لم يفاجئ قرار مجلس الشعب الاستشاري في اندونيسيا باقالة الرئيس الاندونيسي عبدالرحمن واحد احدا من متابعي الشأن الاندونيسي ولا حتى واحد نفسه، اذ ان كل المؤشرات التي سبقت اتخاذ المجلس لهذا القرار كانت تشير بقوة الى تراجع شعبية الرئيس، الذي نظر اليه الكثيرون في بداية عهده على انه خشبة الخلاص التي يتوق اليها الاندونيسيون بعد الزلزال العنيف الذي هز الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد والذي تجلى بأوضح صوره في الغليان الشعبي الذي شهدته اندونيسيا في اواخر عهد الرئيس الاسبق سوهارتو الذي سقط في عام 1998 جارا بذيوله فضائح مالية كبيرة رأى فيها البعض سببا من اسباب التردي الاقتصادي والسياسي الذي غرقت فيه البلاد. ولان اندونيسيا معروفة بأنها صاحبة الارقام الضخمة حيث انها تعد اضخم دولة ارخبيلية في العالم ورابع دولة من حيث عدد السكان الذي يقارب 227 مليون نسمة، فقد قتل في عمليات القمع التي رافقت وجاءت بعد انقلاب سوهارتو ما يقارب النصف مليون شخص وذلك حسب الروايات الرسمية آنذاك. ولان اندونيسيا كما قلنا صاحبة الارقام الضخمة فقد كان من الطبيعي ان يحمل سوهارتو الذي ارغم على الاستقالة اثر تظاهرات شعبية عارمة ثروة في جيوبه تزيد على الاربعين مليار دولار هي حصيلة «خدماته» التي قدمها لبلاده على مدى اكثر من عقدين من الزمن. وبعد سقوط سوهارتو دخلت اندونيسيا في دوامة من العنف والفوضى، ليس بسبب غياب فضائل هذا الاخير بالتأكيد، ولكن لأن البلاد كانت مهيأة اكثر من اي وقت مضى لمثل هذا الزلزال الذي ساعدت في وقوعه عوامل كثيرة ابرزها التخلف السياسي وتدخلات بعض القوى الخارجية التي اقلقتها حركة النمور الاسيوية والحضور الذي حققته هذه النمور في العالم. وهكذا وجدت اندونيسيا نفسها بين ليلة وضحاها ضحية مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية كثيرة تجلت انعكاساتها في انفجار صراعات عرقية واثنية كان الوضع في اقليم تيمور الشرقية اكثرها حضورا. واذا ما توقفنا قليلا عند الجانب الاقتصادي نرى ان الاقتصاد الاندونيسي تضرر بشكل كبير جراء الازمة التي شهدتها آسيا عام 1997، حيث تشير الاحصائيات الى ان اندونيسيا شهدت زيادة ملحوظة في نسبة البطالة اذ قدر عدد العاطلين عن العمل حتى ابريل من العام الجاري اكثر من 35 مليون عاطل عن العمل. وهذا الرقم يساوي تقريبا ربع اليد العاملة في هذا البلد كما لوحظ تراجع في معدل النمو ولا سيما في عام 1998، بينما بلغ حجم الديون المترتبة على اندونيسيا حتى عام 1999 نحو 150 مليار دولار اي ما يوازي 80% من اجمالي الناتج المحلي. وأدى هذا التراجع في الاقتصاد الاندونيسي الى ارباك عجلة التطور في البلاد من جهة، والى زيادة الازمات الاجتماعية المختلفة وظهور تشقق سياسي خطير في الساحة الاندونيسية انعكس على شكل اضطرابات سياسية للاقتصاد من دور اساسي في ثوان المجتمعات واستقرارها. وساهم هذا الواقع المرير ايضا في ايجاد حالة من التخبط السياسي زادها حدة ظهور تحركات انفصالية في اكثر من اقليم، خاصة بعد الاحداث التي جرت في اقليم تيمور الشرقية والحال الذي آل اليه هذا الاقليم، وفشل الرئيس الاندونيسي السابق يوسف حبيبي في معالجة الازمات الاندونيسية المتلاحقة. وهكذا فإن الفترة التي سبقت انتخاب الرئيس عبدالرحمن واحد كانت في الواقع من اصعب الفترات التي مرت بها البلاد، ويمكن وصفها بأنها مهدت الطريق لواحد وهو مثقف ليبرالي كان يحظى باحترام الكثيرين لكي ينجح في الوصول الى سدة الحكم اثر تسوية سياسية كان الهدف منها انقاذ البلاد من كارثة محدقة. حسابات خاطئة ولكنه وعلى الرغم من المكانة والاحترام الذي كان يحظى بهما الرئيس واحد الا انه لم يفشل في فرض نفسه بقوة على الساحة فقط، وانما ارتكب سلسلة من الاخطاء في محاولاته مواجهة خصومه السياسيين الذين سخروا هذه الاخطاء ضده. ومن بين هذه الاخطاء التي ارتكبها واحد فتحه النار في اكثر من اتجاه ومبالغته في تقدير حجم القوة التي يتمتع بها والتي حاول اكثر من مرة تخويف خصومه بها بشكل مباشر او غير مباشر، كما حدث قبل اقالته بيوم واحد عندما اعلن انه لا يستطيع كبح جماح المؤيدين له اذا اقدم المجلس الاستثاري على مساءلته، وكأنه يهدد خصومه بشكل غير مباشر ممسكا بالعصا من الوسط وملوحا بامكانية فرض حالة الطوارئ وحل البرلمان. ولكن حسابات واحد هذه اثبتت الاحداث انها لم تكن دقيقة ابدا، اذ ان شيئا مما هدد به لم يحدث. فلا انصاره اقاموا الدنيا ولم يقعدوها ولا الجيش انصاع لأوامره في فرض حالة الطوارئ التي اقلقت لحظة الاعلان عنها، ليس القوى السياسية الاندونيسية المناوئة له فقط وانما قوى عالمية لها تأثيرها في اللعبة السياسية الاندونيسية. وهكذا انقلب سحر واحد عليه ليجد نفسه وحيدا في القصر الرئاسي الذي استمات في محاولاته البقاء فيه، ودائما كما هي العادة في دول العالم الثالث «من اجل الدفاع عن الوطن والحفاظ على سلامته وانطلاقا من روح المسئولية الوطنية»! بغض النظر عن الفشل الذي قد يحصل اثناء اداء هذه المسئولية او الفضائح المتعلقة بسوء استخدام السلطة. ويستطيع المراقب للشأن الاندونيسي ان يقول ان حصيلة حكم واحد لاندونيسيا خلال اكثر من عشرين شهرا كانت فاشلة، ولكنها تكون كارثية اذا ما صحت الاتهامات الموجهة اليه بالفساد، لانه عند ذلك يصح المثل القائل ان الاندونيسيين في ورطتهم مع رئيسهم الجديد كمن يستجير من الرمضاء بالنار. امتحان صعب ومهما كان الامر فإن قرار مجلس الشعب الاستشاري طوى في الواقع صفحة من صفحات الصراع على السلطة في هذا البلد، وادخل بعض الامل في نفوس الذين تخوفوا من فرض حالة الطوارئ وتداعياتها. كما انعكس هذا القرار وبشكل سريع على الاسواق الاندونيسية التي شهدت ارتفاعا للروبية الى اعلى مستوى لها منذ اربعة اشهر فيما صعدت سوق الاسهم بأكثر من 3%. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ماذا بعد واحد؟ وهل تستطيع نائبة الرئيس ميجاواتي سوكارنو يوتري التي طالما راهن عليها واحد لمساعدته في استيعاب كل القوى السياسية، ان تحقق للبلاد ما فشل في تحقيقه الرجال؟ خاصة وان ميجاواتي سوكارنو تتمتع بشعبية نادرة في صفوف الفقراء والعامة من الشعب وتحتفظ بعلاقات مناسبة مع الجيش الذي يلعب عادة الدور الحاسم في معظم دول العالم الثالث. زد على ذلك ان ميجاواتي تمتلك قوة معنوية باعتبارها ابنة مؤسس اندونيسيا الذي ينظر اليه الاندونيسيون باعتباره بطلا قوميا، ناهيك عن دورها في مناهضة نظام الرئيس السابق سوهارتو وما يعني ذلك بالنسبة للاندونيسيين. وخلاصة القول ان ميجاواتي سوكارنو التي تولت منصب الرئاسة في اندونيسيا رغم تمتعها بشعبية كبيرة للاسباب التي ذكرنا، الا انها لم تبرهن حتى الآن على مقدرتها السياسية في ادارة اللعبة السياسية وادارة شئون البلاد، وان الشهور القليلة المقبلة ستكون بالتأكيد فترة اختبار حقيقي لها، لا سيما فيما يتعلق بالوحدة الوطنية التي عزفت على وترها في الكثير من خطاباتها عندما اكدت اكثر من مرة ان اندونيسيا نالت استقلالها في عهد والدها «اي سوكارنو» الذي حمل راية الوحدة الوطنية وأنها «لن تسمح او تتسامح في تغيير ذلك ابدا». فهل تنجح ابنة مؤسس اندونيسيا في نقل بلادها الى شاطئ الامان؟ ام انها ستنضم الى قافلة الذين سبقوها في مسيرة الفشل التي ستقود اذا استمرت هذا البلد الاسلامي الكبير الى ما لا تحمد عقباه؟! بقلم: نبيل سالم ـ كاتب فلسطيني