تكرس قوات الاحتلال الاسرائيلي المتواجدة على الحواجز العسكرية على مداخل القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية واقعا مأساويا يزيد في معاناة السكان التي تخلفها الممارسات والاعتداءات الاسرائيلية المستمرة منذ بداية الانتفاضة وحتى الآن. ويهدف جنود الاحتلال المتمركزين على الحواجز العسكرية لعرقلة مرور المواطنين الفلسطينيين بين المدن والقرى، وقد كثفت السلطات الاسرائيلية اثر اندلاع الانتفاضة من تواجدها في الاراضي الفلسطينية كما كثفت من عدد الحواجز العسكرية وشددت اجراءات الحصار. وتلعب الحواجز دورا اساسيا في فصل المدن والقرى عن بعضها البعض مما يقطع اوصال الاراضي الفلسطينية ويحول دون تواصل سكانها، وتضاعف ممارسات جنود الاحتلال واستفزازاتهم المستمرة والمقصودة معاناة سكان اراضي الحكم الذاتي،. احد جنود الاحتلال تحدث حول عمليات التنكيل بالفلسطينيين على الحواجز العسكرية «ذات مرة كنا عند حاجز بير زيت وكانت لدينا أوامر بعدم السماح لاحد بالمرور باستثناء الحالات الانسانية، وكنا خمسة جنود بعضنا يفكك السيارات ويخضعها لتفتيش دقيق يستغرق وقتا طويلا، يخرج كل ما فيها وذلك فقط من اجل اثارة الاعصاب وكان ذلك نوعا من التسلية واللعب، نختار سيارة ما ثم نبدأ اللعبة!!، ويضيف الجندي لصحيفة «كول هير» العبرية عندما يغضب عربي بسبب عدم السماح له بالمرور لن اقول لك انهم يعاملوه كالكلب ولكن كل ما يفعلونه لا يشبه ما يمكن فعله مع شخص على حاجز في البلاد. وتناولت مراسلة الشئون الفلسطينية بصحيفة «هآرتس» عميرة هس الحواجز العسكرية، وما تتسبب به من عراقيل في عدد من مقالاتها التي قالت في احداها بعنوان «مشهد امام اعيننا» «من الطبيعي ان يستطيع اليهودي الذي ولد في تل ابيب ان ينتقل الى الخليل او الى «يتسهار» المستوطنة في نابلس ومن الطبيعي جدا الا يكون هذا الحق متاحا للفلسطينيين حتى وان كانت عائلته تمتلك ارضا وبيوتا هنا وهناك». وتضيف من الطبيعي ان يحتاج الفلسطيني الى تصريح اسرائيلي للتنقل والدخول الى القدس الشرقية او الى غزة بينما يستطيع الاسرائيلي ان يسافر بحرية وعلى شوارع مريحة شقت على الاراضي التي صودرت من الفلسطينيين. وقالت «هس» في موضع اخر تحت عنوان «مشاهد من الحواجز»: ثمة حاجز وثمة سد، الحاجز هو عدة مكعبات اسمنتية وبلاستيكية وعدد من الجنود، في بعض الاحيان وبعد التوسلات أو اذا كان الحديث يدور عن سيارات دبلوماسية اجنبية من الممكن اجتياز هذا الحاجز، في احيان اخرى قناة ومكعبات اسمنتية معا وهل تضمن سيارة الجيب العسكرية وفوهات البنادق الممتدة من النوافذ ألا يحاول احد التذاكي او المرور، هذا الاغلاق هو التعبير عن قمع الانتفاضة 2000 وهو تطوير بسيط على الجيش: اكوام ترابية عالية او مكعبات اسمنتية واحيانا الاثنان معا. وتصف هس وضع المواطنين الذين يحاولون عبور الحواجز سيرا على الاقدام فتقول: «ثمة شابان يسندان عجوزا يكادان يحملانه على ايديهم لم يكونا من ابنائه بل كانا يستقلان ذات السيارة التي كان يستقلها وهناك رجل يحمل اثناء صعوده كومة التراب فرناً للخبز كان قد اشتراه، طفلة عمرها نحو ثلاث سنوات فوجئت لرؤية كاميرا الصحافة بينما كانت تحبو وراء امها وعمتها وكلاهما تحملان سلالا على رأسيهما وبأيديهما في الوقت الذي مرت به سيارة عسكرية اسرائيلية وفوهة البندقية تبدو كالكاميرا ثم عدد اخر من الرجال يصلون لاهثين ادار احدهم رأسه دون ان يتوقف عن السير وسأل: اي سلام هذا؟؟ ثم اجاب بنفسه انه سلام الشجعان. وحسب مراكز حقوقية فإن «13» فلسطينيا توفوا جراء منع او اعاقة مرورهم عبر الحواجز العسكرية الاسرائيلية ومن بين هؤلاء طفلة في العاشرة من عمرها وفتى في السابعة عشرة من العمر. وأوضح المركز الفلسطيني لحقوق الانسان في تقرير له: بتاريخ 13/3/2001 توفي المواطن نعيم ابو جامع «39» عاما من سكان بلدة عقربا جراء منع قوات الاحتلال نقله لاحد مستشفيات نابلس عقب اصابته بنوبة قلبية، وذوو المواطن اكدوا ان جنود الاحتلال المتمركزين على مدخل نابلس الجنوبي اعاقوا مرور السيارة التي كانت تقل ابو جامع وقد ادى ذلك الى وفاته حيث امضى الجنود حوالي الساعة في التدقيق بهوية سائق السيارة التي كانت تقل المريض رغم انهم شاهدوا المريض وتردي حالته الصحية، وكان الجنود قد منعوا السيارة من المرور بعد ان دققوا في هوية سائقها الذي اضطر للعودة للمرور عن طريق فرعي طويل الا ان ابو جامع فارق الحياة بعد الابتعاد عن حاجز قوات الاحتلال بحوالي 20 دقيقة وقبل الوصول للمستشفى. وبتاريخ 14 مارس الماضي توفيت المواطنة اميرة نصر ابو سيف 48 عاما عند حاجز الجلمة على مدخل مدينة جنين اثر منع جنود الاحتلال السيارة التي كانت تقلها من مرور الحاجز للوصول لمستشفى جنين لتلقي العلاج وكانت الشهيدة قد اشتكت من ارتفاع السكري بشكل مفاجئ فقرر ابنها ان ينقلها للمستشفى الا ان جنود الاحتلال منعوه من مرور الحاجز الاول عند قرية «عابا» مما اضطره للتوجه لحاجز «الجلمة» ليحاول المرور من خلاله لكن جنود الحواجز كانوا بالمرصاد حيث احتجزوا السيارة لمدة ساعتين ونصف ومنعوا سيارة الاسعاف التابعة للهلال الاحمر الفلسطيني من الوصول اليهم مما اضطره لحمل والدته بمساعدة بعض الشبان والسير عبر طريق ترابي حيث فارقت الحياة قبل وصولها للسيارة التي كان من المفترض ان تقلها للمستشفى. رصاص ثم ضرب الفتى سمير صيام 17 عاما اشبعه جنود الاحتلال ضربا وذلك عندما تحدى أوامرهم وحاول مساعدة احدى النساء في حمل كيس كبير وعبور الحاجز العسكري المتمركز على مدخل «المواصي» بخانيونس وبمجرد ان تقدم صيام من المرأة لمساعدتها اطلق جنود الاحتلال نيران اسلحتهم تجاهه وطالبوه بالتراجع الا انه اصر على مساعدة السيدة فهاجمه الجنود واوسعوه ضربا فأصابوه في رأسه وبرضوض اخرى في انحاء عديدة من جسمه. الفتى كفاح زعرب 17 عاما من سكان المواصي بخانيونس توفي مساء 10 مايو الماضي على حاجز «التفاح» بعد ان اعاقت قوات الاحتلال مروره الى المستشفى لمدة تتجاوز ساعتين وكان ذوو الفتى زعرب قد انطلقوا بسيارة مدنية من المواصي حيث يسكنون في تمام الساعة السادسة مساء قاصدين مستشفى ناصر وبعد ان سمح لهم بالمرور من الحاجز العسكري المحاذي لمستوطنة كفاريام اعاق الجنود المتمركزين على حاجز ثان يبعد عن الاول حوالي 700 متر تقريبا مرورهم لمدة نصف ساعة وبعدها واصلت السيارة السير حتى وصلت حاجز «التفاح» حيث منعهم الجنود من المرور وأمروهم بالعودة وعندما ابلغهم اهل الفتى بأنه مريض وسيموت ان لم يسمحوا لهم بالمرور رد عليهم احد الجنود قائلا «عودوا والا ستموتون معه» وعندها اضطر سائق السيارة للعودة الى الحاجز الثاني الذي سبق ان سمح لهم بالمرور منه وهناك اخبر الجنود عما حدث معه فأجابوه الا سلطة لهم على جنود الحاجز الثاني وامروه بانتظار احد المسئولين وطال الانتظار حتى الساعة الثامنة والنصف مساء حتى تمكنت احدى سيارات الاسعاف الفلسطينية من الوصول الى حاجز التفاح الذي عاد اليه ذوو المريض بذات السيارة المدنية التي كانوا سيستقلونها وقد سمح جنود الاحتلال بنقل الفتى لسيارة الاسعاف لكنه كان قد فارق الحياة. اذلال المواطن عماد عدوان «26 عاما» موظف بوزارة التموين خاض تجربة مع الحواجز العسكرية التي تعرقل يوميا وصوله من مكان سكنه برفح الى مكان عمله بغزة، قال اضطر للخروج من منزلي حوالي الساعة السادسة صباحا في معظم الاحيان اصل عملي متأخرا عن الساعة الثامنة بفضل ممارسات جنود الاحتلال على الحواجز واضاف ما من شك انهم يهدفون لاذلالنا وقهر صمودنا وكل ممارساتهم تؤكد ذلك خاصة اجراءاتهم الاستفزازية على الحواجز، ويتساءل عدوان ما الذي يستدعي ايقاف طابور مكون من عشرات السيارات واحيانا المئات لمدة تتجاوز الساعة في اغلب الاحيان؟ فقط هم يريدون اذلالنا واشارة من اصبع احد الجنود تتيح لنا المرور واشارة اخرى تمنعنا من الحركة والعبور وتتأخر مصالح المواطنين. الطالب محمد الفرا «21 عاما» طالب بكلية العلوم بالجامعة الاسلامية بغزة تحدث عن معاناة الطلبة جراء الممارسات الاسرائيلية على الحواجز فقال ان اكون قادرا على حضور محاضرات الساعة الثامنة يعني ضرورة ان اخرج من منزلي الساعة السادسة او الخامسة وحتى خروجي في مثل هذه الساعة المبكرة لا يحقق لي فرصة الوصول في الموعد المطلوب لان الامر يتعلق بمزاج جنود الاحتلال المتمركزين على الحواجز العسكرية الممتدة على طول الطريق من جنوب القطاع الى مدينة غزة رغم ان المسافة لا تزيد على «35» كيلومترا واضاف في بعض الايام يسمحون بمرور السيارات بعد انتظار ساعة بل ساعة ونصف وفي ايام اخرى نضطر للانتظار اكثر من ذلك بكثير.. ويتابع: ادارة الجامعة يسرت الامور عندما مكنت طلبة مدن الجنوب من متابعة محاضراتهم في خانيونس دون الحاجة للتوجه الى غزة يوميا الا ان الضرورة تستدعي منا نحن طلبة الكليات التي تتضمن انشطة علمية أن نتوجه إلى مباني الجامعة الأساسية في غزة وعندها نحن ونصيبنا قد نصل وقد لا نصل. أما الطالب نايف زيدان (26 عاما) الطالب بكلية الحقوق بجامعة الأزهر فيقول: منذ بدأت الانتفاضة ومنذ بدأ الحصار بدأت معاناتنا كطلبة فلسطينيين حيث تواجهنا يوميا الحواجز الاسرائيلية وممارسات الجنود المتمركزين عليها والتي تحول وفي أحيان كثيرة دون مرورنا أو على الأقل دون وصولنا في الوقت المناسب. ويضيف الطالب: مهما احتطت ومهما حاولت أن تخرج مبكرا لن تصل في الوقت المناسب لان الأمر ببساطة لا يتعلق بمسافة وزمن نحتاجه لقطعها وإنما يتعلق بجنود معنيين باذلالك والتنكيل بك. وأشار إلى انه في بعض المرات يأمرون السيارات بالوقوف ونظل ننتظر ساعات مما يضطر البعض للنزول من السيارة وقطع المسافة مشيا على الأقدام ثم الوقوف مجددا في انتظار سيارة لتنقلنا لنواصل مسيرتنا تجاه غزة أو تجاه الجنوب. ويتابع زيدان: الأمر غاية في الصعوبة ان تكون مضطرا لاستخدام مواصلتين أو ثلاث لغرض تجاوز الحواجز فهذا أمر مزعج ومرهق جسديا ونفسيا خاصة واننا لا نجد السيارات التي تتسع لنا بسهولة، البقاء في السيارة بانتظار أوامر الجندي للسماح بمرورنا مخاطرة كبيرة فقد يطول الانتظار دون أن يسمحوا لنا بالمرور ناهيك عن المخاطر الأمنية من اطلاق النار المفاجئ على السيارات الواقفة في الانتظار، كما انه ان تنزل من السيارة لتسير على قدميك ثم تتوقف بانتظار سيارة ثانية أيضا مخاطرة فأحيانا تمر عشرات الدقائق دون أن تجد لك مكانا في السيارات التي تمكنت من المرور عبر الحاجز. المواطن اياد أبو شاويش (31 عاما) محاسب لدى احدى الشركات الخاصة يخوض كل يوم ما أسماه رحلة الآلام ويقول لم يشكل لي سكني في خانيونس منذ ولادتي فيها أي مشكلة أما الآن وفي ظل الاعاقات والحواجز العسكرية الاحتلالية بين غزة وخانيونس ورفح بات التوجه من خانيونس إلى غزة وبالعكس مشكلة المشكلات ولأصل إلى عملي دون تأخير أضطر للخروج من منزلي في تمام السادسة صباحا ومع ذلك أصل في أحيان كثيرة بعد التاسعة لكن الذنب ليس ذنبي فكثيرا ما يضطرني طول الانتظار في سيارة الأجرة للنزول منها والسير على قدمي يصحبني العشرات من الموظفين والطلبة كلهم يسيرون بهمة ويستحثون خطاهم للوصول لأعمالهم وجامعاتهم بالسرعة الممكنة. ويضيف أبو شاويش: يوميا نشعر بالذل والاهانة والحسرة ونحن قابعون في السيارات التي تقف في طوابير طويلة وتنتظر ساعات أطول أمر السماح لها بالتقدم ولا نملك سوى الانتظار أو النزول للسير على الأقدام. وتابع: هكذا نبدأ نهارنا وهكذا ننهيه.. وابتسم وهو يقول عندما أصل لمنزلي بعد نهار العمل والحواجز لا يكون متبقيا من النهار سوى ساعات قلائل لا يمكن أن نستغلها إلا في النوم لنرتاح من عناء السفر من دولة غزة إلى دولة خانيونس. عماد حماد (32 عاما) أحد الموظفين بوزارة العمل تحدث عن رحلته اليومية من خانيونس إلى غزة فقال انها ذل نتذوقه يوميا رغما عنا لا يمكنني إلا أن أصفها كذلك ليس للاذلال مسمى آخر يحمله والطريق من غزة إلى مدن جنوب القطاع وبالعكس ليس فيها إلا الاذلال اضافة إلى المخاطر العديدة التي يحتمل أن تواجهك خلال عبورك هذا الطريق. ويتساءل حماد: من يضمن لك عدم اطلاق جنود الاحتلال النار عليك أو سيارتك أو أحد الركاب ممن معك. وأضاف من يضمن لك ألا يكون الراكب الجالس بجوارك في سيارة الأجرة مستهدفا من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي؟ ومن يضمن لك انهم لن يستهينوا بحياة العشرات كما يفعلون دوما بحجة قتل أحد الناشطين السياسيين الخطرين على أمنهم؟ وأضاف وان سلمت من عمليات القنص والاغتيالات التي تنفذها قوات الاحتلال وسط الأحياء السكنية وفي الشوارع فإنك لن تسلم من استفزازاتهم اليومية. وقال من أجل سيارة واحدة يستقلها مستوطن أو أكثر وحتى تأمين عبورها الطريق العام يتعين على آلاف الفلسطينيين أن يتوقفوا عن السير ويفسحوا الطريق أمام سيارة المستوطن. وأضاف انه الذل بعينه والقهر بعينه أن تكون أنت المالك الحقيقي للأرض مضطرا للوقوف ساعات كي يمر أولئك الذين جاءوا ليشاركوك وطنك فسكنوه رغم أنف الشرعية الدولية ويمضي يقول: تتوقف سياراتنا وتتعطل حركتنا لتتحقق الحماية لهؤلاء المستوطنين أما أصحاب الأرض الأصليين الذين يمتلكون كل الحق في ان يعيشوا عليها ويتنقلوا بين مدنها وقراها وفي شوارعها فما من أحد يحميهم. غزة ـ ماهر ابراهيم: