أخيرا حسم الاندونيسيون أمرهم وعزلوا الرئيس عبدالرحمن واحد ونصبوا ـ عبر عملية ديمقراطية اتخذها البرلمان ـ ميجاواتي سوكارنو رئيسة جديدة للبلاد التي تعتبر أكبر دولة إسلامية ورابع دولة على المستوى العالمي، ليسدل الستار رسميا على أزمة كادت تشعل حروبا أهلية لولا وقوف الجيش والشرطة إلى جانب الشرعية الديمقراطية ورفض قرارات الرئيس بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة. ويبدو ان الرئيس المعزول لم يقرأ التطورات التي حصلت على مواقف حلفائه منذ تولى منصبه قبل واحد وعشرين شهرا، وظن ان تهديداته المستمرة، باشعال فتيل الحرب إذا ما حاسبه البرلمان وأدانه بعدم الكفاءة والفساد، سوف تؤدي إلى تراجع مجلس الشعب الاستشاري والأحزاب الفاعلة. وقد راهن واحد على موقف نائبته الرئيسية ميجاواتي، التي يتمتع حزبها بوجود رئيسي في البرلمان، حيث يعتبر أكبر الأحزاب، وقد كانت مترددة في حسم الموقف بسبب العلاقة التاريخية الحميمة بينها وبين واحد. إلا ان هذا الرهان كان خاسرا بالرغم من تأخر عملية التنفيذ التي استفاد منها واحد في تجييش مناصريه. بيد ان ميجاواتي وجدت الفرصة الذهبية حين تخلّى عن الرئيس جزء مهم من أعضاء حزبه والجيش والشرطة، وبالتالي جاءت الفرصة على طبق من ذهب إلى ابنة مؤسس اندونيسيا الحديثة لتصبح رئيسة البلاد بعد 21 شهرا من رفض البرلمان لها كونها امرأة! وبالرغم من تأييد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ودول رئيسية في آسيا، إلا ان اندونيسيا تدخل اليوم مرحلة جديدة من الحياة السياسية. صحيح ان عملية العزل للرئيس واحد وعملية التنصيب للرئيسة الجديدة ميجاواتي قد مرت بسلام وتحت حماية مباشرة وتأييد من الجيش الذي أرسل دباباته لمبنى البرلمان، إلا ان ذلك لا يمكن له أن يخفي الوضع المتردي الذي على الرئيسة ميجاواتي وحكومتها الجديدة مواجهته. فهذا الأرخبيل الذي يتشكل من أكثر من 1750 جزيرة ومقسم إلى 32 اقليما، يواجه اليوم ارهاصات الأزمة المالية التي عصفت بآسيا في النصف الثاني من العام 1997، حين أطاحت هذه الأزمة بعملات النمور وساقت الملايين إلى حافة الفقر والبطالة. فحسب العديد من الاحصائيات فان خمس سكان اندونيسيا يعيشون تحت خط الفقر، وان نسبة البطالة تصل إلى 25% ويبلغ عدد العاطلين قرابة 36 مليون عاطل، وهذا رقم كفيل بأن يقلب موازين القوى وان يشكل قنبلة موقوتة أمام أي توجهات تنموية مصاغة من المؤسسات الدولية الدائنة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، إذ يصل حجم الدين على اندونيسيا أكثر من 150 مليار دولار، وهذا يشكل نحو 80% من اجمالي الناتج المحلي، الأمر الذي يقود إلى استنتاج رئيسي مفاده ان الرئيسة الجديدة عليها التعاطي مع قنابل موقوتة موزعة بين الاقتصاد السيء الأداء وبين العلاقة بين الأحزاب والقوى الفاعلة، ناهيك عن الأقاليم التي تريد السير على طريق الانفصال على نمط تيمور الشرقية. باختصار، على ميجاواتي احداث رزمة من المعجزات كي تخرج اندونيسيا من الهاوية التي فيها. رضي الموسوي