نظم المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية «فرع القاهرة» ندوة بعنوان «دول مجلس التعاون الخليجي وخيارات تحقيق الامن» وتناولت الندوة ثلاثة محاور رئيسية هي: الخيار الذاتي الوطني «قوات درع الجزيرة» والخيار العربي «اعلان دمشق» والاتفاقيات الامنية بين دول الخليج والغرب، وتحدث في الندوة حسب المحاور على التوالي أ.د محمد السعيد ادريس من مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية «الاهرام» وأ.د جلال عبدالله معوض استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ولواء د. احمد عبدالحليم من المركز القومي لدراسات الشرق الاوسط. وقد اشرف على الندوة السفير عبدالله بشارة مدير فرع المركز وقام بالتنسيق رئيس المركز محمد كشك وترأس الجلسة أ.د مصطفى علوي سيف وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وفي المحور الاول وهو: خيار الامن الذاتي تحدث د. محمد السعيد ادريس، موضحا الفرق بين الامن الوطني والامن القومي، وقال: يرتبط مفهوم «الأمن» في علم السياسة والعلاقات الدولية بالسياسة الخارجية لدولة ما، وفي هذه الحالة يكون الحديث عن الأمن القومي أو الوطني لهذه الدولة. وقد يرتبط بالسياسة الخارجية لعدد من الدول، وفي هذه الحالة يكون الحديث عن الأمن الإقليمي. فالأمن الإقليمي Regional security يتناول أمن مجموعة من الدول التي تشكل نظاما فرعيا في إطار النظام الدولي، ويفصل أمنها بالقوى أو القوة العظمى الدولية. وبناء على ذلك تركز دراسات الأمن الإقليمي على دراسة الأحلاف والتنظيمات الإقليمية، ومن ثم تغلب الطبيعة العسكرية على هذا المفهوم، في حين أن الأمن القومي (الوطني) National security أي أمن الدولة القومية، أو مجموعة من الدول تنتمي إلى قومية واحدة وتجمعها مصالح مشتركة (مثل الدول العربية) ليس شرطا أن تغلب عليه الطبيعة العسكرية، فهو هنا يكون له علاقة مباشرة بأمن النظم السياسية واستقرار تلك الدول. التمييز بين هذين المفهومين يفيد كثيرا في فهم معضلة الأمن في الخليج، خاصة بعد حرب الخليج الثانية، فعقب الانسحاب البريطاني من الخليج عام 1971، وكثافة الصراع الإقليمي والدولي حول الخليج ظهر مفهوم الأمن الإقليمي للخليج ليعبر عن أمن مجموعة الدول الثماني المطلة عليه أو التي لها شواطئ على الخليج وهي: إيران والعراق والسعودية والكويت والإمارات وعمان وقطر والبحرين. وفي أعقاب تشكيل مجلس التعاون الخليجي وتفجر الحرب العراقية-الإيرانية على إثر سقوط نظام الشاه في إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية ظهر نوع من الاجتزاء في مفهوم أمن الخليج، إذ درج كثيرون عند الحديث عن أمن الخليج القصد أمن الدول الست أعضاء المجلس، ولكن هذا لم يمنع، على الأقل على مستوى الدراسات العلمية، أن يبقى مفهوم الأمن الإقليمي الخليجي الذي يعبر عن النظام الإقليمي الخليجي، شاملا الدول الثماني الخليجية والقضايا المشتركة التي لها علاقة بالنفط وأمن النفط ومجمل أمن إقليم الخليج. التوسع في الحديث عن أمن الخليج المقتصر على مجلس التعاون الخليجي تزايد عقب حرب الخليج الثانية، وإخضاع كل من العراق وإيران لعقوبات أمريكية ضمن إطار سياسة الاحتواء المزدوج.وعقب ظهور الولايات المتحدة كلاعب أساسي أو كقوة إقليمية عالمية في الخليج، بحيث أن الحديث عن مثلث الصراع في الخليج الذي كان يعني الصراع حول الهيمنة الإقليمية في الخليج بين إيران والعراق والسعودية لم يعد ذات معنى، وحل محله مفهوم آخر أكثر معقولية هو «مستطيل التوتر» في الخليج الذي يعبر عن الحالة الراهنة للعلاقات الإقليمية الخليجية بين أربعة أطراف رئيسية هي: إيران والعراق ومجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصبحت العلاقات البينية، في مجملها، علاقات صراعية فيما عدا العلاقات بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي. أولا: مشروعات الأمن الخليجي عقب انتهاء حرب الخليج الثانية كان لابد من التفكير في منظومة جديدة للأمن في الخليج تعبر عن حقيقة الأوضاع الجديدة وموازين القوى القائمة، وتعكس في الوقت ذاته طموحات كافة الأطراف وأهدافها السياسية. ولذلك ظهرت مجموعة من المشروعات والاجتهادات تهدف كلها، بشكل أو بآخر إلى تحقيق الأمن في الخليج من منظور أصحابها أهمها: المشروع الأمريكي، والمشروع الأوروبي، والمشروع الإيراني والمشروع المصري وأخيرا المشروع الخليجي. 1- المشروع الأمريكي: كانت الولايات المتحدة هي أول من بادر بالدعوة إلى ضرورة قيام نظام أمني جديد في الخليج يضمن عدم تكرار تجربة الغزو العراقي للكويت ويحول دون ظهور أي قوة إقليمية في المنطقة يكون في مقدورها تهديد المصالح الأمريكية أو تهديد أمن واستقرار الدول الصديقة في منطقة الخليج. وكان يحكم الاجتهادات الأمريكية بهذا الخصوص محددات عدة أبرزها: تأكيد قيادة الولايات المتحدة (النظام العالمي الجديد) وتثبيت الزعامة الأمريكية المنفردة لهذا النظام، والحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة وبالذات النفط وإسرائيل واستقرار الأنظمة الصديقة، ثم، وهذا هو الجديد، الحرص على الربط بين النظام الأمني الجديد للخليج والمشروع الأمريكي الخاص بتأسيس نظام شرق أوسطي جديد يتجاوب ويمتزج بالنظام العالمي الجديد الذي تريده واشنطن. ومن هنا كان الربط الأمريكي بين النظام الأمني الخليجي الجديد والعناصر الأخرى لمشروع النظام الشرق أوسطي وخاصة تسوية الصراع العربي الإسرائيلي وتطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية، وضبط التسلح في المنطقة بما يمنع من ظهور قوة إقليمية أخرى يكون في مقدورها تهديد المصالح الأمريكية، أو إعاقة المشروع الأمريكي لسلام الشرق الأوسط. 2- المشروع الأوروبي: يتناغم هذا المشروع، بدرجة ما، مع المشروع الأمريكي، فيما يتعلق بتثبيت الوجود العسكري الغربي في الخليج، والربط بين الأمن الخليجي والمشروع الإقليمي الجديد للشرق الأوسط، وقد ظهرت العديد من الاجتهادات بهذا الخصوص كان أبرزها المبادرة التي عرضتها إيطاليا وأسبانيا في سبتمبر 1990، و تتبلور حول فكرة تأسيس مؤسسة سياسية شرق أوسطية تضم الدول الخليجية مع دول شرق أوسطية أخرى على غرار مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي. 3- المشروع الإيراني: كانت إيران حريصة بطرح هذا المشروع انطلاقا من أمرين، أولهما استثمار الدور الإيراني المحايد في حرب الخليج الثانية وتأكيد الوجود الإيراني الفاعل في معادلة الأمن الإقليمي في مواجهة أي جهود ترمي إلى إقصاء إيران واستثنائها عن الأمن الإقليمي للخليج، وثانيهما الحد من الوجود العسكري الأمريكي باعتباره خطرا على المصالح الإيرانية. وقد ظهرت عناصر المشروع الإيراني في تصريحات عدد من كبار المسئولين الإيرانيين وفي مقدمتهم الرئيس (السابق) هاشمي رافسنجاني وبالذات في خطبة الجمعة يوم 21/9/1990، حيث عرض ما أسماه بـ«مشروع السلام الإسلامي»، وتدعم بمقترحات أخرى عرضت بعضها صحيفة «كيهان». 5- المشروع الخليجي: لم تطرح دول مجلس التعاون مشروعا محددا لبناء النظام الأمني الجديد في الخليج. فليست هناك صيغة رسمية معترف بها بهذا الخصوص، ولكن البيانات الختامية الصادرة عن اجتماعي قمة الدوحة (ديسمبر 1990) والكويت (ديسمبر 1991) واجتماعات وزراء الخارجية ووزراء الدفاع خاصة اجتماع الدوحة (20نوفمبر1991) تضمنت مجموعة من الرؤى والتصورات للنظام الأمني المرغوب فيه بالخليج للحفاظ على أمن واستقرار دول المنطقة وسيادتها على ثرواتها وأراضيها، أهمها : ـ الدفاع الجماعي الخليجي، وذلك بتشكيل قوة دفاعية خليجية موحدة تتولى الدفاع عن دول المجلس، حيث تم تشكيل لجنة أمنية عليا لهذا الغرض بقرار قمة الدوحة (ديسمبر1990) برئاسة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان، وتضم في عضويتها رؤساء أركان جيوش دول المجلس وكبار الضباط والخبراء العسكريين لوضع استراتيجية أمنية تكفل تحقيق الدفاع الجماعي بين دول المجلس. ـ إزالة أسلحة الدمار الشامل من المنطقة نظرا لما تسببه من مخاطر. ـ إلزام العراق بتنفيذ كل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تنفيذا كاملا. ـ إقامة منطقة منزوعة السلاح بين الكويت والعراق ترابط فيها قوات من الأمم المتحدة تحت إشراف دولي. هذه التصورات الأربعة كانت لها الأولوية في أعقاب تحرير الكويت مباشرة، ومع استمرار مناخ الأزمة تبلورت ثلاثة أبعاد أخرى للنظام الأمني الخليجي من منظور دول المجلس هي: ـ البعد العربي ضمن بنود اتفاق أو إعلان دمشق. ـ البعد الدولي بالحفاظ على دور للقوى الدولية في حماية الأمن الخليجي. ـ البعد الإقليمي بالحرص على الحفاظ على علاقات حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وتنمية علاقات التعاون المشترك، لكن مع تخبط وتردد في تحديد الدور الأمني لإيران في نظام الأمن الخليجي. وقد تبلورت الرؤية الخليجية فيما بعد في مشروعات عبر عنها كل من الأستاذ عبدالله بشارة الأمين العام (السابق) لمجلس التعاون، وسيف بن هاشل المسكري الأمين العام المساعد للشئون السياسية (السابق) للمجلس، كما طرح طارق رزوقي سفير الكويت (الأسبق) في باريس تصورا كويتيا من ثلاثة مستويات للحفاظ على الأمن الكويتي باعتباره مكمن الخطر في بنية الأمن الخليجي. ثانيا: النظام الأمني الخليجي بعد الأزمة تحليل تلك المشروعات للنظام الأمني الخليجي الجديد، بعد انتهاء الأزمة التي فجرها الغزو العراقي للكويت، يكشف عدة حقائق، أولها أنها كانت مجرد اجتهادات وصياغات نظرية لا تعبر عن خصوصيات الواقع الخليجي، كما لم تكن تعبر عن خيارات وسياسات مدروسة من جانب الأطراف المعنية، ثانيها أنها كانت وليدة مناخ الأزمة وتداعياتها، وثالثها أنها تعاملت مع الدول الست أعضاء مجلس التعاون الخليجي على أساس أنها تمثل تكتلا واحدا صهرته الأزمة، وأنها سوف تسعى، حتما، إلى اتباع سياسة اندماجية جديدة بعد الأزمة، وأن النظام الأمني الخليجي الجديد سيكون تعبيرا عن هذه السياسة الاندماجية الخليجية. لذلك تراجعت كل هذه المشروعات أمام الواقع الجديد الذي خلفته الأزمة، وعادت تفكر بهدوء وبما تمليه عليها مصالحها الذاتية المباشرة، وما فرضته الأزمة من واقع سياسي جديد. وأهم ملامح هذا الواقع تلك المتغيرات التي لحقت بإدراك دول مجلس التعاون لمفهوم أمن الخليج والخصائص التي اكتسبها هذا المفهوم الجديد للأمن بفعل الأزمة وتداعياتها. 1 ـ البناء الذاتي للقوة العسكرية: لقد وظفت دول مجلس التعاون الشعور بالاحباط واليأس وعدم الثقة في العمل العسكري الموحد وربما في العمل العسكري العربي كله لمواجهة اي عدوان، في اتجاهين. الاول يؤكد أولوية الأمن الذاتي على الأمن الجماعي ومن ثم يركز على البناء الذاتي العسكري لكل دولة ، وعقد كل ما تريد من اتفاقات وتحالفات عسكرية . والثاني ، إعطاء مسئولية الأمن الذاتي (الوطني) على الأقل في المرحلة الأولى للقوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها الفضل الأول في تحرير الكويت . وهكذا حسم الخلاف حول طبيعة النظام الأمني الخليجي ليرتكز على قاعدة الأمن الذاتي بعد أن فشلت الدول الست أعضاء المجلس على اتخاذ موقف موحد من إعلان دمشق ، وإزاء العلاقة مع إيران ، وانتهى الأمر بالاتفاق على «الإطار الثنائي» وليس «الإطار الجماعي» كأساس لهذه العلاقة. كما حسم الخلاف أيضا لصالح الأمن الذاتي بعد استبعاد إبرام اتفاق أمني جماعي مع الولايات المتحدة ، والاتفاق على ترك الحرية لكل دولة من دول المجلس لعقد اتفاق ثنائي على غرار الاتفاق الكويتي الأمريكي، وذلك على عكس ما كانت ترغب الولايات المتحدة ، حيث عملت من خلال الجولة التي قام بها ديك تشيني وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (نائب رئيس الجمهورية حاليا) في مايو 1991 على إعداد مشروع اتفاق دفاعي شامل بين الولايات المتحدة ودول المجلس مجتمعة . إلا أن اختلاف دول المجلس حول هذا المشروع دفعها للقبول بالإطار الثنائي للعلاقات العسكرية والأمنية مع دول المجلس بدلا من الاتفاق الجماعي. 2- التنسيق الدفاعي ضمن إطار المجلس : على الرغم من أن هذا التنسيق كان محور الالتقاء بين دول المجلس في إطار النظام الأمني الجديد وكان الطموح الأساسي هو وضع استراتيجية دفاعية خليجية ضمن إطار المجلس فإنه تقلص إلى مجرد مستوى من مستويات بناء نظام الدفاع الذاتي لكل دولة ، ولكنه ، وفي السنوات الأخيرة أخذ يعود مجددا كركيزة أساسية من مرتكزات العمل المشترك ضمن إطار المجلس وليس كمجرد إجراء ذاتي دفاعي داخلي. وأصبح هدف التكامل والتنسيق بين جيوش دول المجلس وأنظمتها التسليحية هو محور النظام الأمني الخليجي إلى جانب الاتفاقيات الأمنية المشتركة مع الولايات المتحدة وباقي الدول الحليفة، وقد ظهرت مشروعات عدة لتطوير علاقات التكامل والتعاون والتنسيق بين جيوش دول المجلس من أهمها المشروع المعروف بـ«حزام التعاون» حيث وقع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي في شهر يونيو 1998 عقدا مع شركة «هيوز» الأمريكية لتنفيذ مشروع حزام التعاون الذي يربط رادارات جيوش دول التعاون ، وذلك تطبيقا لقرار قمة مجلس التعاون الخليجي الثامنة عشرة التي عقدت في الكويت (ديسمبر 1997) . ويقوم هذا المشروع على إقامة شبكات الرادارات والإنذار الجوي المبكر لجيوش دول مجلس التعاون وتبلغ تكاليف المشروع نحو 8 ملايين دولار. هناك أيضا مشروع «الاتصالات المؤمنة» الذي يستهدف ربط مراكز العمليات والقيادات العسكرية في الدول الخليجية الست أعضاء المجلس بشبكة اتصالات خاصة مباشرة ، وتبلغ تكاليف هذا المشروع حوالي 70 مليون دولار . وإلى جانب هذين المشروعين يوجد اقتراح بزيادة عدد قوات درع الجزيرة من 4000 إلى 25.000 جندي واقتراح آخر بتوحيد القيادة العسكرية حيث يرى الخبراء أنه لابد لهذه القوات من وجود قيادة عسكرية مشتركة تعطي صلاحية كافية فيما يتعلق بمسائل التسلح والتدريبات العسكرية ، وتكون تابعة مباشرة لمجلس التعاون الخليجي ، ولكن مشكلة هذا الاقتراح أنه يصب في خانة «الأمن الجماعي» وليس الأمن الذاتي كما أنه يأخذ بمجلس التعاون في الاتجاه المرفوض أو المتحفظ عليه أي تنظيم فوق الدول ، فما زالت الرؤية الغالبة هي الاكتفاء بالمجلس كمجرد إطار تشاوري ومن ثم سوف تبقى العلاقات العسكرية في إطارها التعاوني ، ليتفرد نظام الأمن الذاتي على النظام الأمني الخليجي في ظل سيطرة أولوية السيادة الوطنية من ناحية ، وفي ظل الثقة ثانيا في أهمية الوجود العسكري الأمريكي، والإبقاء على الاتفاقيات الأمنية الثنائية مع الولايات المتحدة. الخيار العربي في المحور الثاني للندوة تحدث د.جلال عبدالله معوض عن الخيار العربي لامن الخليج وتجربة «اعلان دمشق» فقال: تستهدف هذه الورقة بحث جوانب اعلان دمشق عناصره وتطوراته وعوامل إخفاقه، بالرغم مما أثاره في البداية من توقعات إيجابية باعتباره خيارا عربيا ممكنا لضمان أمن الخليج أو بالأحرى أمن دوله العربية الست. أولا: اجتماع القاهرة في فبراير 1991 والتمهيد لإعلان دمشق: قبل (13) يوما من نهاية حرب الخليج الثانية في 28/2/1991، تبلورت الجهود العربية الهادفة إلى تنسيق مواقف الأطراف العربية المشاركة في «التحالف الدولي» المضاد للعراق في بيان صادر عن اجتماع عقد في القاهرة يومي 15-16 فبراير 1991 بين وزراء خارجية مصر وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجي الست، ونص البيان على أن الوزراء الثمانية قد تدارسوا التنسيق والتعاون فيما بين دولهم لمرحلة ما بعد تحرير الكويت في كافة المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية سعيا لبعث روح تضامنية جديدة بين الدول العربية. قرر اعلان دمشق ثلاثة اهداف مترابطة هي: ـ ملاءمة الظروف العربية والإقليمية لعقد مؤتمر دولي للسلام في المنطقة. ـ التزام الدول الثماني بميثاق الجامعة العربية وبمعاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، وبكون التنسيق المشترك غير موجه لأحد. ـ سعي الأطراف المشاركة إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل خاصة الأسلحة النووية. وفي إطار الهدف الثاني، اعتبر المشاركون ـ بعد الإشارة إلى المادة التاسعة من ميثاق الجامعة العربية ـ أن وجود القوات المصرية والسورية على أرض المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى في منطقة الخليج تلبية لرغبة حكوماتها بهدف الدفاع عن أراضيها يمثل نواة لقوة سلام عربية تُعد لضمان أمن وسلامة الدول العربية في منطقة الخليج ونموذجا يحقق ضمان فاعلية النظام الأمني العربي الدفاعي الشامل. ملاحظات حول مضمون إعلان دمشق وآليات تنفيذه: من متابعة الصيغة الأصلية لإعلان دمشق، يمكن ملاحظة ما يلي: 1- طموح الإعلان و«نضجه» في طرح تصور عربي لأمن دول الخليج العربية، حيث بدأ التصور الخليجي لترتيبات الأمن المستقبلية متضمنا و«متوافقا» مع تصوري مصر وسوريا، وذلك بتأكيد الفقرة المعنية بهذه الترتيبات في الإعلان على أن «أمن دول الخليج العربية قد يُعد مسئولية عربية، وأنه لهذا الغرض سيتم إنشاء قوة عربية خاصة سيُعهد إليها حماية وضمان أمن هذه الدول وستكون نواتها القوات المصرية والسورية الموجودة في السعودية وغيرها من هذه الدول، وأن تلك القوة ستكون نموذجا يحقق فاعلية النظام الامني العربي الدفاعي الشامل. 2- غموض الإعلان على صعيد آليات التنفيذ لتحقيق العمل الأمني المشترك بين دوله الثماني؛ فقط سكت الإعلان، باستثناء اجتماعات وزراء الخارجية في عواصم هذه الدول بالتناوب، عن تحديد إجراءات واقعية تكفل تحويل الرؤية «البراقة» الواردة فيه إلى واقع عربي ملموس. 3 ـ حساسية إعلان دمشق تجاه إيران ودورها في أمن الخليج، لم تشر الفقرة المعنية بالترتيبات الأمنية «المستقبلية» في الخليج إلى «أمن الخليج»، وإنما أشارت إلى «أمن وسلامة الدول العربية في الخليج». 4- عدم إشارة إعلان دمشق إلى الدور الأمريكي في منطقة الخليج بعد الحرب، ويبدو ذلك متسقا مع الطرح العربي الوارد في الإعلان للترتيبات الأمنية في المنطقة بعد الحرب، بيد أن الإقرار بهذا الدور الأمريكي جاء بعد ذلك عقب لقاء وزير الخارجية الأمريكي «جيمس بيكر» مع وزراء خارجية دول الإعلان في «الرياض» في 10/3/1991، حيث أصدر الوزراء بيانا أعربوا فيه عن «تقديرهم لمساهمة الولايات المتحدة في تحرير الكويت» وأكدوا «أهمية التعاون المشترك من أجل منع تكرار ما حدث. فشل الاعلان أسهمت عوامل ومشكلات عديدة في إخفاق دول إعلان دمشق الثماني في تحقيق الأهداف الواردة في الصيغة الأصلية للإعلان المتفق عليها في مارس 1991 وبخاصة ما يتعلق منها بالتنسيق الأمني (تشكيل قوة عربية) وكذلك ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي، وتم «التراجع» عمليا عن هذه الأهداف والنص رسميا على هذا التراجع في الصيغة المعدلة للإعلان في 19/7/1991 والتي جاءت مختلفة عن الصيغة الأولى ولم يكن مصيرها بأفضل من سابقتها. ولعل ابرز اسباب هذا الفشل الدور الايراني والدور الامريكي. واتساقا مع التوجه الخليجي، وتداعيات سحب القوات المصرية والسورية من الخليج خلافا للمنصوص عليه في الصيغة الأولى لإعلان دمشق، تم تعديل الإعلان في اجتماع وزراء خارجية الدول الثماني في الكويت في 19/7/1991 وانصب التعديل على الفقرة الواردة ضمن أهداف التنسيق والتعاون والخاصة بتشكيل قوة عربية لحفظ أمن الدول الخليجية العربية. حصاد التجربة يمكن تقويم تجربة اعلان دمشق ودلالاتها المستقبلية فيما يلي: ـ أن الإعلان جُمد فعليا كإطار للتنسيق والتعاون الأمني والاقتصادي بين الدول الثماني ، وبات أقرب واقعيا إلى مجرد تجمع أو «منتدى» سياسي يعني بتحقيق قدر من التنسيق السياسي بين مواقف الدول الأعضاء وسياساتها إزاء قضايا عربية وإقليمية . وفي سياق هذه الوظيفة ستظل فاعلية هذا التجمع على الارجح اقل من فاعلية مجلس التعاون الخليجي. أن الإنجاز السياسي و«الأمني» الأكثر أهمية لتأمين دول الخليج العربية بإسهام شريكتيها في إعلان دمشق سيظل مرتبطا بمدى قدرة إسهام الأخيرتين وبخاصة مصر في تسوية الأزمة العراقية الكويتية خصوصا وأن للبلدين (أي مصر وسوريا) علاقات طيبة مع الكويت والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى (الأكثر انفتاحا في التعامل مع الموضوع العراقي) وكذلك علاقات آخذة في التطور مع العراق اقتصاديا وسياسيا. وتناولت الندوة ايضا الاتفاقيات الامنية بين دول الخليج والغرب وتحدث في هذا المحور اللواء د. احمد عبدالحليم حيث قال: ظهرت الحاجة إلى طرح رؤية وطنية للأمن الخليجي، ونابعة من داخله، تصوغ المفاهيم وتأخذ بعين الاعتبار الأهداف والمصالح الأمنية المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي ، وتقف في نفس الوقت على التهديدات والتحديات والمخاطر الإقليمية التي تحيط به وتدفع في اتجاه عناصر الاتفاق وتتجاوز مواطن الخلاف والفرقة، خاصة أن أمن الخليج موضوع معقد ومتشابك قد يختلف في تفسير طبيعته وجوهره تبعا للأحداث التاريخية التي مرت بها منطقة الخليج، وتبعا للانعكاسات المتبادلة بين الأمن الخليجي والأمن الإقليمي العربي والأمن الدولي، فضلا عن أنه منذ بداية الثمانينيات وحتى الآن لم تشهد منطقة الخليج استقرارا كاملا أو أمنا شاملا، وعلى الرغم من النمو الاقتصادي الكبير الذي تشهده بعض دول المنطقة، فإن المصدر الرئيسي للتوتر وعدم الاستقرار كان نابعا من داخل المنطقة نتيجة لطموحات بعض دولها وتوجهاتها للهيمنة الإقليمية على منطقة الخليج. ولعل ابرز المتغيرات التي ادت الى قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية والذي اعلن عنه رسميا في ابوظبي في 26 مايو 1981 هي: ـ التغيرات الجذرية في العلاقات الاقتصادية العالمية التي نتجت عن انتقال السيادة النفطية من الشركات والدول الكبرى المستهلكة للنفط إلى الدول المنتجة له. ـازدياد أهمية منطقة الخليج كمنطقة تنتج نسبة كبيرة مما يحتاجه العالم من النفط، وهو الأمر الذي يفسر الضغوط التي مورست على الدول النفطية الخليجية، ليس فقط لاستنزاف نفطها، ولكن أيضا عائدات هذا النفط. ـ القناعات التي توصلت إليها دول الخليج من أن مشاكل الأمن والاستقرار لم تعد مسئولية عربية جماعية فقط، ولكن أيضا مسئولية دول الإقليم الفرعي العربي. بمعنى أن التعامل مع شكل وجوهر هذه المشاكل على المستوى الخليجي يعد أمرا مهما، بل يعد إضافة إلى المسئولية العربية الجماعية عن الأمن والاستقرار. ـ الحرب العراقية ـ الإيرانية، والرسالة الواضحة من هذه الحرب والتي تشير إلى أنه على دول الخليج أن تفكر وتتصرف بصورة غير تقليدية، وأن تعتمد على نفسها ووسائلها الخاصة لتأمين دولها، وتأمين منطقة الخليج العربية بصفة عامة. ـ التفكير في ضرورة صياغات أمنية جديدة تقوم على أساس تضامن خليجي يحافظ على الاستقرار والأمن، ويوفر القاعدة الصلبة لمواجهة مشاكل التنمية بكافة جوانبها. وقد حقق مجلس التعاون لدول الخليج خلال الفترة السابقة (عشرون عاما) نجاحات عديدة، واستطاع تثبيت أسسه وتحقيق العديد من أهدافه، وأهم هذه الأهداف هي: ـ تعاملت دول المجلس مع مخاطر الثورة الإيرانية تعاملا جماعيا وتمكنت من الصمود في وجه التهديدات بتصدير الثورة. ـ تعاملت دول المجلس بنجاح مع الإفرازات العنيفة للحرب العراقية-الإيرانية. ـ وقفت كل دول المجلس لمساندة دولة الكويت سياسيا وعسكريا خلال حرب الخليج الثانية، وشاركت مشاركة فعلية-في إطار التحالف الدولي في العمليات العسكرية لتحرير الكويت. ـ استطاعت دول المجلس تخفيف حدة التوترات الداخلية، خاصة الملحة منها، وخلقت فيما بينها أجواء آمنة وعلاقات بينية أدت إلى التعايش السلمي الذي وفر مناخا ملائما لعمليات التنمية. ـ وتمكنت دول المجلس على الصعيد الاقتصادي من إقرار المبادرات العامة للعمل الاقتصادي المشترك، الذي أخذ يدخل نطاق التطبيق تدريجيا. ـ وفي المجال الخارجي أصبح مجلس التعاون منظمة إقليمية ومعروفة على الصعيد العالمي، وذات مواقف سياسية موحدة تجاه التطورات الإقليمية والعالمية، وأيضا تجاه المواقف والتغيرات النفطية بكافة جوانبها. ـ وعلى الصعيد العسكري، ونتيجة للأحداث العنيفة التي شهدتها منطقة الخليج فقد ركزت دول المجلس على البناء الاستراتيجي للقوة المسلحة، وقطعت شوطا لا بأس به في هذا السياق، وبرز ذلك في محاولات تطوير قوة كل دولة خليجية على حدة، وتطوير قوة درع الجزيرة، واستكمال ذلك باتفاقات دولية. تطور فكرة الأمن الخليجي كشفت نتائج حرب الخليج الثانية عن أربع حقائق مهمة هي: ـ أن مجلس التعاون لدول الخليج غير قادر بمفرده على حماية الدول الأعضاء من أي تهديد خارجي بسبب القصور الشديد في سياسات دفاع المجلس، وفي الاتفاق على استراتيجية عسكرية موحدة يتم عليها البناء الاستراتيجي للقوة المسلحة. ـ عدم تمكن المجلس من إيجاد معادلة سياسية ـ استراتيجية للعلاقات الإقليمية مع العراق وإيران ، كما أنه غير قادر على الأقل حاليا على تحقيق توازن في القوى مع هاتين القوتين لتأمين الاستقرار والتعاون الإقليمي. ـ بروز الولايات المتحدة كقوة وحيدة على قمة النظام العالمي الجديد، وأنها القوة الوحيدة في العالم القادرة على الحركة الحرة سياسيا وعسكريا في كل أقاليم العالم ، مع حرصها الشديد على التفرد بالسيطرة على الخليج لتأمين الإمدادات النفطية. ـوجود خلل حاد في العلاقات العربية ـ العربية، مع عدم قدرة العرب مجتمعين نتيجة للمشاكل الأمنية المتعددة في كافة أنحاء المنطقة العربية على تأمين الخليج ضد التهديدات المتعددة. ومنذ انتهاء حرب الخليج الثانية، لا تزال مشكلة الأمن والاستقرار تمثل هاجسا مشتركا لدول المجلس قاطبة، ومما ضاعف من هذه المشكلة تعدد الأطراف المهتمة بالمنطقة ، ورغبة كل طرف في فرض منظوره الأمني عليها . وبدأت داخل المجلس نقاشات كثيرة حول أنسب أسلوب لتطوير فكرة الأمن الخليجية، بما يتناسب مع التهديدات المدركة ، وعناصر القوة المتاحة، في إطار توازنات محلية وإقليمية ودولية حاكمة . وفي هذا الإطار ظهرت عدة أفكار تطورت خلال سنوات ما بعد حرب الخليج الثانية، نتيجة لتطور النظام الدولي ، والمتغيرات التي حدثت في النظام الإقليمي. وقد وضع ذلك كله دول مجلس التعاون الخليجي أمام ما يمكن وصفه بمعضلة الخيارات، وضرورة إيجاد البدائل السياسية والاستراتيجية والعسكرية الملائمة لتحقيق الأمن الخليجي. في البداية، كان التفكير في ضرورة إيجاد ثلاث دوائر أمن استراتيجية ، تتكامل فيما بينها ، وتحقق كل دائرة الهدف منها . وتتبلور هذه الفكرة في الآتي : ـ الدائرة الأمنية الاستراتيجية الأولى: تقوية كل دولة خليجية على حدة ، مع تقوية قوات درع الجزيرة (المستوى المحلي ـ الإقليمي الفرعي) وفي إطار ذلك تسعى كل دولة خليجية على حدة وخاصة دولة الكويت ودول النسق الأول الاستراتيجي في مواجهة التهديدات المدركة بإعادة تطوير قواتها المسلحة ، وإمدادها بأحدث نظم السلاح المتوفرة في الأسواق العالمية ، مع تطوير عناصر القيادة الاستراتيجية والمخابرات الاستراتيجية، بما يضمن بناء استراتيجيا للقوة المسلحة يكون قادرا على مواجهة التهديد إذا وقع لفترة زمنية كافية لحين تدخل النسق الدفاعي الاستراتيجي الثاني ، وهو في هذه الحالة قوات درع الجزيرة . ويراعى خلال تدبير نظم السلاح لكل دولة خليجية ، أن تتوافق هذه النظم وتتكامل مع دول الخليج الأخرى .ومع إجراء عمليات التنسيق المختلفة في إطار قوات درع الجزيرة ، يتم صياغة سياسة دفاعية محددة ، يصحبها بناء استراتيجية عسكرية موحدة ، وبناء استراتيجيا للقوة المسلحة قادرا على مواجهة التهديد إذا وقع لفترة زمنية أكبر لحين تدخل النسق الدفاعي الاستراتيجي التالي. ـ الدائرة الأمنية الاستراتيجية الثانية: 1 ـ المستوى العربي :وبني هذا التصور في المراحل الأولى بعد التحرير ، على أساس تواجد عسكري عربي في الخليج . وتتم فكرة الدفاع في هذا المستوى على أساس قدرة قوات الدائرة الأمنية الاستراتيجية الأولى ، إضافة للقوات العربية المتواجدة بالفعل على مسرح عمليات الخليج ، على الدفاع لفترة زمنية مناسبة تسمح بمزيد من عمليات النقل الاستراتيجي لقوات عربية إضافية لدعم العملية الدفاعية الاستراتيجية بقوات عربية كافية لصد العدوان وقد تبلور هذا المستوى في فترة ما بعد انتهاء حرب الخليج الثانية في إعلان دمشق ، والذي يضم دول الخليج الست إضافة إلى مصر وسوريا. وكان من المفترض أن تدعم قوات عربية أخرى تحت غطاء جامعة الدول العربية دول إعلان دمشق، إذا ما اقتضت الضرورة ذلك . وقد بنيت فكرة هذا المستوى على أهمية ربط الأمن الخليجي بنظام الأمن العربي ، وأن يكون هذا المستوى وسيطا بين الدائرتين الأمنيتين الاستراتيجيتين الأولى والثالثة ، إذا ما اقتضت الضرورة اشتراكها في التأمين. ـ الدائرة الأمنية الاستراتيجية الثالثة: 2 ـ المستوى الدولي: كان المفترض أن يكون هذا المستوى بمثابة الاحتياطي الإستراتيجي لتأمين الخليج، والورقة الأخيرة في بناء العملية الدفاعية الاستراتيجية عن منطقة الخليج. ففي حالة استنزاف موارد وقوات الدائرتين الأمنيتين الأولى والثانية، مع استمرار وجود خلل في توازن القوة بين قوات الدفاع والقوات المهاجمة، تقوم قوات هاتين الدائرتين بالدفاع لفترة زمنية مناسبة تسمح بانتقال قوات المستوى الدولي لدفع العملية الدفاعية الاستراتيجية . وفي التصور العام لفكرة الدفاع الاستراتيجي عن الخليج ، كان احتمال اشتراك هذا المستوى ضئيلا ، خاصة مع وجود السيطرة الأمنية الكاملة للولايات المتحدة وحلفائها على العراق ، وبنسبة كبيرة على إيران ، في إطار سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، خاصة في شقها الخاص بالاحتواء المزدوج (لكل من العراق وإيران). ولم يستمر هذا التصور كثيرا . وحذفت من الفكرة العامة للدفاع الاستراتيجي الدائرة الأمنية الاستراتيجية الثانية (المستوى العربي) لأسباب إقليمية ، وأخرى دولية أهمها عدم رغبة الولايات المتحدة في مشاركة عربية لتأمين الخليج . وقد أدى ذلك إلى وجود القوات المسلحة الأجنبية الأمريكية بصفة خاصة على أرض الخليج . كما تواجدت قوات بحرية أمريكية قوامها الأسطول الخامس الأمريكي في مياه الخليج، كما تشكلت قيادة متقدمة لهذا الأسطول في البحرين ، إضافة لقيادات أمريكية عملياتية وتكتيكية مختلفة في عدد من الدول الخليجية . وبدأت التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الخليجية في كل الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة : البرية ، والبحرية ، والجوية .وفي إطار ذلك كله عقدت اتفاقيات دفاعية أمنية مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. دلالات المتغيرات الجديدة على فكرة الأمن الخليجي أبرزت أزمة الخليج الثانية الدور الأمريكي الفاعل والمؤسس على القيام بالمواجهة والمنسق لأدوار الآخرين و الملتزم في نفس الوقت بالبحث عن كيفية احتواء التأثيرات الجانبية التي تؤثر على صيغة وقوة وصلابة عملية الحشد الدولي . وفي نفس الوقت ، قامت الولايات المتحدة برسم حدود الدور الذي ستقوم به وحدود أدوار الآخرين ، وذلك من خلال قبول أو رفض ما يطرحونه من أفكار وسياسات ومبادرات ، ووقوفها خلف توظيف المنظمة الدولية (منظمة الأمم المتحدة) وأجهزتها المختلفة في توفير غطاء الشرعية الدولية للعمل السياسي والعسكري التي استندت عليها في عملية تحرير الكويت. ورغم أن النظام العالمي الجديد الذي بشرت به الولايات المتحدة كان ينبئ بإعمال معايير العدالة وعدم استخدام القوة والاعتماد المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ، إلا أن الولايات المتحدة استمرت خلال سنوات ما بعد الأزمة في لعب الدور الذي حددته لنفسها من قبل . وقد بدأ هذا الدور خلال أزمة الخليج الثانية ، واستمر بعد ذلك كما هو ، واستمر اعتماد الولايات المتحدة على استخدام القوة العسكرية لحل مشاكل سياسية . وتجلى ذلك في أوضح صوره في استخدام الولايات المتحدة في إطار حلف الأطلسي للقوة العسكرية في حل مشكلة كوسوفو في يوغسلافيا السابقة على المسرح الأوروبي . وبذلك فإن هذا النمط من استخدام القوة أصبح دستورا ومنهجا للولايات المتحدة تستخدمه في كافة أقاليم العالم ، وبصفة خاصة في الشرق الأوسط ، وبصفة أخص في منطقة الخليج. التناقضات العربية ومن جانب آخر ، كشفت حرب الخليج الثانية عن تأثير التناقضات العربية والخلل في هياكلها على قدرة العالم العربي على الاستمرار بصيغته القديمة ، وفي قدرته على استيعاب المتغيرات الاقتصادية في النظام العالمي والتأقلم معها . فقد أثبتت الحرب انهيار بنيته التحتية أو على الأقل تخلفها ، وهي البنية التي تمثل الأسس التي يجب توافرها في أي نظام إقليمي ،والتي تعتمد على وجود حد أدنى من القيم والمصالح المشتركة ، ووجود مؤسسات وآليات لرعاية هذه القيم والمصالح ، وتحقيق التوافق المستمر بينها وبين الشرعية الدولية وآلياتها. ونتيجة لذلك ، يمكن القول بأن النظام العالمي الراهن يدفع إلى تقليص حرية الحركة المتاحة للنظم الإقليمية والإقليمية الفرعية ، ومما يضاعف من تأثيرات هذه النتيجة قيام بعض وحدات هذه النظم بوضع ترتيبات وضمانات أمنية مع القوى الكبرى ، وبصفة خاصة الولايات المتحدة . ويمثل ذلك قمة دلالات المتغيرات الجديدة على فكرة الأمن الخليجي. ـ أمن الخليج في السياسة الأمريكية وحلفاء الأطلسي: حدد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في السادس من فبراير 1991 تصور الإدارة الأمريكية ورؤيتها للوضع في الخليج والشرق الأوسط بعد انتهاء حرب تحرير الكويت ، حيث طرح خمسة تحديات اعتبر أن الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط (بما في ذلك الخليج) سوف تواجهها ، وهي : الأمن في الخليج ، والحد من انتشار أسلحة التدمير الشامل ، وإعادة البناء بعد الحرب ، والسعي لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي، والرغبة الأمريكية في خفض الاعتماد على الطاقة المستوردة . واعتبر بيكر أن أزمة الخليج تعتبر أهم تطور يصلح لاستخدامه كأداة لتطوير نظام عالمي جديد لمرحلة ما بعد الحرب الباردة . وفي إطار ذلك ينبغي على الولايات المتحدة السيطرة على نفط الخليج لصون المصالح الاقتصادية الأمريكية، وإبعاد المخاطر التي تشكل تهديدا لهذه المصالح في المدى المتوسط والبعيد . وتعتبر تصريحات بيكر مؤشرا واضحا على موقع أمن الخليج من أولويات الاستراتيجية الأمريكية ، والتي يتم على أساسها تطوير القدرة العسكرية لقوات القيادة المركزية الأمريكية (قوات الانتشار السريع)، وضمان تحقيق الاستقرار الإقليمي للمنطقة ، ودعم التسهيلات الممنوحة من دول المنطقة للآلة العسكرية الأمريكية ، لتسهيل تدفق النقل الاستراتيجي ، وتحقيق الفتح الاستراتيجي الأمريكي بالشكل الذي يضمن إزالة أي تهديد لمنطقة الخليج. كانت الرؤية الأمريكية للترتيبات الأمنية لمنطقة الخليج قبل أزمة الخليج الثانية طبقا لتصريحات بيكر ، تتوقع ترتيبات أمنية إقليمية في إطار شبكة جديدة من العلاقات الأمنية، مع عدم استثناء أي دولة إقليمية (يعني إسرائيل) ، وأن تدعم هذه الترتيبات بترتيبات أخرى على المستوى الدولي (الأمريكي بصفة خاصة) . وكان المؤشر الأول على تغير هذا التصور هو قرار الولايات المتحدة ببقاء قوات أمريكية بصفة دائمة في منطقة الخليج . ولم تخف المصادر الغربية أن بعض الدول الخليجية لم تكن تريد وجود قوات عربية بصفة دائمة من أراضيها على الإطلاق (وفقا لإعلان دمشق)، وإن اللقاءات المتكررة لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وسوريا لن تؤدي إلى خطة عمل يمكن تنفيذها وبذلك تواءمت التناقضات العربية مع التخطيط الغربي من خلال اتفاقات خليجية فردية مع الولايات المتحدة أساسا ، وكذلك مع المملكة المتحدة وفرنسا ودول أخرى ، تبقي وجودا عسكريا غربيا متقدما تكنولوجيا في منطقة الخليج يضمن أمن واستقرار منطقة الخليج ، ويحقق للولايات المتحدة السيطرة التامة عليها. والتحليل المنطقي للتناقض في المواقف الأمريكية قبل وبعد حرب تحرير الكويت ، هو أن الرؤية الأمريكية من خلال الخطاب السياسي لبوش وبيكر تنطوي على نظام أمن خليجي متكامل ، تنصهر فيه كافة دول المنطقة من خلال علاقات تعاونية في كافة المجالات . ولم تستثن الرؤية الأمريكية إسرائيل في ارتباطها بهذا النظام وفق تصور ضرورة إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، مع عدم مواءمة الترتيبات الأمنية التي تتم وفق إعلان دمشق لأسباب عديدة ، منها تردد دول الخليج في إجراءات تطبيقه ، والرفض الإيراني له ، ووجود خلل في التوازن العسكري لمنطقة الخليج يفرض تعديله عن طريق القوة العسكرية الأمريكية . وتواكبت رؤية دول حلف الأطلسي إلى حد كبير مع الرؤية الأمريكية ، مع تطبيق اقتراح وزراء دفاع الحلف في مايو 1991 بتشكيل قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع الأخطار التي تواجه الحلف في المسرح الأوروبي، وأيضا حماية مصالح الحلف في منطقة الشرق الأوسط وبصفة خاصة منطقة الخليج . ويتضح من ذلك مكانة الشرق الأوسط بصفة عامة ومنطقة الخليج بصفة خاصة في أولويات السياسة والاستراتيجية العسكرية في التحالف الغربي. التهديدات إضافة للتواجد العسكري الأجنبي في منطقة الخليج العربي، تتعرض دول مجلس التعاون الخليجي لتهديدات محلية وإقليمية مختلفة تؤثر تأثيرا مباشرا على الاستقرار في المنطقة وكذا على معدلات التنمية، الأمر الذي يهدد بإخراج دول المنطقة من نطاق الوفرة والرخاء . وتتعدد التهديدات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي بدءا من نزاعات الحدود ، مرورا بالخلل السكاني والعمالة الأجنبية غير العربية والتطرف والإرهاب، وانتهاء بالتهديدات المباشرة من دول الجوار الجغرافي والاستراتيجي وهي إيران والعراق وإسرائيل . ويرجع حجم التهديد لكل من هذه الدول بين أطماع وتطلعات للسيطرة و الهيمنة على منطقة الخليج، إلى أطماع إقليمية في مصادر النفط والاستثمارات والسوق الاستهلاكية الكبرى، وأخيرا محاولاتهم لملء الفراغ الاستراتيجي طبقا لتصوراتهم في الخليج العربي وفي آسيا الوسطى والقوقاز. ولمجابهة هذه التهديدات الإقليمية ، ينبغي إعداد مسرح الحرب ومسارح العمليات إعدادا يتماشى مع طبيعة التهديدات واتجاهاتها ، وكذا حجم القوات المحتمل استخدامها . وينقسم مسرح الحرب لدول مجلس التعاون الخليجي إلى ثلاثة اتجاهات استراتيجية مختلفة : الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (العراق) ، والاتجاه الاستراتيجي الشرقي (إيران) ، والاتجاه الاستراتيجي الشمالي الغربي (إسرائيل) . ويستتبع هذه الاتجاهات ثلاثة مسارح عمليات محتملة يتطلب كل منها بالضرورة إعدادا يتناسب مع التهديد الموجود على هذا الاتجاه ـ المسرح . ويراعى عند إعداد مسارح العمليات تجهيزها هندسيا، من خلال الإعداد الطبوغرافي والمساحي للمسرح ، وكذا الخطوات الدفاعية ، وشبكة المواصلات البرية والبحرية ، إضافة إلى شبكة المطارات والقواعد الجوية ، والموانئ والقواعد البحرية ، ومواقع الدفاع الجوي ، كما يتطلب الإعداد الإداري لمسارح العمليات