شهدت فترة الأيام القليلة الماضية تسارعا في وتيرة الأحداث في أندونيسيا، وبعد أن كان البرلمان هناك يستعد للبدء في اجراءات مساءلة الرئيس، سارع واحد من جانبه باعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان ودعوة الجيش لتولي مسئولية حماية الدستور. التطورات السريعة والمتلاحقة اثارت مخاوف الكثيرين من أن يدخل هذا البلد الاسلامي في دوامة الانهيار والتفكك وخاصة مع مطالبة الكثير من الأقاليم الأندونيسية بالانفصال، كما طرحت العديد من التساؤلات حول سيناريوهات المستقبل، وحول حقيقة وجود دور للقوى الخارجية في الأوضاع الراهنة هناك، ومدى تأثر منطقتنا العربية بما يحدث في أندونيسيا وسر تمسك الرئيس واحد بالسلطة طوال الفترة الماضية رغم سنه وحالته الصحية وكثرة الانتقادات التي وجهت له. «الملف» طرح هذه التساؤلات على بعض الخبراء الاستراتيجيين المتخصصين، فكانت الحصيلة التالية.. بداية يرى أيمن السيد عبد الوهاب الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية انه بعد رفض المؤسسة العسكرية لتنفيذ قرار واحد بإعلان حالة الطوارئ وقيام البرلمان بتعيين ميجاواتي رئيسة للبلاد فإن المؤسسة العسكرية ستكون لها الكلمة العليا في تحديد مصير الأوضاع في أندونيسيا، وان إقدام واحد على هذه الخطوة يعني أنه قد ألقى بآخر أوراقه وبالتالي لم يعد أمامه الا التسليم بما يفرضه الواقع الجديد. قضايا ساخنة ويضيف أيمن عبد الوهاب: إن مسار الأحداث فرض رحيل واحد لأن الصيغة الإنتقالية التي أوصلته للحكم لم تعد صالحة في مواجهة الوضع الأندونيسي، سواء على صعيد الأزمة الاقتصادية التي لم تنفرج بعد أو على صعيد ما يتهدد الدولة من تفكك سواء من النزعات العرقية أو الإنفصالية أو من كافة أشكال العنف التي تشهدها، بالإضافة إلى عدم قدرته على إنجاح الصيغة الإئتلافية التي جمعته مع نائبته ميجاواتي وتيارها السياسي نتيجة تباين وجهات النظر حول العديد من القضايا الساخنة، وأيضا لطموح ميجاواتي في مقعد الحكم والذي كان سببا في عدم رغبتها في التورط في أي من الملفات والقضايا المتوترة محل الجدل على الساحة الأندونيسية ، كما لم يستطع واحد إجتذاب المؤسسة العسكرية لصالحه وظلت هذه المؤسسة بما تحمله من ثقل بعيدة عن أطراف اللعبة السياسية كنوع من (الحياد الإيجابي) بترجيح كفة أحد الأطراف على الطرف الآخر. هذه التحديات جميعها كانت في غير صالح الرئيس واحد وكانت معبرة عن صيغة المرحلة الإنتقالية التي أوصلته للحكم، وبالتالي كان الإهتزاز المفاجئ والسقوط السريع للرئيس خير تعبير عن هذه المرحلة الإنتقالية حيث لم ينجح في الخروج من هذه المرحلة منذ وصوله للحكم. وعن سر تمسك الرئيس واحد بالسلطة رغم سنه وحالته الصحية يقول أيمن عبد الوهاب: الصيغة الوسطية التي أوصلت واحد إلى الحكم زادت من طموحه السياسي وبالتالي كان تمكسه بالسلطة كبيرا. واحد لم يكن له حق في الوصول إلى الحكم حيث كان ترتيب حزبه في الإنتخابات الرابع بين الأحزاب الإندونيسية، ورغم أداءه الضعيف خلال الفترة الماضية وكثرة الإنتقادات التي وجهت إليه بأنه لا يختلف كثيرا عن الرئيس سوهارتو وأنه لم يستطع حتى الآن القضاء على أنصار سوهارتو، إلا أنه لم يلتفت إلى هذه الإنتقادات وظل متمسكا بالسلطة وعاشقا لها، بل عمل من جانبه على استخدام العديد من الوسائل للإستمرار. وحول رأيه في إستمرار وزيادة الاضرابات وعدم الاستقرار في أندونيسيا حتى بعد الإطاحة بسوهارتو واختيار الاسلوب الديمقراطي للحكم، يرى أيمن عبد الوهاب أن مجيئ واحد إلى السلطة لم يكن بالعملية السهلة ولم تكن الأرض ممهدة تماما تحت أقدامه، فمعروف أن طبيعة المرحلة الإنتقالية تتميز بشيء من عدم الاستقرار. وقد دعم التباين في وجهات النظر بين ميجاواتي وواحد هذه الحالة من عدم الاستقرار بأن أوجد مساحات كبيرة للخلاف ، ومن هنا وفي ظل الظروف الاقتصادية السيئة وفشل سياسة الإدارة الذاتية التي سعى واحد لترسيخها، حيث لم ترض طموحات الأقاليم وقطاعات كبيرة من الشعب الأندونيسي التي وجدت أن واحد لا يختلف كثيرا عن سوهارتو وانتقدوه لأنه لم يحاكم سوهارتو وهو مطلب شعبي ملح، كما سمح لإبنه بالهروب خارج البلاد رغم أنه محكوم عليه بالسجن، هذا كله دعا البرلمان إلى التشكيك في قدرته في إدارة الأمور في البلاد وأثار ضد حملة المعارضة ضد سياساته، ودخلت البلاد في حالة من الصراع وعدم الاستقرار بين أنصاره وهؤلاء المعارضين. العلاقة مع اسرائيل ويعتقد عبد الوهاب أن الدول العربية بعيدة بعض الشيء عما يجري في أندونيسيا ولا تتأثر أو تؤثر بشكل فعلي في الأحداث هنا، رغم ان أندونيسيا دولة إسلامية كبرى تتواجد معنا في بعض المنظمات والهيئات مثل منظمة المؤتمر الإسلامية ومجموعة الـ 77، أما الكلام عن تأثير عربي وما إلى ذلك فهو ليس مطروحا تماما، أما بالنسبة لمواقف أندونيسيا من الصراع العربي الصهيوني فالرئيس المعزول كان يسعى في إتجاه تدعيم العلاقات وخاصة التجارية مع إسرائيل وفي الوقت نفسه كان حريصا على تأكيد أهمية علاقاته مع الأطراف العربية. ولقد سببت توجهاته هذه والتي تدعو بزيادة التعاون مع إسرائيل إلى تزايد هجوم المعارضة الأندونيسية عليه. ولكن مع ذلك إذا جئنا لنائبته السابقة الرئيسة الجديدة ميجاواتي فهي الأخرى ليست بعيدة تماما عن توجهات واحد، وربما تكون أكثر إنفتاحا على إسرائيل وعلى الغرب والولايات المتحدة فهي تمثل التيار الليبرالي وهذا كان طرحها في الإنتخابات الأخيرة ومن هنا فهي تلقي دعمها من الغرب، وبعد حالة توليها للسلطة فالسيناريو الأقرب سيكون حرصها على الإنفتاح على الغرب وإسرائيل وخاصة أنه ليس لديها أي تحفظات على زيادة التعاون مع إسرائيل، ولكن لن يتم ذلك بصورة متصاعدة فهي تدرك أيضا أن العلاقات والمصالح مع المنطقة العربية من الأمور التي يجب أن تلقى إهتماما منها. ويشير إلى أن الفترة المقبلة لن تشهد حالات إنفصال للأقاليم مثلما حدث بالنسبة لإقليم تيمور ، فبالنسبة لموضوع تيمور كان هناك دعم خارجي كبير من جانب استراليا والبرتغال ولقد راهن الأقليم على تلك الأطراف في تحسين ظروف معيشة أبنائه ، ولكن الملاحظ حتى الآن أن هذا الإقليم مازال يعاني من صعوبات إقتصادية كبيرة، ولذلك فليس متوقعا حدوث حركات إنفصال وأن كان هذا لن يمنع من إستمرار بعض الإقاليم في إستخدام العنف والمطالبة بالإنفصال ولكنه سيظل أمرا مستبعدا طالما أن الجيش مسيطر على الأمور. منعطف خطير ومن جانبه يؤكد علاء سالم الباحث المتخصص بالشئون الآسيوية أن فترة ولاية واحد القصيرة وأن دشنت الحقبة الديمقراطية الجديدة، فإنها تميزت أيضاً بسلسلة متواصلة من التوتر السياسي ـ الاجتماعي بشكل غير مسبوق بسبب مظاهر التناحر الطائفي والعرقي، الذي بات يهدد الوحدة الجيو ـ سياسية للدولة. وقد رفع من وتيرة تلك الوضعية، تردي الحالة الصحية للرئيس، والذي تظهره دوماً وسائل الإعلام وهو نائم خلال جلسات البرلمان، وبات يوصف بـ «رجل آسيا المريض». وقد ساهم في ذلك محددان: أولهما، ظاهرة الفساد السياسي والمالي. فقد كان لإندونيسيا ميراث طويل من هذا الفساد تراكم خلال حقبة سوهارتو، حيث تلاشت ولحد كبير الحدود الفاصلة بين مؤسسات الدولة أو بينها وبين الرئيس وحاشيته. وإزاء هذا الميراث الطويل كان من الصعب توقع تجاوزه بسهولة، أو خلال فترة زمنية قصيرة. وأن قاد محددي الشفافية والمحاسبة السياسية خلال الحقبة الديمقراطية الحالية لتراجع كبير في ملامح وأبعاد تلك الظاهرة، فإنهما لم يقضيا بالكامل عليها. بدليل الإدانة القوية التي تعرض لها واحد مؤخراً من جراء تورطه في قضايا فساد واستغلال للنفوذ. وخطورة تلك القضية تأتي في كونها تزامنت مع اتهامات مباشرة له بسوء الإدارة، والدعوة لفرض رقابة على ممارسات الرئيس، وسط اتهامات بانتهاك الدستور. ويضيف: أما المحدد الثاني فهو تغيير التوزانات السياسية لغير صالح واحد، فالتحالف السياسي ـ الحزبي الذي أوصله للسلطة بأكتوبر 1999 رغم أن حزبه لم ينل سوي 10% من مقاعد البرلمان، بدأ يتفكك تدريجياً ويفقد وجوده المادي على أرضية معارضة سياساته وممارساته الداخلية. وتحديداً بعد تخلي حزب «التنمية المتحد» وهو من الأحزاب الإسلامية الكبرى عنه كما طالبت المنظمة المحمدية المنافس التقليدي لحزب واحدا بإقالته. كما أعلن أمين ريس رئيس مجلس الشعب الاستشاري.. «أن واحد فشل في الاضطلاع بالمهام التي أوكلها إليه المجلس عند انتخابه في أكتوبر الماضي، وأن عليه التنحي عن الرئاسة». ومن المعروف أن ريس هو مهندس لعبة التوازنات السياسية التي مكنت واحد من أن يصبح رئيساً علي حساب ميجاواتي. وتالياً تخلي الجيش عنه، بعدما كان يظهر الولاء السياسي له. ولكن أهم المحددات هنا هو انهيار ذلك الحاجز النفسي داخل المجتمع الإندونيسي الإسلامي، والخاص بتقبل فكرة رئاسة امرأة للدولة. وقد بدا ذلك واضحاً في الدعوات التي تزايدت في الفترة الأخيرة لتنصيب ميجاواتي رئيسة للدولة، بعد أن فقد واحد مؤهلات الزعامة، سواء على المستوي الصحي والشخصي، بالإضافة لفقدانه دعم وتأييد المؤسستين السياسية ـ الحزبية والعسكرية. ويحذر علاء سلام في حديثه من ان قيام أنصار الرئيس المعزول بنقل الصراع إلى الشارع قد يحدث انفلاتا أمنيا وسياسيا يستدعي تدخل الجيش الذي قد لا ينجح في حسم الصراع نهائيا، مما يحمل بذور ـ ليس القضاء على التجربة الديمقراطية فحسب ـ بل وأيضا المزيد من التفكك الجغرافي، وأخيرا حدوث انقلاب عسكري كمخرج من الأزمة، في تكرار مشابه لما حدث في بعض الدول، مما يشكل منعطفا خطيرا بالنسبة لاندونيسيا ومستقبلها السياسي. القاهرة ـ مكتب «البيان»: