إخراجه من القصر قضية تتعلق بالشرطة والجيش. الرضوخ للمحاسبة وعلى ما يبدو أن الرئيس واحد قد أخطأ عندما تصور بأنه يعي محددات الدستور، ويعرف تماماً كيف يستخدمه لمصلحته الشخصية، كأوراق ضغط إضافية لمواجهة مناوئيه، وأن يافطة إعلان حالة الطوارئ في البلاد، والتهديد الدائم بها، قد ذهبت أدراج الرياح، دون أن يسقط بطبيعة الحال من حساباته في مواجهة خصومه، رغم عزله، كتلته الشعبية التي تقدر بـ 40 مليون نسمة وتنضوي تحت لواء أكبر جمعية عالمية بإسم «جمعية نهضة العلماء» التي أسسها جده منذ أكثر من أربعة عقود، والمعبر عنها سياسياً بحزب الصحوة. ومن نافلة القول أن شهر العسل الثلاثي الذي جمع أمين ريس المنافس الإسلامي الأبرز لواحد، وميجاواتي والرئيس واحد، قد دخل في حيز النسيان، وأصبح جزءاً من ذكريات الماضي السياسي الإندونيسي، بعدما تم عزله من قمة الهرم السياسي الإندونيسي. لكن بصرف النظر عن التفاصيل، ثمة سؤال يدفع نفسه للواجهة بقوة الأشياء الإندونيسية، هل حقاً أن واحد في وضع يؤهله امتشاق سيفه الثلم، ليقود به معركته الأخيرة، التي تتمثل في كنس أمتعته من قصر الرئاسة؟ الواقع أن واحد بعد هذه الخسارة الكبرى، وافتقاده إلى حزمة من الأسلحة التي كان يملكها، أصبح على ما يبدو يعي أن كتلته البشرية المجردة من السلاح لا يمكنها أن تفرض وقائع جديدة على الأرض. وأن المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها شوارع العاصمة جاكرتا لبضعة آلاف من مناصريه في لحظة عزله، ستنتهي مع عامل الوقت ليس إلا، وسيصبح بعدها الرئيس واحد في ذمة التاريخ الإندونيسي، باعتباره أول رئيس منتخب بشكل ديمقراطي، وأول رئيس معزول على ذات الأسس الديمقراطية. وسيعود مرة أخرى الجيش ليتنفس الصعداء، ويعيد مكانته بعد أن تثلمت في عهد الرئيس واحد، لكن هذه المرة بالتراضي مع تحالف ميجاواتي القومية الديمقراطية وأمين ريس الإسلامي الوسطي. دون التقليل من أن الوضع الإندونيسي برمته مرجل يغلي، قد يلفظ الكثيرين من فوهته، إذا ما حاولوا اللعب خارجه، بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، ليس لها ما يبررها. وعلى ما يبدو أن واحد لن يغرد خارج هذه المحددات، وبالنهاية سيرضخ للمحاسبة المخففة بعض الشيء، من خلال وساطات من خلف الستارة قد تتم من هذا الطرف الدولي أو ذاك. بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني