منتصف الستينيات.. والحرب على أشدها بين الولايات المتحدة التي تريد أن ترث الإمبراطوريات الاستعمارية التي انهارت تحت وطأة الزمن وكفاح الشعوب، وبين نظم الحكم الوطنية التي تعتز باستقلالها الحديث وتحاول تعويض شعوبها عن سنوات طويلة من التخلف والقهر في ظل الاستعمار، وتستفيد من مناخ الحرب الباردة في الحصول على بعض المساعدة لاجتياز الطريق الطويل الصعب. ولأن أمريكا التي تورطت في فيتنام ودفعت الثمن غاليا لم تكن تريد تكرار التجربة فقد اعتمدت على انقلابات الداخل في الدول التي تحررت حديثا والتي رفضت الانضواء تحت السياسة الأمريكية. وهكذا عصفت الانقلابات الأمريكية بالعديد من النظم وأطاحت بالعديد من الزعماء الوطنيين حتى وصلت إلى إندونيسيا وأطيح بسوكارنو على يد كبير الجنرالات سوهارتو الذي عبر إلى الحكم فوق بحر من الدماء.. فباسم مكافحة الشيوعية شهدت إندونيسيا مذبحة راح ضحيتها عشرات الآلاف بمباركة حكومة واشنطن ودعمها السياسي والعسكري والإعلامي. وبعدها حكم سوهارتو إندونيسيا لأكثر من ثلاثين عاما، وعندما فقد دوره وتجاوزته الأحداث بل أصبح وجوده عقبة أمام السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة.. عندها فقط اكتشفت واشنطن أن سوهارتو ديكتاتور قبيح، وأن فساده تجاوز الحدود. وهكذا أطيح به بعد صراع عنيف، وبدأت فترة انتقالية قصيرة تولى فيها الحكم نائبه يوسف حبيبي، وانتهت بانتخابات نيابية فاز فيها حزب ابنة سوكارنو بحوالي 37% من المقاعد وجاء في المرتبة الأولى ولكنها لم تستطع أن تتولى الحكم لأن منافسيها رفعوا في وجهها شعاراً أكسبوه مسحة دينية في بلد يبلغ المسلمون فيه أكثر من 90% من عدد السكان، فقد أعلنوا رفضهم أن تتولى الحكم.. امرأة! وقد كان، وجاء «واحد» رئيسا وميجاواتي سوكارنو نائبة له. وخلال ما يقرب من عامين سجل الرئيس واحد فشلا مدوياً، وتفاقمت الأوضاع.. فالتركة ثقيلة بين أوضاع اقتصادية متدهورة وصراعات عرقية متفاقمة، والرجل عاجز بدنياً وسياسياً. وعندما أضيف الفساد إلى العجز سقط واحد.. وجاءت الرئاسة إلى ميجاواتي، وانتقمت ابنة سوكارنو مرتين.. مرة لأبيها الذي قاد بلاده للاستقلال، ومرة أخرى لـ «المرأة» التي رفضوها قبل عامين وتجيء الآن بالإجماع. انتقمت ميجاواتي لنفسها، ولكن من ينتقم لشعب إندونيسيا. وهل تنجح ابنة سوكارنو في العبور ببلادها بالديمقراطية بعد أن عبر بها والدها مرة بالكفاح المرير، أم أنها مجرد قنطرة إلى حكم جديد يعيد ذكرى سوهارتو ولكن بثوب جديد يتلاءم مع عصر الشركات متعددة الجنسية، ويحقق المصالح الأمريكية في هذه المنطقة؟! جلال عارف