عقد مركز البحوث الأفريقية بجامعة القاهرة أولى ندواته تحت عنوان «الاتحاد الأفريقي ومستقبل القارة الأفريقية». وشارك في الندوة د. عبدالرحمن الصالحي استاذ العلوم السياسية بجامعة الزقازيق، وجمال نكروما الكاتب الصحافي بصحيفة «الأهرام ويكلي» ونجل الزعيم الأفريقي الراحل كوامي نكروما ود. أحمد يوسف القرعي نائب رئيس تحرير «الأهرام» ومدير تحرير السياسة الدولية. وقد أجابت الندوة عن العديد من التساؤلات التي طرحها الإعلان عن قيام الاتحاد الأفريقي الذي تم مؤخراً خلال انعقاد القمة الأفريقية في العاصمة الزامبية لوساكا. وفي بحثه حول (مستقبل الاتحاد الافريقي.. بين الأمل والحذر) قال الدكتور عبدالرحمن الصالحي: إن افريقيا التي عانت كثيرا حتى رأت منظمة الوحدة الافريقية النور في 25 مايو 1963، هي اليوم في أشد الاحتياج للخلاص من مشاكلها التي باتت مزمنة.. فالتحدي العالمي ومحاولة مواكبة المتغيرات التي تموج بها الساحتان الاقليمية والعالمية،والكوارث والنوائب التي لحقت بها وبأهلها تتطلب عدم افتقاد القارة للرأي والرؤية.. ولذلك كان من الضروري أن يدخل الاتحاد الافريقي حيز التنفيذ بعد أن نضج من حيث الدراسة والبحث.. وقد صيغت أهداف ومبادئ الاتحاد في عديد من البنود والفقرات التي تثبت أمورا كانت قائمة، وتستحدث أخرى تناسب طبيعة وظروف وحاجة القارة، وتستبعد أهدافا تحققت ولم تعد هناك جدوى من ذكرها.. كما استحدثت أساليب وآليات تنفيذ جديدة في اطار المبادئ التي ساقها القانون، وتأتي بأجهزة وهياكل سواء في صورة تجدد للقائم، أو اضافة لأزمة. ويؤكد الدكتور عبدالرحمن الصالحي على أن كل ذلك أمر طيب يأمل الجميع من خلاله أن يحقق مخرجا لافريقيا ومنظماتها من تلك الأزمات والمشاكل المزمنة، وأن يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات من حولها، وأكثر مشاركة للعالم كله والتعاون والتبادل العادلين. اتفاق الإرادة ويقول: أما المستقبل فهو ما زال محاطا ببعض المحاذير والاحتياطات التي ينبغي أن ننظر اليها بجدية، وأن نتعامل معها بفاعلية وعدم اهمال.. ولعل أبرز وأهم هذه الاحتياطات العمل على خلق حالة من الاتفاق على الحد الأدنى للارادات الافريقية الصحيحة الفاعلة بعيدا عن شوائب الخلاف والصراع بين دول القارة وقياداتها.. وذلك أن المسألة ليست في تعديل ميثاق أو استحداث قانون أو تغيير هياكل والاتيان بصيغ وآليات جديدة، ولكن أحسب وأؤكد أن الفيصل الرئيسي في المستقبل هو في اتفاق الارادة الافريقية ـ ولو على حد أدنى ـ على الفعل الصحيح اللازم. وحول فكرة الاتحاد الافريقي لدى آباء افريقيا الأول تحدث جمال نكروما قائلا انه في الفترة من انطلاق سرت الأولى في 9ـ9ـ1999، وسرت الثانية في 3ـ3ـ 2001 كان العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية يتحدث مرارا وتكرارا بأن قيام الاتحاد الافريقي هو استكمال لجهود سابقة من رواد الدعوى الى الوحدة الافريقية وفي مقدمتهم كوامي نكروما. وقال جمال إن رئيس غانا الأول ـ بعد الاستقلال عن بريطانيا ـ كوامي نكروما كان من أبرز قيادات مؤتمر مانشيستر الذي عقد بانجلترا عام 1945 لحركة «البان افريكان» وكانت فكرة مؤتمر مانشيستر هي التي قامت على أساسها فكرة الاتحاد الافريقي فيما بعد.. وكان نكروما هو الأمين العام للمؤتمر وأحد العناصر الرئيسية الأولى لحركة الوحدة الافريقية وتحولها الى حركة سياسية على مستوى القارة الافريقية كلها.. ويلاحظ في هذا المؤتمر أنه كان أول مؤتمر تشارك فيه كوادر وقيادات طلابية وعمالية جاءت من القارة الافريقية. وهذا له دلالته في تفكير نكروما. وبعد استقلال غانا في 6 مارس 1957، عقد نكروما أول مؤتمر في افريقيا للدول المستقلة في أكرا عاصمة غانا عام 1958، واشتركت في هذا المؤتمر دول سبع بالاضافة الى غانا هي: مصر وليبيا وتونس والمغرب والسودان وأثيوبيا وليبيريا. فكرة نكروما وكما هو ملاحظ هنا أيضا، أن معظم الدول المشاركة في المؤتمر كانت من شمال القارة الافريقية، وكان لذلك ايضا دلالته لدى نكروما.. ويلاحظ كذلك تأكيد نكروما على ضرورة مشاركة جمعيات ونقابات وشخصيات وزعامات غير حكومية في المؤتمر.. فالفكرة عند نكروما ليست مبنية فقط على الحكومات وإنما أيضا على الشعوب، وبالتالي يرى أنه من الضروري جدا أن تشترك الشعوب في بناء افريقيا الموحدة. وبالرغم من أن نكروما يعتبر أحد الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الافريقية في 1963، وهو الذي أصر على اسم المنظمة وهو الوحدة الافريقية إلا أنه لم يكن مستريحا للميثاق نفسه، وكان ينادي باجراء تعديلات واضافات عليه وبالتحديد فيما يخص مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ومبدأ احترام الحدود الموروثة عن الفترة الاستعمارية.. وكان نكروما يعتبر أن هذين المبدأين عائقين أمام تسريع عملية الوحدة الافريقية.. وكان ايمان نكروما الراسخ بأن العزيمة السياسية على مستوى الدول والشعوب هي التي ستحقق الوحدة وقد شن نكروما هجوما عنيفا على المنظمة من منفاه في كوناكري عاصمة غينيا بعد الانقلاب الذي أطاح به في فبراير 1966 وذلك حتى وفاته في 1972. وكان جوليوس نيريري رئيس تنزانيا الراحل من أشد المنتقدين لسياسة نكروما في البداية، ولكن نيريري في عام 1974 بعد وفاة نكروما بعامين استضاف مؤتمر حركة البان افريكان في عاصمة تنزانيا دار السلام ورد الاعتبار لأفكار نكروما.. فلماذا كان يعارضه نيريري؟! كان نيريري في فترة الستينيات يفضل تقسيم القارة الى منظمات اقليمية مختلفة بين شرق وغرب وشمال وجنوب، وهو الأمر الذي كان يرفضه ـ اضافة الى نكروما ـ كل من الرئيس الراحل أحمد سيكوتوري، ولوممبا الذين اعتبروا أن النزعة الاقليمية لدى نيريري خطر شديد على الوحدة الافريقية الشاملة. ومن غرب القارة أيضا كان هناك الرئيس السنغالي سنجور الذي كان يؤمن بفكرة أن دول جنوب الصحراء ـ أو دول افريقيا السوداء ـ هم أساس الوحدة الافريقية، وبالتالي استبعاد دول شمال افريقيا عن الوحدة.. وقد عارض نكروما هذه الفكرة بشدة، وأصر على أن تظل القارة كلها ـ شمال الصحراء وجنوبها ـ وحدة واحدة لا تتجزأ سياسيا أو اقتصاديا أو جغرافيا. كما كان هناك رؤساء أفارقة آخرون يطالبون بإنشاء جامعة أفريقية سوداء جنوب الصحراء مثل الرئيس سيسيكو وأن تكون بديلا عن منظمة الوحدة الافريقية ومناظرة للجامعة العربية في شمال افريقيا.. وكان نكروما بالطبع ضد هذه الأفكار، ولذلك نستطيع أن نقول بأن فكرة نكروما للوحدة الافريقية الشاملة هي الفكرة السائدة الآن.. وهي الفكرة التي انتصرت في النهاية. المشاركة الشعبية وفي بحثه حول أبعاد المشاركة الشعبية في الاتحاد الافريقي يرى الدكتور أحمد القرعي أن ثمة مواد تضمنها القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي تشير صراحة أو ضمنا الى استحداث المشاركة الشعبية ضمن فعاليات الاتحاد، وهي المشاركة التي لم تأخذ حقها في ميثاق منظمة الوحدة الافريقية. ويقول د.أحمد القرعي: اذا نظرنا الى الفقرات ذات الصلة بالمشاركة الشعبية الواردة في القانون التأسيسي سنجد الآتي: ـ أولا في الديباجة.. يقولون: وإذ نسترشد برؤيتنا المشتركة لافريقيا قوية وممتدة وبالحاجة الى بناء شراكة بين الحكومات وكافة فئات المجتمع المدني، وخاصة النساء والشباب والقطاع الخاص بغية التلاحم والتضامن بين الشعوب. ـ ثانيا:من بين 14 هدفا من أهداف الاتحاد رصدتها المادة الثالثة، جاءت خمسة أهداف ذات صلة بالمشاركة الشعبية، وهي: ـ تحقيق وحدة وتضامن أكبر بين البلدان والشعوب الافريقية. ـ تعزيز مواقف افريقية موحدة حول المسائل ذات الاهتمام للقارة وشعوبها والدفاع عنها. ـ تعزيز وحماية حقوق الانسان والشعوب طبقا للميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب والمواثيق الأخرى ذات الصلة بحقوق الانسان والشعوب. ـ تعزيز التعاون في جميع ميادين النشاط البشري لرفع مستوى معيشة الشعوب. ـ ثالثا: من بين 16 مبدأ من مبادئ الاتحاد الواردة في القانون التأسيسي، كان هناك مبدآن فقط لهما الصلة بالمشاركة الشعبية وهي، مشاركة الشعوب الافريقية في أنشطة الاتحاد، واحترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة القانون والحكم الرشيد. ـ رابعا: من بين 10 أجهزة يتشكل فيها الهيكل المؤسسي للاتحاد هناك جهازان فقط لهما صلة مباشرة بالمشاركة الشعبية وهما: برلمان عموم افريقيا.. والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ويسجل الدكتور أحمد يوسف القرعي أربع ملاحظات أساسية حول النصوص الواردة بشأن المشاركة الشعبية في القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي وهي: ـ أولا.. اذا كانت الأجهزة الخاصة بالمشاركة الشعبية لا ترقى من حيث العدد (إثنان فقط) والصلاحيات (مجرد أجهزة استشارية) الى مستوى الأجهزة الحكومية، فإن القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي قد ترك الباب مفتوحا في الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة الخاصة بأجهزة الاتحاد لانشاء المزيد من الأجهزة الأخرى في المستقبل قد يقررها المؤتمر الجهاز الأعلى للاتحاد وقد ينشيء بذلك أجهزة شعبية أخرى الى جانب البرلمان ـ المجلس الاقتصادي. ـ ثانيا: اذا كانت المادة السابعة عشر قد نصت في فقرتها الثانية على اعداد بروتوكول خاص بتشكيل برلمان عموم افريقيا ليوضح سلطاته ومهامه وتنظيمه قد صدر بالفعل فيعني هذا أن البرلمان سوف يواكب الأجهزة الحكومية الأخرى عند بدء فعاليات الاتحاد على أرض الواقع، هذا بخلاف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي حيث نص قانون الاتحاد على أن يحدد المؤتمر مهامه وسلطاته وتشكيله وتنظيمه، ويعني هذا تأجيل مهمة تأسيسية من مختلف المجموعات المهنية والاجتماعية للدول الأعضاء وحتى انعقاد المؤتمر الأول للاتحاد الافريقي. ـ ثالثا: أن تحديد مهام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وسلطاته وتشكيله وتنظيمه من قبل المؤتمر يتطلب توفير قاعدة بيانات كاملة عن المنظمات بالقارة كلها، ومن الأهمية أن يتوافر لدى تلك المنظمات اكتمال عناصرها المؤسسية وحيوية نشاطها واستقلاليتها عن الحكومات أو النفوذ الأجنبي، ومن الأهمية حصر تلك المنظمات بالاتحاد الافريقي عبر علاقات أقوى من النظام الاستشاري الذي يأخذ به المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في اطار التطبيق المتطور للمادة 71 من ميثاق المنظمة، والتي حددت الأسس القانونية والضرورية للعلاقات الاستشارية للمنظمات غير الحكومية.. ولاشك أن مؤتمر الاتحاد الافريقي يملك من الصلاحيات ما يمكنه من تطوير الصفة الاستشارية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ليشارك حيويا في صنع القرار الافريقي في اطار اختصاصاته.. ـ رابعا وأخيرا.. أن برلمان عموم افريقيا لم يأخذ شكله النهائي في البروتوكول الخاص به حيث نص على فترة انتقالية يتم فيها تمثيل الدول الأعضاء في البرلمان الافريقي بعدد متساو من الأعضاء، واذا كان البروتوكول لم يحدد شكل المجلس بعد الفترة الانتقالية فإن الأمر مرتبط بشحذ الفكر الافريقي لبلورة النمط المنشود للبرلمان في المستقبل، لاسيما وأن هناك تجارب برلمانية دولية واقليمية تستحق الدراسة والاستفادة من تجربتها وفي مقدمتها البرلمان الأوروبي، أما على المستوى الافريقي فنجد تجربة الاتحاد البرلماني الافريقي منذ عام 1976 الذي يحاول الآن اعادة تحديد أهدافه وشكل وطبيعة العلاقات التي سوف يقيمها مع برلمان عموم افريقيا.. ويخلص الدكتور أحمد يوسف القرعي في النهاية الى أن ايجابية المشاركة الشعبية في الاتحاد الافريقي مرهونة بتوفير قاعدة بيانات بالمنظمات الشعبية القارية الافريقية وتفعيل دورها الاستشاري عندما يتهيأ لمؤتمر الاتحاد الافريقي تعبئة جهود مختلف الاتحادات المهنية، العلمية، والثقافية، والاعلامية الافريقية لكي تصبح بحق عقل القارة وضميرها. القاهرة ـ أحمد مراد: