في فبراير من العام 1998 زرت اندونيسيا وشاهدت آخر المسامير يدق في نعش الرئيس أحمد سوهارتو الذي ظل لأكثر من ثلاثين عاما واحدا من أعتى الأباطرة الجمهوريين في الشرق كله بل والعالم. وحينها عدت إلى صنعاء لأكتب سلسلة مقالات خلصت فيها إلى القول ان هذا الديكتاتور العجوز سيسقط قريبا جدا من دون أن يسنده تاريخه الطويل وجبروته في الحكم ولا جيشه الجرار أو مخابراته وبطانته واستثماراته. وبعد أربعة شهور فقط من ذلك التاريخ، هوى سوهارتو عن عرش أكبر دولة اسلامية ورابع أكبر دولة في العالم، ليصير أثرا بعد عين. ولأول مرة منذ استقلال اندونيسيا ـ في العام 1949 ـ يمارس شعب هذه البلاد انتخابا حرا ومباشرا لرئيس الجمهورية.. فقد جاء عبدالرحمن واحد إلى القصر الرئاسي في جاكرتا عبر بطاقة الاقتراع وبأمراض الشيخوخة التي من بينها ضعف البصر. غير ان شعبه كان يأمل في أن تعوض قوة بصيرته عن ذلك، فينجح في لمّ شتات الوطن والمواطن اللذين نخر في عضدهما سوس الحكم الفاسد لأكثر من ثلاثة عقود. ولكن يبدو ان بريق السلطة ـ في العالم الثالث ـ يطمس ما بقي من نور البصر ويحجب ما أمكن من شعاع البصيرة.. لا يفرق في ذلك بين جنرال في الجيش وفقيه في علوم الدين! واليوم، فان واحد يواجه المصير ذاته الذي لقيه سوهارتو، بعد أن طالته سلسلة من الفضائح المتعلقة بالفساد وسوء استغلال السلطة وفقدان الأهلية. واذا كان جيش سوهارتو عجز عن انقاذ كرسيه.. فان «قبائل» واحد ـ أو «ميليشياته» ـ لم تنجح في ابقائه على كرسي الرئاسة؟ لقد عجز الرئيس الكهل عن تطبيق قراره بفرض حالة الطوارئ وحل البرلمان، بعد أن رفض الجيش والشرطة الانصياع لأوامره. ويرى محللون ان واحد كان يخشى أن يتنازل عن السلطة كي لا يعد ذلك اعترافا ضمنيا ـ أو حتى صريحا ـ منه بصحة الاتهامات التي طالته، وكانت سببا مباشرا في مطالبة البرلمان وقوى سياسية نافذة في الشارع الاندونيسي بتخليه عن الحكم. ولكن.. هل يستمر عزل واحد من دون اراقة قطرة دم، أو بأقل حد من الخسائر البشرية والمادية؟ قد يكون هذا السؤال الوحيد الذي يكشف عن حالة القلق في اطار المشهد كله.. فالجماعات المؤيدة للرئيس مازالت تهدد بمقاومة عزلة إلى الحد الذي يفصح عن احتمال حدوث حالات عنف! عدا عن احتمال ـ قد يكون ضعيفا ـ بانفصال اقليم جاوة على غرار تيمور الشرقية. حسن عبدالوارث