مكمن الخطورة فيما يحدث في اندونيسيا ليس في التنازع على السلطة بقدر التداعيات المترتبة على تصعيد الصراع السياسي في اتجاه تغذية النعرات الطائفية والعرقية ومن ثم مخاطر تفتيت الكيان السياسي لهذه الدولة. ولذلك لا أجد مبررا موضوعيا للرأي القائل إن أحداث إندونيسيا شأن داخلي ليس له علاقة بمصالح الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى بما فيها العالمين العربي والإسلامي. فمن الثابت تاريخيا أن مصلحة العرب والمسلمين مرتبطة بحالة الاستقرار في المنظومة العربية والإسلامية ولا أعتقد أن أي باحث أو مراقب يمكن له أن يتناول هذه الحالة بمعزل عن اندونيسيا. أهمية اندونيسيا في الواقع هناك مجموعة من الحقائق تشكل ثوابت أربعة تعكس أهمية اندونيسيا بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي التي هي بالأساس جزء مهم من النسيج الإسلامي منذ أكثر من سبعة قرون. أولا: اندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان فحسب، آخر تعداد يبلغ عدد سكانها(225) مليون نسمة أي أنهم يتجاوزون عدد سكان كل الدول العربية مجتمعة. ثانيا: تكون اندونيسيا جغرافيا أرخبيلا من الجزر يصل عددها إلى أكثر من (13 ألف وسبعمائة جزيرة) وتبلغ مساحتها إجمالا (مليون وسبعمئة ألف كيلو متر مربع). ثالثا: استراتيجيا تتحكم اندونيسيا في مدخلي المحيطين الهادي والهندي اللذين أكدت الدراسات السياسية الحديثة أنهما يكونان المركزين الرئيسيين لما يمكن تسميته بصياغة العالم الجديد. رابعا: تاريخيا لعبت اندونيسيا دورا مهما منذ استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية عن الاستعمار الهولندي في تأسيس حركة عدم الانحياز من الدول المستقلة في العالم الثالث وفي دعم حركات التحرر الوطني من أجل الاستقلال في العالم كله وبصفة خاصة في العالم العربي. ويذكر أنه قد عقد في عام 1955 مؤتمر باندونج باندونيسيا الذي أرسى سياسة الحياد الإيجابي لضبط حركة الدول النامية في الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية آنذاك!! ومن منطلق ما تقدم يصبح اتخاذ موقف من عدم الاهتمام واللامبالاة - عربيا أو إسلاميا- من المخاطر التي قد تترتب على أزمة الحكم في اندونيسيا أمرا لا يتسق مع المصالح العليا للعرب والمسلمين. وفي اعتقادي أن ما تشهده اندونيسيا من صراع على السلطة ليس سوى مؤشر واضح لمخطط تحاك خيوطه في الظلام لتفكيك أكبر دولة إسلامية في العالم في إطار الحملة المعادية للإسلام فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد! والذي يعنينا في هذا الخصوص أن ثمة علاقة بين هذا المخطط والمشروع الصهيوني الذي يسعى إلى منع قيام أية قوة عربية أو إسلامية - سياسية أو اقتصادية - وهو التوجه الذي يتفق - فيما أرى - مع خشية الغرب من المد الإسلامي المتنامي في الجزر الأندونيسية التي تسكنها أغلبية مسلمة تصل إلى (%90) منهم (%60) يقطنون جزيرة جاوه وحدها. بعبارة أخرى أن ما يحدث في اندونيسيا يستهدف توجيه ضربة قاصمة للوحدة الإسلامية! التفتيت السياسي ونلاحظ أيضا أن المد الإسلامي في اندونيسيا قد تواكب معه تطور اقتصادي وصل مداه في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وهو الأمر الذي جعل من الاقتصاد الأندونيسي واحدا من أقوى الاقتصادات في منطقة جنوب شرق آسيا ورشح اندونيسيا بقوة لدخول ما يعرف بنادي النمور الآسيوية! وهذا التطور بالطبع قد مثل قلقا متناميا عند القوى الكبرى في العالم فنجد أنه في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين، قد شكل اقتصاد المنطقة خطرا ومنافسة للدول الغنية سياسيا واقتصاديا خاصة بعد أن شكلت اندونيسيا مع ماليزيا حركة القيادة في منظمة دول جنوب شرق آسيا المعروفة اختصارا باسم (الآسيان) واصبح نشاط هذه المنظمة التي أنشئت عام 1997 تحد للقوى الاقتصادية العظمى في العالم ولاسيما الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي ويكفي الإشارة هنا إلى أنه في عام 1996 بلغ حجم التبادل التجاري بين دول (الآسيان) مع مختلف دول العالم نحو (1.4 تريليون دولار). والغريب أن عام 96 هو العام السابق لوقوع أزمة النمور الآسيوية التي عصفت باقتصاد دول منطقة جنوب شرق آسيا. فهل جاء ذلك بمحض الصدفة؟لا أعتقد لأن نمو عمالقة جدد ينتمون للعالم الإسلامي في مواجهة الدول الصناعية الكبرى الثماني كان لابد أن يقابل بعمل ما يؤدي إلى وقف هذا النمو ويحجم هذه الدول ومن بينها اندونيسيا!! ومما يلفت الانتباه ذلك السيناريو الذي بدأ باشتعال الموقف في تيمور الشرقية وخمدت نيرانه بتدخل (دولي) وتفجرت في أعقابه صراعات عرقية وطائفية مماثلة في الجزر الأندونيسية بدءا بإقليم أتشيه وجزر الملوك وبالي وإيريان في جزر البهار وصولا إلى شرق جزيرة جاوة حتى طالت نيران الطائفية العاصمة جاكرتا. إذن الأمر من خلال قراءة تسلسل الأحداث أكبر من مجرد صراع على السلطة السياسية بين واحد وميجاواتي سوكارنو والمجلس التشريعي (البرلمان)، لأن دولة بها أكثر من 300 عرق وطائفة) يتحدثون (570 لغة ولهجة) يصبح من السهل إشعال نار الفتن فيها خاصة إذا توافرت الظروف المواتية المساعدة في مقدمتها الفساد المالي والإداري. التحرك العربي والإسلامي إذا اتفقنا على أن ما يحدث في اندونيسيا ليس في مصلحة الامتين العربية والإسلامية فإنه يبرز تساؤلا: أليس بالأحرى بالمسلمين والعرب التحرك على نحو ما للمساعدة في حماية الدولة الإسلامية الكبرى من مخاطر التفتيت وقبل أن تأكلها نيران الصراع الطائفي؟ لابد أن نقرر حقيقة وهي أن الاهتمام الإسلامي والعربي بالشأن الأندونيسي هو من صميم الحفاظ على كيان الأمة الإسلامية. فقد انتشر الإسلام في اندونيسيا في القرن الثالث عشر الميلادي مع نمو حركة التجارة بين جزرها وشبه الجزيرة العربية. ولم يستطع الاستعماران البرتغالي ثم الهولندي بعد ذلك أن يخرجا اندونيسيا عن طوقها الإسلامي لتصبح واحدة من أكبر وأقوى الدول الإسلامية. وتمتلك اندونيسيا ثروات كبيرة من المعادن يأتي في مقدمتها البترول والغاز الطبيعي واليورانيوم!! ولديها مخزون هائل من الحبوب والتوابل فضلا عن أنها تمتلك أطول شواطئ العالم مما يؤهلها لتكون أغنى الدول بالثروة السمكية، أضف إلى ذلك أن لدى اندونيسيا أكبر احتياطي عالمي من الغابات الطبيعية التي تغذي صناعة الأخشاب. وعليه فإن اندونيسيا بذلك مؤهله لتكون دولة قادرة اقتصاديا ومستقرة سياسيا. فالقدرة الاقتصادية مرتبطة بمواردها والاستقرار السياسي مرتبط باندماجها في إطار وحدة العالم الإسلامي. أن هذا الاتجاه يأتي متسقا مع فكرة الكيانات الكبرى في عالم اليوم ومن هنا لابد أن يأتي التحرك العربي والإسلامي لمساندة الشعب الأندونيسي على عبور محنته الحالية من منطلق الحرص العربي والإسلامي على وحدة التكامل السياسي والاقتصادي للامتين العربية والإسلامية. أما مسألة السلطة السياسية فهو أمر منوط بتمسك الشعب الأندونيسي بالاختيار الديمقراطي لأنه المسار الأمثل لضبط إيقاع الممارسة السياسية في اتجاه الحفاظ على الوحدة الوطنية ونبذ الصراعات العرقية. كما أن تفعيل العلاقة بين اندونيسيا وبقية العالم الإسلامي أمر مهم لأنه بدون ذلك سيصبح الحفاظ على الاستقرار في مهب الريح، وهذا التفعيل لن يتأتى إلا بجهد واضح من منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية لدورهما في خلق ما يمكن تسميته (بالإرادة الجماعية) للأمتين العربية والإسلامية. ولاشك أن هناك اتفاقا على أن هذه الإرادة الجماعية قادرة على حماية كل من ينتمون إلى الإسلام والعروبة من الخطر القادم الذي ينمي محاصرة النمو الاقتصادي ويعصف بالاستقرار السياسي في الدول العربية والإسلامية التي تريد اللحاق بركب الكيانات الكبرى! إن المواقف العربية والإسلامية الرافضة لحالة (اللامبالاة) ممثلة في الدول الكبرى الفاعلة في النظام العربي والإسلامي والمنظمتين المعنيتين بشئون العرب والمسلمين.. يمكن أن تترجم إلى وساطة أوساطات إيجابية تساعد بشكل أو بآخر على وقف حالة الاندفاع نحو هاوية التفتيت العرقي في اندونيسيا وتكشف محاولات التآمر على مصير ومستقبل الأمة!! بقلم: إبراهيم الصياد ـ كاتب مصري