في تقرير خاص بلبنان رأى البنك الدولي ان المعالجات الاقتصادية التي اقترحتها الحكومة اللبنانية صالحة شرط أن يتم تنفيذها بسرعة وبجدية. وشدد التقرير الذي أصر المسئولون اللبنانيون على ابقائه قيد الكتمان على ضرورة انجاز ثلاثة تدابير فورية: وقف الهدر والصرف، التعجيل في خصخصة العديد من المؤسسات العامة، وإنشاء الضريبة المضافة. ويدور نقاش حاد حول الترتيبات الأخرى. البعض يدعو الى تخفيض سعر العملة الوطنية بنسبة تتراوح بين 15 الى 20%. والبعض الآخر يقترح أن يتم بيع احتياطي الذهب. والبعض الآخر مقتنع بأن الاجراءات والاقتراحات لن تمنع حصول انهيار اقتصادي يؤدي الى تدخل الصناديق والبنوك الدولية، كما حصل مع بعض دول آسيا. بالطبع لكل حل مساوئه، وقد يكون دور الحكومة ان تختار بين السييء والأسوأ، وليس بين السييء والجيد. فخفض سعر العملة الوطنية يتطلب خطة محكمة مالياً للحفاظ على الليرة اللبنانية وخطة اجتماعية شجاعة للتخفيف من انعكاسات التخفيض على الفئات الأكثر عوزاً. وفي كل حال، إن هذا الاقتراح يواجه معارضة شديدة تصل الى حد الرفض المطلق من قبل رئيس الحكومة رفيق الحريري الذي ما برح يؤكد على انه ما دام هو في رئاسة الحكومة فإنه لن يقبل بتخفيض العملة الوطنية. الليرة المستقرة على سعرها الحالي باتت المرادف لبقاء رفيق الحريري في الحكم. وكل ما يمس الليرة اللبنانية يمس رفيق الحريري مباشرة. وتخفيض الليرة من المنظار السياسي يعني إعلان فشل سياسة تثبيت سعر الليرة التي نادى بها رفيق الحريري منذ تسلمه لأول مرة رئاسة الحكومة في العام 1992. أما فكرة بيع أو تسييل احتياطي الذهب فيصطدمان بمعارضة شديدة على مستوى العديد من السياسيين الذين يرون ان مجرد المس باحتياطي الذهب يؤثر سلباً على اللبنانيين ويجعلهم يتهافتون على العملات الصعبة وكأن الدولة اللبنانية مقبلة على الافلاس أو الانهيار. لقد بات بيع الذهب مشكلة نفسية أكثر مما هي مشكلة مالية أو سياسية. فالذهب يشكل في نظر اللبنانيين وغير اللبنانيين أيضاً آخر غطاء لليرة اللبنانية، وبيع احتياطي الذهب يعني التخلي عن الليرة وإلغائها. وفي كل حال فإن هذا الاقتراح يصطدم بقانون أصدره مجلس النواب حين كان رئيسه حسين الحسني يفرض على السلطة التنفيذية ان تأخذ إذناً مسبقاً من السلطة التشريعية إذا ما أرادت التصرف باحتياطي الذهب. بمعنى آخر من المستبعد جداً ان تقدر الحكومة على ان تسيل الاحتياطي من الذهب. أما المشهد القاتم والاقتراحات المستحيلة، أرى أن بداية كل حل هو في إيجاد الأداة التي لابد منها، وهي الادارة العامة. كل حل يحتاج الى من يديره، فإذا غلبت الادارة الصالحة والقادرة فشلت كل الحلول مهما كانت صائبة ومؤاتية. وقف الهدر يحتاج الى ادارة نظيفة لوقفه. والخصخصة تحتاج الى ادارة واعية للتحضير لها والاشراف على نقل المؤسسات المخصخصة من القطاع العام الى القطاع الخاص. وإنشاء الضريبة المضافة يحتاج الى إدارة منتجة للإفادة منها. بكلمة مختصرة بداية حل الأزمة الاقتصادية تفترض اصلاحاً ادارياً شاملاً. وبداية الاصلاح الاداري الشامل تتطلب تعيينات مسئولين اداريين على قدر كبير من المعرفة والأخلاقية. قد يفهم المواطن اللبناني الواقع تحت عجز مالي مستمر ان العديد من الخطوات تخرج عن يد الحكمة اللبنانية. ولكن ما لا يفهمه، وما لم يعد يتسامح به، أن تحجم الحكومة عن خطوات هي من صلب صلاحياتها وقدراتها، وفي طليعة هذه الخطوات هو الإصلاح الاداري. مما منع الحكومة من اجراء سلسلة تعيينات ادارية في كل المصالح والمؤسسات العامة على أساس الكفاءة وليس على أساس التبعية والمحاصصة والطائفة؟ والحقيقة انه لن تقوم ادارة ملائمة لمواجهة الأزمة اللبنانية متعددة الوجوه إلا اذا اقتنع المسئولون بأن اختيار الموظف يجب أن يتم في ضوء كفاءته وليس في مدى التزامه أو استزلامه السياسي. إذا أردنا ادارة صالحة لتنفيذ أي حل من الحلول المقترحة فلا مفر من اعتماد الكفاءة معياراً والابتعاد عن سياسة المحاصصة، أي توزيع المديرين العامين على المتنفذين من أهل السلطة، وحتى التخلي عن التوزيع الطائفي بحيث يتم تعيين المسئول الاداري في ضوء قدراته العلمية وخبرته العملية، وليس بناء على انتمائه الطائفي أو المناطقي أو الحزبي أو الفئوي. الادارة الجيدة تستطيع أن تجعل من الحلول السيئة حلولاً مقبولة، والإدارة السيئة تحوّل الاقتراحات الجيدة الى نتائج سيئة. الوقت أصبح ضاغطاً: فإما إصلاح اداري سريع. وإما انهيار اقتصادي كبير. فلنصلح الادارة قبل أن نخسر الوطن. بقلم: كريم بقرادوني