بعد أكثر من نصف قرن من استقلال إندونيسيا في أغسطس عام 1949، تتعرض هذه الدولة الإسلامية الكبرى التي تشكل أكبر أرخبيل في العالم لمشاكل سياسية واقتصادية بالغة الخطر منها صعوبات إصلاح الجهاز المصرفي تحت إشراف صندوق النقد الدولي، وصعوبات التحول الديمقراطي بعد عقود عدة من الديكتاتورية، وتفشي الفساد والمحسوبية في قطاع الأعمال الذي يسيطر الصينيون على جانب كبير منه، ثم انتهاك الشرطة لحقوق الإنسان، والأخطر من ذلك تنامي الحركات الانفصالية التي تسعى للحكم الذاتي أو الاستقلال في أقاليم مثل أتشيه أو ايريان جايا مثلما استقلت تيمور الشرقية بدعم غربي مباشر لتوجهها الانفصالي وحركة التمرد التي اشتعلت في أواخر التسعينيات من القرن الماضي. وإندونيسيا غنية بمواردها الطبيعية من بترول وغاز طبيعي، وقصدير، ونيكل، وبوكسيت، ونحاس، وفحم، وذهب، وفضة، وتنتشر في جزرها التربة الخصبة التي تغطي 10% من مساحة الدولة التي تناهز 1.92 مليون كيلومتر مربع. وقد وصل تعداد سكان إندونيسيا في يوليو 2000 إلى زهاء 225 مليون نسمة وتصل نسبة المسلمين بينهم إلى 88% والمسيحيين إلى8% تقريبا. جذور الازمة وتزامنت ذروة المحنة الاقتصادية في إندونيسيا مع نهاية عهد الرئيس سوهارتو الذي حكم بلاده سنوات طويلة بأسلوب ديكتاتوري مطلق استمر حتى تولى الرئيس يوسف حبيبي السلطة في جاكارتا في ربيع 1998 لفترة انتقالية امتدت حتى خريف 1999، والأخطر من ذلك أن التكامل الإقليمي لأراضي إندونيسيا ووحدة ترابها الوطني، والهيبة العسكرية لقواتها المسلحة قد اهتزت بانفصال تيمور الشرقية، وتتعرض للتهديد اليوم بسبب مطالبة ماليزيا بجزيرتين أخرتين من جزر الأرخبيل الإندونيسي هما سيبادان وليجيتان، كما أن هناك مطالب إقليمية في إندونيسيا ذاتها بكيان خاص أسوة بإقليم ايستماوا، وبخاصة في جاوا. والدور الأمريكي واضح في انفصال تيمور الشرقية واستغلالها في تسهيلات عسكرية متنوعة، كما تطمع واشنطن في الحصول على قواعد عسكرية في جزر الأرخبيل الإندونيسي لممارسة استعراض القوة الأمريكي والضغط العسكري في بحر الصين الجنوبي. ومن جهة أخرى لا يمكن فصل أزمات إندونيسيا في الأمس واليوم عن مخططات ومخاطر البلقنة والتفتيت التي تتعرض لها حاليا الدول المحورية أو الرئيسية في العالم الإسلامي مثل إندونيسيا والعراق ولبنان والسودان والجزائر والصومال التاريخي والبوسنة والهرسك، وألبانيا التاريخية. وانتخب عبد الرحمن واحد رئيسا لإندونيسيا في 20 أكتوبر 1999 بأغلبية صغيرة لم تتجاوز 373 صوتا من بين أصوات مجلس شورى الشعب الذي يضم سبعمائة عضو في حين حصلت نائبته ميجاواتي سوكارنو على 313 صوتا. ومنذ البداية لم يتعاون واحد وميجاواتي في أمور الحكم، واختلفا في معالجة مشاكل حركات الانفصال والأحداث الطائفية، وبشأن دور القوات المسلحة في النظام السياسي الذي لا يقتصر على مجرد تمثيلها بعدد 38 عضواً في البرلمان، وكانت خريطة القوى السياسية التي أسفرت عنها الانتخابات النيابية في أكتوبر 1999 عاملاً مساعدا على الخلاف بين الأحزاب وانعكاساته الخطيرة على عدم استقرار الحكم. وقد اصطدم واحد بأمين ريس الذي يتولى رئاسة مجلس شورى الشعب ويعتبر أهم قادة التيار الإسلامي في إندونيسيا وزعيم الجمعية المحمدية. وارتبط الخلاف بين الرجلين بعجز واحد عن مقاومة النزعات الانفصالية