المختلفة إنشاء القواعد والمستودعات والمناطق والخطوط الإدارية والفنية والطبية ، وتكديس الاحتياجات المختلفة على كافة المستويات وفي الاتجاهات المهددة ، إضافة إلى شبكة مناسبة من الطرق لتحرك الحملات الميكانيكية ، وإنشاء المستشفيات التي تخدم كل اتجاه ، ومشروعات المياه ، وإعداد مراكز السيطرة الخلفية . وبوضع التهديدات المدركة في الاعتبار ، وإعداد مسرح الحرب ومسارح العمليات ، إضافة إلى رصد التغير في القوى المختلفة في المنطقة وموازنتها ، يمكن الوصول إلى توازن استراتيجي مقبول لمنطقة الخليج . ويواكب ذلك بالضرورة رصد موازنات الدفاع وحجم الإنفاق العسكري لدول الخليج، وتحديد نظم التسليح والبناء الاستراتيجي للقوة المسلحة لكل دولة على حدة ولدول الخليج مجتمعة. ويوفر كل ذلك الأساس اللازم لبدء التخطيط الاستراتيجي وصولا لخطط عمليات معقولة وكافية، مع مراعاة الاستمرار في تطوير هذه القوى طبقا لأي مستجدات أو متغيرات جديدة . ويلاحظ أن ذلك كله يتم في إطار الدائرة الأمنية الاستراتيجية الأولى (المستوى المحلي ـ الإقليمي الفرعي) ، وأن استكمال ذلك لا يتم إلا بالعودة إلى فكرة الأمن الخليجي الأولية التي تعتمد على دائرتين أمنيتين استراتيجيتين أخرتين (المستوى العربي ـ الدولي). وبدون ذلك يبقى أمن واستقرار الخليج منكشفا. مرحلة التعاون ويمكن أن يتم التعاون المشترك بين دول المجلس على مرحلتين: ـ المرحلة الأولى: تحديد الهدف السياسي، والسياسي العسكري، والهدف الاستراتيجي للقوات المسلحة ، والخطوط العامة للاستراتيجية العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي. وإنشاء وتنظيم وتحديد صلاحيات المجلس الأعلى ومجلس الدفاع وقيادة القوات المشتركة (درع الجزيرة) في أسلوب إعداد وتنظيم وتسليح وتدريب القوات المسلحة لكل دولة ، ولقوات درع الجزيرة. ـ المرحلة الثانية: وضع كافة أعمال التخطيط الاستراتيجي المشترك موضع التطبيق ، والتحديد التفصيلي للمهام الاستراتيجية والعملياتية لقوات المجلس ، مع تحديد حجم وتسليح وأماكن تمركز القوات المشتركة ، وخطط تجهيز مسرح الحرب ومسارح العمليات ، والصياغة النهائية لخطط العمليات على الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة، وتدريب القوات عليها ، وتطوير القيادة الاستراتيجية والمخابرات الاستراتيجية بما يتناسب وخطط العمليات . ويستكمل ذلك كله بعمليات التنسيق والتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، بما يتواءم ومتطلبات الأمن القومي لمنطقة الخليج، والمصالح القومية لدوله ، وبدون ذلك يظل أمن الخليج منكشفا. ـ وفي تعقيب على الاوراق الثلاث المقدمة للندوة قال: د. مصطفى علوي ان هناك عدة قضايا هي: ـ القضية الاولى : تصورات القوى المحلية في دول مجلس التعاون لإشكالية الأمن ولمصادر التهديد. وهل حدث تغيير لهذه التصورات؟ وما هو التغيير المتوقع في المدى المنظور؟ وإذا ما كان لهذا التغيير المتصور تأثير أوانعكاس مباشر على وضعية هذه المشكلة الأمنية في المجتمع الخليجي. ربما يتفق الكثيرون على أن دول مجلس التعاون أصبحت تدرك الآن ثقل الفاتورة والعبء الاقتصادي الذي تتحمله نتيجة للوجود العسكري الأمريكي المكثف ونتيجة للاتفاقيات الأمنية والدفاعية وبالتالي النتيجة المنطقية لهذه المقدمات أنه ربما يكون هناك تفكير في الخيار أو البديل المفضل لتحقيق الأمن في هذه المجموعة من الدول وعدم الاعتماد على هذا البديل المكلف للغاية. والصحيح أنه هناك بعض القوى الاجتماعية والسياسية في الداخل تتخذ موقفا مضادا لهذا الوجود الأمريكي المباشر في منطقة الخليج ولكن هذا الموقف المضاد هو موقف مبدئي وليس موقفا في تقديري مرتبطا بفاتورة عالية للوجود الأمريكي. وإنما هذه القوى هي قوى تتبنى موقفا أيديولوجيا مضادا أو معاد للوجود الأمريكي وللاعتماد المكثف على الترتيبات الأمريكية لكفالة الأمن في المنطقة. ولا يمكن فصل ما يتعلق بعلاقة القوى السياسية الداخلية بموضوع الأمن وإدراكها لقضايا أخرى مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتصاعد المطالب السياسية. وفي هذا الإطار لابد من التمييز بين بعض عناصر النخبة وليس كلها وبين موقف الرأي العام داخل دول مجلس التعاون. هناك أصوات تقول بأن التكلفة أصبحت مرتفعة وأن الفاتورة باتت كبيرة وأنه لابد من مراجعة المسألة من أولها إلى آخرها ولكن هذه الأصوات تنتمي إلى أساتذة العلوم السياسية وأساتذة الاجتماع السياسي وأساتذة العلوم الاجتماعية وبعض المفكرين وربما بعض الصحافيين. ولكن ما هو تأثير هذه الأصوات على صياغة الإدراك العام للناس في دول مجلس التعاون؟! في تقديري أن هذا التأثير ضعيف ومحدود لأن العلاقة أو الجسر بين هذه النخبة وبين المواطن العادي، ليست علاقة فاعلة ولا يوجد جسر تواصل، وهي مشكلة عربية عامة وليست قاصرة على دول الخليج. إذا أضفنا إلى ذلك الارتفاع في أسعار النفط مجددا خلال السنة والنصف الأخيرة واحتمالات باستمرار المستوى من الأسعار عند 27-30 دولارا للبرميل جعل الدول الخليجية تجتاز الأزمة الاقتصادية التي كانت قد ترتبت على انهيار أسعار النفط والتي كانت قد وصلت إلى 8-10 دولارات للبرميل أي أن ارتفاع أسعار البترول يعني أن الدول ستحصل على 3 أمثال ما كانت تحصل عليه من موارد منذ 3سنوات وبالتالي هذا سيؤدي إلى زيادة الموارد، إذن النخبة الحاكمة تتصور أنه من الممكن مجابهة العبء الاقتصادي وتحمل تكلفة البديل الأجنبي أو الدولي في كفالة الأمن في المنطقة، كما أنه سوف يعيد قدرة الأنظمة الحاكمة في الدول على استخد