وصلت دراما أزمة الرئاسة في إندونيسيا إحدى قممها الهامة، حيث أقال البرلمان الإندونيسي صباح الاثنين 23 يوليو 2001 الرئيس عبد الرحمن واحد بعد 21 شهراً فقط من توليه السلطة، كما قام البرلمان في الوقت نفسه باختيار ميجاواتي سوكارنو نائبة واحد وأبنة أول رئيس لإندونيسيا أحمد سوكارنو رئيسة للبلاد. ويبدو أن قرار البرلمان عزل واحد وانتخاب ميجاواتي قد جعل إندونيسيا كالكتاب المفتوح، حيث يطوي قرار 23 يوليو صفحة من الصراع المحتدم ليفتح صفحة جديدة، بيد أن الصفحة القديمة خذل فيها الجيش والشرطة والنواب الرئيس واحد، وتركوه وحيدا في تشبثه بالرئاسة وضربوا عرض الحائط بقراره بحل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ. فقد صوتت جمعية الشعب الاستشارية في مرحلة أولى على عزل عبد الرحمن واحد الذي انتخب من نفس الجمعية في أكتوبر 1999، ثم جرى تصويت ثان لتنصيب ميجاواتي ذات الـ 54 عاماً، والتي أدت اليمين الدستورية على الفور، ليعلنها أمين ريس رئيس الجمعية رئيسا خامسا لإندونيسيا. ولكي تزداد الأجواء توتراً وتأخذ الدراما مداها، تأخرت الجلسة البرلمانية ساعتين وخمس عشرة دقيقة، قيل أن سببها بعض تفاصيل البروتوكولات والمراسيم الخاصة بعمليات الإقصاء والتنصيب، ثم صوت أكثر من نصف المندوبين الحاضرين (955 نائبا من الحاضرين) ضد المرسوم الرئاسي الذي كان أطلقه واحد بحل البرلمان، بينهم ممثلو الجيش وعددهم 83 في جمعية الشعب الاستشارية كأعلى سلطة تشريعية في البلاد، وانضمت الشرطة الوطنية الإندونيسية إلي شرطة جاكارتا برفضها تطبيق مرسوم واحد حل البرلمان. وبعد تخلي الجيش والشرطة عن عبد الرحمن واحد ورفضهما تنفيذ أوامره خسر أيضا معاونيه المقربين وبينهم وزير الأمن أجوم جوميلار ورئيس مكتبه مرزوقي دار عثمان، وتحالفت ثماني مجموعات سياسية من بين الإحدى عشرة الممثلة في البرلمان ضد واحد، فهل يستطيع الرئيس المعزول أن يراهن علي أنصاره في جمعية «نهضة العلماء»؟، أم أنه يراهن على من يستمع إلى أقواله: أن إندونيسيا من دونه ستغرق في الفوضى؟ والتهديد بأن عزلة سيؤدي إلى اندلاع الاضطرابات، وتصريحه بأن ستة أقاليم على الأقل ستعلن انفصالها بعد رحيله؟! وفي الواقع فإن ما يهدد به عبد الرحمن واحد هو بالضبط ما لم يستطع القيام به، فلم تكن إندونيسيا بعيدة عن الفوضى أو اندلاع الاضطرابات أو تهديد عدة جزر بالانفصال، والأخطر من كل ذلك أن حكومة واحد لم تتقدم أبدا كحكومة مركزية قوية ذات مشروع قومي مركزي قادر على توحيد جزر الأرخبيل الإندونيسي، ولم تتقدم كقدوة قادرة على مواجهه الفساد الذي استشرى في النخبة الحاكمة على عهد سوهارتو، بل اتهمت بالفساد في شخص عبد الرحمن واحد نفسه، ولم تتقدم حكومة واحد كحكومة قادرة على حل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة منذ عام 1997، تلك التي كانت سببا إضافيا لانتفاضات الطلبة ضد سوهارتو وضد بحر الدين حبيبي، ثم ضد واحد مؤخرا، أي أن الأسباب التي أتت بعبد الرحمن واحد إلى مؤسسة الرئاسة هي نفسها التي عبأت الأجواء بكثير من الدخان وأشعلت العديد من الحرائق في وجهه. مشاكل إندونيسيا ومن الواضح أن مشاكل إندونيسيا أكبر من قدرات الرئيس المخلوع ونواياه الحسنة، وأكبر من أنصاره من جمعية نهضة العلماء ذات الطابع الديني، فإندونيسيا يقارب تعداد سكانها 220مليون نسمة، أي أكبر دولة إسلامية، ورابع أكبر دولة في العالم بعد الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية، لكن الأمر لا يقف عند ضخامة عدد السكان، بل يتعداه إلى واقع فسيفسائي نادر الوجود، فإندونيسيا الممتدة على مساحة 1.9مليون كم2، تتوزع إلى 13700 جزيرة (أكثر من 13 ألف)، يتوزع سكانها بدورهم إلى 300 اثنية، ويتكلمون بـ 365 لغة، وعلى الرغم من هذا التشتت الكبير فإن إندونيسيا تتميز بوجود غالبيتين كبيرتين دينية وإثنية، فالغالبية الدينية من المسلمين ويشكلون 87.2% من السكان في مقابل 9.6 من المسيحيين و1.8% من الهندوسيين وواحد في المائة من البوذيين و0.3% من الإحيائيين والوثنيين. أما الغالبية الاثنية فهي من الماليزيين الناطقين بالإندونيسية ويشكلون 45% من سكان البلاد، وتتواجد غالبيتهم الساحقة في جزيرة جاوة التي تضم وحدها 115 مليون نسمة أي نحو 60% من اجمالي السكان الإندونيسيين. ومن هذا الواقع تتمتع جزيرة جاوة بكونها موقع تلاقي الغالبيتين الدينية والإثنية، وبكونها كانت المهد والوطن الأم الذي انطلقت منه جمهورية إندونيسيا الحديثة، وبكونها قدمت وتقدم معظم أعضاء النخبة الحاكمة للبلاد، وبكونها منبعا لإثارة التوجهات والنعرات الطائفية والانفصالية من الجزر الطرفية التي تستشعر الظلم والإهمال، كما أن هذا الواقع شديد التعقيد الموزع سكانيا بين جزيرة مركزية وعدة آلاف من الجزر الطرفية، والموزع إثنيا ودينياً ولغويا، لم يشهد فترات استقرار وتماسك إلا في فترة حكم سوكارنو أول رئيس لإندونيسيا، والفترة الأولى لحكم سوهارتو. فخلال حكم سوكارنو (1964 - 1949) توحدت الجزر الإندونيسية خلف زعامة كاريزمية لعبت دوراً تاريخياً في استقلال البلاد، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تميزت بالمد التحرري والتوحد القومي، وتميزت بنهوض شعوب العالم الثالث وقيام أنظمة الحكم الوطنية التي تخطت أدوارها حدود أوطانها فيما عرف بمنظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا وحركة دول عدم الانحياز. أما في الفترة الأولي من حكم سوهارتو (1964 ـ 1998) فقد تماسكت الجزر حول بقايا إنجازات سوكارنو المصحوبة بشعارات الرخاء الاقتصادي التي أطلقها ثاني رؤساء إندونيسيا على طريق ارتباطه بالولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن تنتج تلك المرحلة فسادها الاقتصادي وأزماتها الاجتماعية والسياسية التي تفاقمت وفجرت التظاهرات الطلابية، والنزعات الطائفية والانفصالية، وأطاحت بسوهارتو ثم ببحر الدين حبيبي ثالث الرؤساء، ومن المؤكد أن عدم قدرة عبد الرحمن واحد على التصدي لها لم تكن بعيدة عن إقالته في 23 يوليو 2001. أزمة الرئاسة ومنذ بداية عام 2001 بدأت النخبة الحاكمة في إندونيسيا تستشعر مخاطر تفاقم أزمة الرئاسة في إندونيسيا، حيث تزايدت حدة المعارضة ضد عبد الرحمن واحد، وقام آلاف من الطلاب بمظاهرات حاشدة أمام قصر الرئاسة معلنين فشل واحد في تحقيق الإصلاحات المطلوبة، وعلى رأسها محاربة الفساد ومحاكمة المسئولين السابقين في عهد سوهارتو، والمتهمين بالثراء غير المشروع والفساد واستغلال النفوذ، كذلك فشله في مواجهة الدعوات الانفصالية والصدامات الطائفية والعرقية، وعدم قدرته على التقدم على طريق حل الأزمة الاقتصادية والمالية، وكانت أخطر أدلة فشل الرئيس عبد الواحد هي لجوئه للتهديد بحل البرلمان ولجوء أنصاره إلى الخروج في مسيرات كبيرة أمام البرلمان والقصر الجمهوري للمطالبة باستمرار واحد في السلطة حتى نهاية مدته عام 2004، أي اللجوء لأسلوب التهديد بإحداث الفوضى وصراع دموي في البلاد بهدف الاستمرار في الحكم، الأمر الذي ساعد على عزلته واتساع المعارضة البرلمانية له. عزلة واحد وفي منتصف أبريل الماضي رصدت التقارير أن واحد لم يعد يتمتع ألا بتأييد حزبه «نهضة الشعب» الذي لا يحتل أكثر من 11% فقط من جملة أعضاء مجلس النواب، بعد أن أعلنت الأحزاب الإسلامية بقيادة رئيس جمعية الشعب أمين ريس سحب تأييدها للرئيس واحد ومساندتها لنائبته ميجاواتي التي تتمتع بتأييد قيادات عديدة على رأسها حزبها «النضال من أجل الديمقراطية» الذي يحتل 35% من مقاعد البرلمان. وإذا كانت مراهنات واحد على أنصاره من أعضاء جمعية نهضة العلماء خاسرة، خاصة بعد تخلي الجيش والشرطة والنخبة السياسة البرلمانية عنه، في سياق اتهامه في قضيتي فساد مالي أطلق عليهما «بولوجيت» و«بروناي جيت»، فإن الحديث عن وجود رئيسين لإندونيسيا يجلسان في قصر الرئاسة لن يستمر طويلا، لكن يبدو أن ميجاواتي ذات الـ54 ربيعا لكي تحتفظ بابتسامتها، وربما لكي تعيد بعضا من أمجاد والدها، بعد أن قلدها البرلمان الإندونيسي رئيسة لإندونيسيا، عليها أن تتخذ جملة من القرارات الحاسمة لتجفيف منابع الفساد في النخبة السياسية، وهو فساد ممتد أطاح حتى الآن بثلاثة رؤساء في أقل من أربع سنوات (سوهارتو، بحر الدين حبيبي، وواحد، 1998، 1999، 2001)، وأن تكشف العلاقة بين استشراء الفساد واندلاع الصراعات الطائفية، فقد لاحظ بعض المراقبين اندلاع بعض الصدامات كلما تصاعدت حملة محاكمات لكبار أفراد أسرة الرئيس الأسبق سوهارتو، كابنه الأكبر وابنته وأخيه غير الشقيق بتهم الفساد واستغلال النفوذ، وخاصة بعد محاكمة ابنه الأصغر والحكم بسجنه ثم تركه هارباً منذ نوفمبر 2000. فهل تستطيع ميجاواتي وحزبها صاحب الأغلبية البرلمانية أن تستحضر أمجاد والدها واتخاذ قرارات مصيرية على طريق التنمية الاقتصادية والعدل الاجتماعي والتوحيد القومي للأرخبيل المهدد بالانفراط ؟ أم أن الصراعات بين أفراد النخبة السياسية حول المصالح الضيقة سوف تقطع الطريق أمام الإصلاح وتفتح الباب لفصل جديد من فصول أزمة الرئاسة في إندونيسيا ؟ بقلم: محمد فرج ـ كاتب مصري