في أقاليم أتشيه، وايريان جايا، وبورنيو، إلى جانب تردد الرئيس واحد في توسيع نطاق الحريات العامة في النظام السياسي، وإحجامه عن مطاردة الفساد في القطاعين الاقتصادي والاجتماعي. وبدأ واحد يفقد رصيده الشعبي واحترامه كرجل الدولة الأول عندما رفض إبراء ذمته المالية، وسارع إلى إقالة وزير العدل يسريل ماهندرا، ووزير الأمن سوسيلو بامبانج، والنائب العام مرزوقي دارعثمان، ثم رئيس الشرطة سورويو بيمانتورو، بعد إصدار مذكرتي التوبيخ والإنذار اللتين وجههما إليه البرلمان في شهري فبراير وأبريل الماضيين، وأشارتا إلى تورطه في اثنتين من قضايا الفساد تم فيهما اختلاس 4.1 ملايين دولار من المال العام، إلى جانب التربح بقبول منحة سرا من سلطان بروناي بلغت قيمتها نحو مليوني دولار، إلى جانب تدني كفاءته في إصلاح الجهازين الإداري والحكومي في الدولة. تفكك التحالفات وقد حاول واحد استخدام قوى الشارع بتحريك مظاهرات مؤيدة له من ناحية، ثم التهديد بإعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان، وإجراء انتخابات مبكرة من ناحية أخرى، كما ناور واحد بقبول زيادة صلاحيات وسلطة نائبته ميجاواتي سوكارنو من حيث المبدأ، وحاول توسيط وزير اقتصاده برهان الدين عبد الله للبحث عن حل وسط. وأسهمت ميجاواتي سوكارنو في إضعاف موقف واحد بتأييدها مساءلته أمام مجلس شورى الشعب، ومعارضتها تمسكه بولايته الدستورية حتى عام 2004 بغض النظر عن احتمال إدانته بالفساد والإدارة بواسطة ذلك المجلس، وأعلنت استعداها لتولي المسئولية حتى نهاية مدة ولاية واحد، واعتبرت ميجاواتي أن ما يدعيه واحد من عدم شرعية اجتماع مجلس شورى الشعب يوم 23 يوليو الجاري هو تهرب من المسئولية أمام ممثلي الشعب، ومراوغة سياسية غير مقبولة، ومحاولة لكسب الوقت لاستخدام الشرطة والجيش في دعم سلطته، وبخاصة مع بدء تمركز 42 ألف جندي من قواتهما في العاصمة في غضون الأسبوع الماضي، مع حصار مقر مجلس شورى الشعب بأكثر من خمسة آلاف جندي. ولم تقتصر خطورة المشكلة على الصراع الشخصي بين الرئيس السابق ونائبته ميجاواتي صاحبة الطموح السياسي الفريد، بل هي في جوهرها تفكك التحالف بين التيارين الإسلامي والليبرالي وتنامي خلافاتهما في إندونيسيا، وهي مسألة متكررة في أكثر من دولة إسلامية، وسبق أن عانت منها مصر في عهد الرئيس محمد أنور السادات خلال سبعينيات القرن الماضي، وتتكرر اليوم بصورة حادة في السودان، وتأخذ صورة الصراع بين المحافظين والمعتدلين أو الإصلاحيين في إيران. وتحرص الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على تغذية الخلاف وإيجاد التناقضات بين القوى الإسلامية والليبرالية في الدول المحورية في العالم الإسلامي المؤثرة على المصالح الحيوية الأمريكية، وبخاصة في ضوء الفكر السائد في أمريكا بشأن اعتبار ما يسمى بالإسلام السياسي خطرا مباشرا على مصالح الغرب وهيمنته على النظام الدولي في فترة تحوله الحالية إلى عالم جديد تسوده مفاهيم العولمة، واختراق الثقافة الغربية لقيم الحضارات البشرية المعاصرة. كذلك، فإن ما يدعيه صمويل هنتينجتون، فيلسوف العصر الأمريكي، من أن تحالف بعض الدول الإسلامية مع الصين يمثل التهديد القادم لأمن الولايات المتحدة بعد عقد واحد أو عقدين على الأكثر من السنين، يجعل واشنطن حريصة في تخطيطها وضغوطها الاقتصادية والعسكرية على ضرب التحالف الإسلامي الليبرالي بين القوى السياسية الإندونيسية، ومحاولة تقليص العلاقات السياسية والاقتصادية بين جاكارتا وبكين. ويبقى أن نشير إلى أن واحد قد مضى خطوات بعيدة في طريق التطبيع السياسي والاقتصادي مع إسرائيل، وقلل من حجم الدعم الذي كانت تقدمه جاكارتا للسلطة الفلسطينية وهو أمر بدا واضحا في سلبية عبد الرحمن واحد إزاء الانتفاضة الفلسطينية الثانية. كان طبيعيا أن يصدر مجلس شورى الشعب قراره بعزل واحد بأغلبية ساحقة بتهم الفساد وسوء الإدارة وانتهاك الدستور، وبخاصة بعد أن أصدر مرسوما بتجميد البرلمان قبل اجتماعه يوم 23 يوليو الجاري مباشرة، وهو المرسوم الذي اعتبرته المحكمة العليا في إندونيسيا انتهاكا للدستور، كما طالبت واحد بالمثول أمام مجلس شورى الشعب للدفاع عن سياسته وتبرير مواقفه. ولم تستجب المؤسسة العسكرية الإندونيسية لدعوة واحد لها للتدخل دفاعا عنه وعن حكومته، وتركت مصيره لنواب الشعب، وبخاصة بعد قراره المتعجل والانفعالي بتجميد البرلمان، وبدء بعض حوادث التخريب التي تهدد الوحدة الوطنية وتشعل الخلافات الطائفية. ولم يستجب عبد الرحمن واحد بسرعة لقرار تنحيته وتولى ميجاواتي سوكارنو الرئاسة لفترة انتقالية أخرى تمتد ثلاث سنوات حتى عام 2004، بعد أن أعلن حالة الطوارئ محاولا استغلال سلطته كحاكم عسكري في ظلها. ويرتبط موقف القوات المسلحة من عبد الرحمن واحد بقرار الأميرال ويدودو اديسو سيبتو قائد الجيش بشأن حماية الدستور واستقرار الوطن، وحرصه على منع تفجر الصدامات العنيفة بين أنصار واحد ومعارضيه. وقد بدأ قائد الجيش يعبر عن اقتناعه بأن تنحية واحد تتم عبر مسار دستوري مما يعتبر ترسيخا للتجربة الديمقراطية في إندونيسيا، وبأن من الضروري أن تتم خطوات إقصائه متدرجة بداية من قرار الخلع، وتولي نائبته رئاسة الجمهورية حتى نهاية مدة ولايته عام 2004، وتجنب تصفية الحسابات بين القوى السياسية والمسئولين بعد هذا التغيير السياسي الخطير الذي كانت تترقبه القوى الدولية والإقليمية. وإذا كانت دول جنوب شرقي آسيا تعتبر أزمة الحكم في إندونيسيا شأنا داخليا، وترجو حله في إطار من الشرعية الدستورية يحفظ لإندونيسيا أمنها ووحدتها الوطنية، ولا يؤثر على الاستقرار الحالي في هذه المنطقة من العالم، فإن الولايات المتحدة لا تزال مترددة بين التأييد الصريح لانتقال السلطة إلى ميجاواتي سوكارنو في السنوات الثلاث المقبلة، وبين تشجيع المؤسسة العسكرية على تقديم أحد قادتها في وقت قريب ليتولى زمام السلطة في إندونيسيا بصورة أو بأخرى تنسق مع مجلس شورى الشعب لضمان الاستقرار الداخلي في إندونيسيا من ناحية أخرى، وتوثيق علاقاتها بالولايات المتحدة من جهة أخرى. ومن الواضح أن المستقبل القريب سوف يشهد صراعا سياسيا بين الأحزاب في إندونيسيا، ومزيدا من مطالبة الشعب باكتمال حرياته وتطوير الدستور المطبق منذ أكثر من أربعين عاما وعبر عصور من الحكم الشمولي أو الديكتاتوري لم تنته سوى من بضع سنوات تقل عن أصابع اليد الواحدة. ونرجو مخلصين أن تقف القوات المسلحة الإندونيسية في صف التطور الديمقراطي في بلادها دون وصاية على الشعب صاحب القرار الأول والأخير في مستقبل وحاضر بلاده. بقلم: اللواء أ.ح/صلاح الدين سليم محمد ـ الأستاذ الـزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا