اختلفت الأوساط السياسية والاعلامية في الجزائر حول تقييم نتائج الزيارة التي قام بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الاسبوع الماضي الى الولايات المتحدة الأمريكية. ففي حين أكدت الأوساط الرسمية عبر وسائل الاعلام الحكومية بأن بوتفليقة تعامل مع الرئيس بوش انطلاقا من المصالح المشتركة للبلدين وكان امامه رئيس لأحد أكثر بلدان افريقيا وحوض المتوسط تأثيرا على الأحداث، اعتبرت الصحافة المستقلة وأحزاب المعارضة الزيارة مجرد بحث عن سند خارجي بعد استفحال الغضب الشعبي في الداخل. وأكدت الأوساط الرسمية أن الزيارة قدمت دعما كبيرا لسياسة الرئيس بوتفليقة سواء في المجال السياسي لا سيما ما تعلق منه بمسار الوئام المدني أو في الشق الاقتصادي الخاص بتحرير الاقتصاد من جميع القيود الموروثة عن التوجه الاشتراكي الذي سارت عليه البلاد منذ استقلالها عام 1962 كما شكلت نقطة تحول نوعية في العلاقات بين البلدين بإعلان توسيع التعاون وبناء شراكة استراتيجية تدفع الجزائر لتصبح في غضون السنوات العشر المقبلة أكبر متعامل مع الولايات المتحدة في افريقيا والعالم العربي. وبهذا الصدد كان الرئيس بوتفليقة قد صرح بعد لقائه الخميس الماضي مع جورج بوش باتفاق الرجلين على رفع الاستثمارات الأمريكية في مجال الطاقة وحدها من اربعة ملايين الى ثمانية في غضون خمس سنوات، كما يجري البحث على إيجاد أفضل السبل للتعاون في المجال الزراعي لاسيما الفلاحة الصحراوية الى جانب قطاع الخدمات والتكنولوجيا المتقدمة. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد عرضت برنامجا سخيا للاستثمار في ثلاثة بلدان من المغرب العربي (الجزائر وتونس والمغرب) ضمن ما سمي بمبادرة «إيزنستايت» ـ نسبة الى نائب كاتب الدولة الأمريكي للاقتصاد في عهد الرئيس كلينتون ـ وتقرر أن تظفر الجزائر بنصف المبلغ المخصص للاستثمار بالمنطقة بفعل قدرات استيعابها للاستثمار وتنوع المجالات المؤهلة لذلك. وقد أحيت ادارة بوش المبادرة وكلفت فريقا بالسهر على تجسيدها. وبلغ اهتمام الأمريكان بالاستثمار في الجزائر في الآونة الأخيرة حدا جعل الحكومة الجزائرية تعتقد أن واشنطن لن تضع الشروط السياسية المألوفة مثل «تعزيز المسار الديمقراطي» و«ترقية حقوق الانسان» و«الشروع الفوري في بناء دولة القانون». وسبقت زيارة الرئيس بوتفليقة هذه تعليقات كثيرة من وكالة الأنباء الرسمية التي اشتغل مديرها لسنوات عديدة بواشنطن وكان ضمن الوفد الرسمي المرافق للرئيس، ومن التلفزيون والجرائد التي تمولها الحكومة، وتم التركيز على أن صورة الجزائر نقية لدى واشنطن وأن الزيارة ستكون نجاحا كبيرا لسياسة الرئيس بوتفليقة. وكانت ورقة العمل التي حضرتها الرئاسة لتكون منطلق بوتفليقة في التعامل مع الأطراف الأمريكية التي سيتباحث معها موضوع التعاون، مركزة أساسا على محورين أولهما دعوة الى استثمار بلا حدود والى مساندة المسار السياسي الحالي للبلاد وثانيهما تعهدات بتسجيل انطلاقة كبرى في مجال احترام الحريات وحقوق الانسان، وهي تعهدات أراد محررو ورقة العمل الرئاسية أن لا تكون استجابة لطلبات واشنطن بقدر ما تكون اعلانا مسبقا لحسن النية سياسيا، وهي في نفس الوقت رسالة الى الطبقة السياسية الجزائرية والى الشعب عموما مؤداها أن السلطة تتحرك من خلال برنامجها وما أقرته هي وليس من وحي ضغوط من واشنطن أو باريس أو غيرهما. احداث القبائل بيد أن الظروف التي جرت فيها الزيارة لم تسمح بتجسيد مبتغى السلطة الجزائرية كون أحداث القبائل وشرق البلاد التي خلفت حسب حصيلة رسمية 81 قتيلا وأكثر من ثلاثة آلاف جريح، جعلت المبادرة بعرض صعوبات الجزائر على الأمريكان والتعهد بمعالجتها بالطرق الحضارية أمرا صعبا، بل و وضعت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في موقع المستمع الى انشغال واشنطن بما يجري وحثها الحكام على الاستماع لمطالب السكان في كل الجزائر، وكان هذا أكبر التحديات التي واجهت بوتفليقة وهو يجلس الى جورج بوش للحديث في أمر التعاون. وفي ظل هذه الظروف المتفجرة لم يكن غريبا ـ حسب أوساط واسعة من المراقبين في الجزائر وخارجها ـ أن تكون نتائج الزيارة شحيحة بالقياس الى المراد منها، وكان طبيعيا ألا يحصل النظام في الجزائر على تزكية أمريكية، بل وطبيعي أيضا أن يكون الشق السياسي من الزيارة عبارة عن نصائح ودروس من جورج بوش لما يجب أن يكون عليه الحكم في الجزائر، على حد ما جاء في تعليق يومية «ليبرتي» الجزائرية الصادرة السبت الماضي، وتناولت الصحافة المستقلة الحدث من هذا الجانب ونشرت تصريحات أمريكية تنتقد السلطة وتعاملها مع احتجاج الجزائريين على سوء احوالهم سواء في القبائل أو في جهات أخرى، وكذا مسألة حقوق الانسان والقوانين الأخيرة خاصة قانون العقوبات الذي يضيق على حرية التعبير عموما وحرية الصحافة خصوصا. وأجمعت الصحافة المستقلة على أن النتيجة الوحيدة المحققة في واشنطن هي تعزيز تواجد واشنطن في قطاع النفط واعطائها الأفضلية على غيرها من المرشحين للاستغلال والتسويق. وكتبت معظم الصحف المستقلة تعليقات لخصت فيها الزيارة في «اتفاقات حول استثمارات أمريكية في البترول وفقط». وقالت رئيسة حزب العمال الويزة حنون أن زيارة الرئيس بوتفليقة حملت نتيجة واحدة فقط هي تقوية التبعية الى القوى الخارجية والانصات الى قراراتها. أوامر في شكل نصائح وأكدت أنه كان على النظام أن يطبق سياسة متفتحة ومتبصرة ويعالج قضايا البلاد بذكاء وبواقعية قبل الاستماع الى أوامر في شكل نصائح من بوش ومسئولين أمريكيين آخرين. واعتبرت زعيمة العمال تلك «النصائح» تدخلا في الشئون الجزائرية. وقال متحدث باسم حزب «القوى الاشتراكية» المعارض إن النظام «استنجد بالأمريكان لكسب صك الغفران هروبا من الشعب الغضبان»، ولم تخف أوساط سياسية خيبتها أمام النتائج الشحيحة التي سجلتها الزيارة وأمام ما يوحي بأن الرئيس أراد بها تحقيق نصر على القوى الغاضبة داخل البلاد. وإذا كان الأمريكيون متفقين على النتائج التي سجلتها زيارة بوتفليقة لبلادهم كونهم يعرفون جيدا ماذا يريدون وكون استراتيجيتهم الافريقية والمتوسطية تصنف الجزائر ضمن معابرها الرئيسية في المنافسة المقبلة على النفوذ، فإن الجزائريين اختلفوا كثيرا بشأن تلك النتائج كونها لا تقدم لهم ما يمكنهم من تذليل الصعوبات التي يعيشونها على كل الأصعدة. الجزائر ـ مراد طرابلسي: