هاجم المهندس عبدالرحمن الحمدي رئيس المنتدى الديمقراطي في اليمن في حوار أجرته معه «البيان» التعديلات المقترحة من الحكومة على قانون الانتخابات واعتبرها خطوة تراجعية قائلاً انها ستحوّل الديمقراطية في البلاد الى شكل هزيل يخفي وراءه ممارسات شمولية. وأكد الحمدي ـ وهو شقيق الرئيس اليمني الأسبق ابراهيم الحمدي الذي اغتيل عام 1977 ـ ان حداثة التجرية الديمقراطية في اليمن جعلت كثيراً من الأحزاب تفضّل الدخول في صفقات مع الحكم للحصول على عدد من المقاعد بدلاً من خوض غمار المنافسة الانتخابية. كما تحدث الحمدي في الحوار عن ظروف عمل المنظمات غير الحكومية والنظام الانتخابي وغيرها من القضايا.. و فيما يلي نص الحوار: ـ هل لديكم برنامجاً يميزكم عما يطرحه الآخرون؟ ـ عندما فكرنا في تأسيس (المنتدى الديمقراطي اليمني) فإن تفكيرنا لم يكن وليد لحظته بل جاء نتاجاً لمناقشات وحوارات تخللتها ظروف وأجواء من المعاناة والأحاسيس بطبيعة الواقع المعاش سواء من حيث أزمة التجربة الديمقراطية الوليدة في اليمن التي ولّدتها ظروف موضوعية تتصل بهشاشة وتخلف البنى الثقافية والسياسية والاجتماعية والموروثة من تراكمات عصور ومراحل تاريخية منذ القدم. بالإضافة الى الكوابح والمعوقات والقيود التي تحاصر التجربة من جميع الجهات وخاصة منها طغيان العقلية والتفكير والممارسة الشمولية الأحادية وعدم ترسيخ وتعمق الثقافة الديمقراطية وضعف الاقتناع والإيمان بقيمها ومقتضياتها وشروطها ووسائلها كمنظومة سياسية متكاملة سواء لدى الأوساط الحاكمة أو الأحزاب والتنظيمات السياسية بشقيها الحاكمة والمعارضة. وبكل تأكيد نحن نملك رؤية واضحة لأهمية الفكرة وضروراتها وكذا أهدافها ومقاصدها وغاياتها ووسائل عملها وآلياتها. ـ لماذا تراجع إعلان إشهار المنتدى بعد الحوار مع الحكومة بالرغم من انه بدأ قوياً؟ ـ صحيح بداية المنتدى وفاعلياته كانت قوية على نحو فاق توقعاتنا، وربما كان ذلك راجعا الى طبيعة البداية الحساسة والمهمة لفعاليات المنتدى حيث فرضت مسألة التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات نفسها علينا كمسألة حساسة وبالغة الأهمية وغير قابلة للإرجاء، فكانت هي البداية الأولى لنشاطنا وفعالياتنا، ولا يخفى عليك ما تحتله هذه المسألة من مكانة سياسية خاصة وبالغة الحساسية لدى جميع الأحزاب السياسية وخاصة غير الحاكمة وكل شرائح الرأي العام الداخلي و إلى حد ما الجهات المعنية الخارجية وكون الحوارات الأولية التي رعاها المنتدى بين الأحزاب السياسية حاكمة ومعارضة قد انتقلت الى الحكومة فتلك هي رغبة الاحزاب وإرادتها، حيث كانت الأحزاب غير الحاكمة تأخذ على المنتدى ان الحوارات التي يرعاها بين الأحزاب والتنظيمات السياسية غير ملزمة وقد تكون حواراً لمجرد الحوار، ومن هنا ربما رأت من مصلحتها نقل الحوار الى الحكومة، وأياً ما كان الأمر فلا أعتقد أن حضور المنتدى قد تراجع، وذلك لأن الحوار حول مشروع التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات لا يعتبر هدفاً وحيداً للمنتدى. ـ كيف تتصورون مستقبل العملية الديمقراطية اذا ما مضت الحكومة في إجراء التعديلات على قانون الانتخابات؟ ـ في الواقع أنه لو أجريت قراءة مقارنة لبعض مواد أحكام القانون الحالي رقم 27/1996 والتعديلات المقترحة من قبل الحكومة لتلك المواد والأحكام، فسوف يتبين لكم بوضوح أن تلك التعديلات المقترحة تمثل خطوة تراجعية إلى الوراء. فالإدارة الانتخابية هي اللجنة العليا للانتخابات تصبح تحت السيطرة الكاملة والمطلقة من قبل السلطة التنفيذية وبالتالي فإن هذا الأمر يساعد على التلاعب والتزوير. ـ ما هي أسباب ظاهرة انحسار دور الأحزاب وكيف الخروج منها؟ ـ الحقيقة انه منذ اعتماد النهج الديمقراطي القائم على التعديلات الحزبية قبل حوالي عشر سنوات وحتى الآن، لا نستطيع القول ان الأحزاب السياسية، وخاصة المعارضة منها، حققت مداً وزخماً ملحوظاً في التأثير على المجتمع سياسياً وجماهيرياً، حتى يمكننا القول ان هناك انحساراً واضحاً أو تراجعاً في ذلك التأثير أو المد، وانما المشكلة تكمن في أن الأحزاب جميعها تقريباً كانت بحكم مقتضيات وضرورات العمل السري، تتسم بالشمولية والأحادية في أفكارها وبنيتها وأساليب عملها، وكيّفت نفسها وتطبّعت بذلك الطابع منذ نشأتها ولعقود عديدة من الزمن، وهي لا تزال حديثة عهد بالديمقراطية المفتوحة القائمة على التعددية الحزبية وغيرها، ولم تتمكن حتى الآن من اعادة بنائها الفكري والسياسي والحركي وأساليب عملها والتكيف مع مقتضيات ومتطلبات وشروط وأفكار وأساليب عمل ديمقراطية وتعددية حزبية وتداول سلمي للسلطة وغير ذلك مما تتطلبه المرحلة الديمقراطية الجديدة تماماً في طبيعتها ونهجها وأساليبها وحركتها السياسية والجماهيرية. ولهذا نجد كثيراً من الأحزاب الكبيرة مثلاً لا تتجه الى خوض غمار الانتخابات اعتماداً على توسيع وتفعيل وتنشيط قاعدتها الحزبية الجماهيرية بل تفضل الخيار الأسهل وهو إجراء مساومات وصفقات سياسية مع الحكم للحصول على نصيب معين من المقاعد مسبقاً وبدون عناء. ـ كيف تقيّمون أداء المنظمات غير الحكومية خاصة العاملة في مجال حقوق الإنسان؟ ـ لا أخفي عليك أن منظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والمرأة ونحن جزء من تلك المنظمات غير الحكومية ليست بالمستوى المطلوب ولا حتى بالحد الأدنى لما يجب ان يكون، وهذه المنظمات هي الأخرى لا تزال حديثة عهد وأمامها طريق طويل وشاق لتثبيت دورها وجدواها، والمشكلة الجوهرية التي تعاني منها تلك المنظمات ان عددها كثير ومع ذلك لا تزال كل واحدة منها متشبثة بالعمل لوحدها وبمفردها وهذا ما يضعف من تأثيرها ودورها بل أحياناً تتصادم فيما بينها مما يشتت جهدها ويبعثر طاقتها وإمكانياتها. ـ ما هي رؤيتكم لتطوير النظام الانتخابي؟ ـ النظام الانتخابي السائد في بلادنا نظام يقوم على تقسيم البلاد الى دوائر فردية بمعنى أن تختار كل دائرة انتخابية نائباً واحداً في مجلس النواب، وهو نظام أثبتت التجارب الانتخابية السابقة انه نظام غير مناسب بل انه يرتب على المدى المستقبلي مخاطر جسيمة وأضراراً بالغة العمق على تماسك ووحدة البناء الوطني. حيث نرى ان الأحزاب والمرشحين يركزون نشاطهم وحملاتهم الانتخابية على أسس ومعايير واعتبارات مناطقية قبلية عشائرية وأسرية، وهو ما أدى الى تراجع الأحزاب السياسية والمثقفين والسياسيين وغيرهم عن الاجتماعات الوطنية العامة وهو ما قد يهدد الوحدة الوطنية والتلاحم الوطني بأخطار جدية في المستقبل، ولهذا كان من الضروري وللمصلحة الوطنية العليا تغيير النظام الانتخابي والأخذ بنظام القائمة النسبية مع إدخال تعديلات تتلاءم مع ظروف وأوضاع بلادنا. ولكن المشكلة ان النص الدستوري قد حسم طبيعة النظام الانتخابي وجعل من المستحيل تغييرها إلا بتعديل النص الدستوري ذاته والغريب أن التعديلات الدستورية الأخيرة وكذا مشروع التعديلات المقترحة في قانون الانتخابات تقر بها الحكومة في سياق سردها لمبررات وأهداف التعديلات التي أهمها هو تطوير النظام الانتخابي في حين لم يجر أي تطوير أو تعديل أو تغيير في النظام الانتخابي مطلقاً. صنعاء ـ محمد الغباري: