يتفق العاملون في معالجة أزمة زراعة المخدرات في لبنان على ثلاث نقاط أساسية لمحاصرة المشكلة وإنهائها وهي: ـ وقف زراعة المخدرات وإتلافها على الفور. ـ إيجاد بدائل لتوفير حياة كريمة للأهالي ولو بالحد الأدنى. ـ تفعيل البرنامج الدولي لمكافحة المخدرات. «البيان» تحدثت الى عدد من المهتمين والمعنيين بهذا الملف وهم النائب عمار الموسوي رئيس مجلس التخطيط في حزب الله والنائب الحاج حسن والنائب عصام قانصوه. وتالياً الأسئلة التي طرحت على النواب الثلاثة: ـ تتحدث الدولة عن انها جادة في معالجة المشكلة. هل لديكم شكوك في ذلك؟ أيمكن القول ان الثقة باتت معدومة بين الأهالي وفعاليات المنطقة من جهة والدولة والسلطة من الجهة الأخرى؟ ـ الموسوي: لقد حزنا نحن نواب منطقة بعلبك ـ الهرمل مراراً من أن تجاهل مشاكل المنطقة ومعاناتها سوف يوصل الأمور الى اوضاع مأساوية لا يمكن التحكم في نتائجها، ومع ذلك فإن احدا من المسئولين لم يعر المطالب والشكاوى اي اذن صاغية، وبالتالي فقد تمت مواجهة الأمور بسياسة التجاهل وإدارة الظهر. لقد أكدنا نحن النواب اننا لا نقبل بأن تكون زراعة المخدرات هي البديل من مسئولية الدولة والمجتمع الدولي في تنمية المنطقة. وقال ان المطلوب هو ان تعمد الحكومة الى وضع خطة شاملة لإعادة بناء اقتصاد متكامل للمنطقة بالتعاون مع المجتمع الدولي والدول المانحة اسوة بما حصل مع دول اخرى كتركيا والمغرب، وان محاصرة الناس وحشرهم بين خياري الجوع أو زراعة المخدرات هو أمر غير مقبول على الاطلاق. ان التغاضي الذي مارسته السلطات خلال العام الماضي وفي بداية الموسم الحالي عن زراعة المخدرات شجع الكثير من المزارعين على الانتقال الى هذه الزراعة خصوصاً بعدما فشلت كل انواع الزراعات البديلة وبعدما قررت الحكومة وقف الدعم عن زراعة الشمندر السكري، وبالتالي فإن الحكومة ساهمت في شكل أو آخر في إيجاد مثل هذا الأمر الواقع الذي لا نعتقد انه يعالج بطريقة أمنية. ـ ومن أين يجب أن تبدأ الدولة في معالجة المشكلة تلك؟ ـ الموسوي: المشكلة كانت ولا تزال اجتماعية تنموية، بل ومشكلة سياسية في طريقة تعاطي الحكومات المتعاقبة مع هذه المنطقة وفي أسلوب تصرف المجتمع الدولي والدول المانحة حيال وعود قطعت للمنطقة وأهاليها منذ اعوام طويلة، من دون ان تترجم الى واقع ملموس. اننا ندعو الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها الى التعاطي مع هذه القضية ومع أهالي المنطقة بروح المسئولية والرعاية، والعمل على معالجة المشكلة بمنطق يغلّب مصلحة الناس والظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة على أي دوافع أخرى. ـ ما هو الحل اذا أقدمت الحكومة على اتلاف المزروعات الممنوعة؟ ـ الموسوي: نريد ان نذكر وننشط الذاكرة، فقبل أيام خضنا معركة، نحن نواب منطقة بعلبك ـ الهرمل من اجل اقتراح قانون لإنماء المنطقة بـ 300 مليار ليرة لبنانية، ووجهنا بما ووجهنا به من محاربة ومحاولة حصار لهذا الاقتراح، وفي نهاية المطاف وصلنا الى التزام معين، لكن هذا الالتزام مؤجل كما بات معلوماً الى اواخر السنة، اي اننا عندما نتحدث عن معاناة وعن مشكلة تعيشها المنطقة لا ننطلق بهذا الموضوع من أي اعتبار سياسي، بل من اعتبارات تتعلق بواقع المنطقة وظروفها المعيشية والاقتصادية والحال التنموية الصعبة التي تعيشها هذه المنطقة. ـ لكن ثمة من يردد ان الدولة تتجه لاتخاذ تدابير أمنية من تلك الزراعة، للجمها، وإنهائها. ـ الموسوي: لطالما حذرنا وقلنا ان ترك الامور كما هي سوف يؤدي الى نتائج غير مقبولة وغير مرضية بالنسبة إلينا وإلى المنطقة والدولة، لكن بما أن الأمور وصلت الى ما وصلت إليه، فإننا نعود لنؤكد ان الحل ليس أمنياً، وان المشكلة ليست أمنية، ومن الخطأ الفادح أن تعمد الدولة الى التعاطي مع هذا الموضوع كأن هناك إنساناً خارجاً على القانون وسلطة أمنية عليها ان تعالج هذا الموضوع. والموضوع سياسي انمائي وطني، والحل يبدأ بأن تعمل الحكومة بروية وهدوء وتعقل وان تضع برنامجا متكاملاً وخطة متكاملة لإصلاح الضرر الكبير الذي تعرضت له هذه المنطقة طوال الاعوام الماضية والذي اوصل الامور الى ما وصلت اليه، وان تضع الحكومة خطة متكاملة ومواعيد محددة ومشاريع محددة بأموال محددة، وبغير ذلك تكون الدولة مخطئة اذا اعتقدت انها تستطيع ان تحل الموضوع امنيا، فأبناء بعلبك ـ الهرمل ليسوا خارجين على القانون وليسوا طريدي العدالة حتى يقال بتكليف الاجهزة الامنية حل الامر. الموضوع أكثر تعقيداً من هذا بكثير، لذلك ندعو الحكومة بكل اخلاص ومحبة الى التعقل في التعاطي مع هذا الموضوع وإيجاد الحل. ونحن لا نرى ان المخدرات أو زراعتها هي الحل، بل نراها مشكلة، لكن كيف نعالج المشكلة؟ ليس بقمع الناس انما بالأخذ بأيديهم الى توفير البدائل التي تحفظ كرامة الناس وتسترد هذه المنطقة وأهلها الى حضن الدولة والتنمية والرعاية. ـ لكن لماذا يطرح البعض وجوب التخلص من المزروعات الممنوعة بالقوة الأمنية؟ ـ الموسوي: يجب ان نبدأ من منطق الامور، فنتساءل: ما الذي أوصل المزارعين الى زراعة المخدرات؟ أليست الخسائر الفادحة في المزروعات وكسادها؟ لا ندافع عن زراعة الحشيشة، لكن كان يجب اتخاذ قرار وقف هذه الزراعة كإجراء بغض النظر عما يقول الناس خارج لبنان من دون إرضاء للبعض في الداخل والبعض الآخر في الخارج. النائب الحاج حسن يرى ان بداية الحل تكون في إنشاء مجلس للانماء مخصص لبعلبك ـ الهرمل من دون ان يشكل ذلك اية حساسيات. ـ لكن هناك حساسيات لماذا؟ ـ الحاج حسن: اننا نؤكد مجدداً ان لا خلفية سياسية لهذا الموضوع، بمعنى أننا لا نريد فتح مشكلة سياسية مع أحد، لا مع الرئيس رفيق الحريري ولا مع النائب وليد جنبلاط، ومعركتنا انمائية فقط والنواب العشرة متضامنون معنا للسير بها. تقدمنا بمشروعنا واذ ببعض النواب يتقدمون باقتراحات ومشاريع لمناطقهم، وهذا حقهم في طبيعة الحال، إلا أن الطريقة التي تقدموا بها بالمشاريع كانت واضحة الاهداف: زيادة المشاريع في شكل لا تعود معه الدولة قادرة على تحملها. ما حدث ان الرئيس الحريري اقفل الموضوع، وقال انه لا يستطيع ان يعطي اموالا للمنطقة، فاضطررنا الى الرد بأنه لا يجوز التعاطي مع هذه المنطقة المحرومة، وكذلك عكار، بهذا الأسلوب. ثم تعليق من أحد الزملاء النواب، فرد عليه زميل من الكتلة، وأعلنا اننا سنتابع ضغوطنا حتى نصل الى حقوقنا. وفي اليوم التالي للجلسة حصل اجتماع في مكتب الرئيس بري، وقال الحريري ان لديه اموالا بقيمة 700 مليون دولار في مجلس الانماء والاعمار على شكل بروتوكولات غير مخصصة لأي مشاريع، وانه سيعد برنامجا انمائيا لكل المناطق. فأجبنا اننا لا نعارض اي انماء لأي منطقة، ولتأخذ كل منطقة محرومة ومحتاجة حقها، وهنا أسأل لماذا لم يتقدم الحريري بهذا الجواب في الجلسة النيابية، ولماذا لم يقل «مطالبكم محققة فاعطوني فرصة لدراسة هذه المشاريع» حتى اليوم لا نعرف الجواب. وقد اسفر اللقاء عند بري عن ثلاثة وعود قدمها الحريري: الأول: تخصيص 200 مليون دولار من مجلس الانماء والاعمار لمشاريع بعلبك الهرمل. الثاني: تخصيص خطة متكاملة لكل المناطق، وعلى رأسها بعلبك الهرمل. الثالث: انشاء مجلس انماء بعلبك الهرمل. إن هذه الوعود قطعت أمام الرئيس بري على ان تأخذ طريقها الى التنفيذ قبل اكتوبر المقبل. وقد علم من بعض الادارات الرسمية المعنية ان الحريري ارسل اليها كتابا يستوضحها هذه المشاريع المقترحة ونحن نأمل بأن تكون الحكومة جدية، لأننا في المقابل اكثر من جديين في متابعة المطالب، ونأمل بألا نضطر الى خطوات تصعيدية، فمواقفنا ستكون ايجابية ازاء اي موقف ايجابي وسنلجأ الى كل ما يمكن ان يحق لنا به من خطوات سلبية تجاه المواقف السلبية. لقد ارتبط الحديث في الآونة الأخيرة بتدهور الحال المعيشية وعودة زراعة المخدرات الى سهل البقاع، وحفلت الأسابيع المنصرمة باهتمام اعلامي غربي واسع بهذه العودة. وفي هذا الاطار قالت شبكة «الاورونيوز» في آخر تقرير لها ان زراعة المخدرات توقفت نهائيا في لبنان عام 1995، وازيل اسم لبنان عن اللائحة الخاصة بالدولة المنتجة للمخدرات عام 1997. وأضافت ان مردود هذه الزراعة كان نحو 500 مليون يورو، لإنتاج ما يقارب 600 طن على مساحة 6 آلاف هكتار. وأشارت الى ان المساعدات التي كان لبنان موعوداً بها على غرار الدول الأخرى لم تصل اليه الأسباب وخلفيات سياسية، مرتبطة بدور «حزب الله» في منطقة بعلبك الهرمل. لسنا في وارد القول ما اذا كانت هذه الزراعة قد عادت أم لا. لكن اذا كان الناس عادوا الى هذه الزراعة، وهي محرمة عندنا، فهم عادوا بعد عشرة اعوام على وقفها، وبعدما لم تقم اي زراعات بديلة ناجحة. خسروا في العنب والبطاطا والبندورة والدخان الذي كان توزيع رخصه غير عادل. وكل الاتفاقات الزراعية التي عقدها لبنان كانت لغير مصلحة المزارع. لسنا مع زراعة المخدرات لكن الدولة أخطأت حين لم تطالب المجتمع الدولي والدول المانحة بتنفيذ التزاماتها على غرار ما حصل مع المغرب وتركيا وباكستان وكولومبيا. الدولة أخطأت فتتحمل مسئوليتها. النائب عاصم قانصوه يؤكد ان خطأ الحكومة تسبب في ضائقة معيشية خانقة ويقول انه نتيجة لذلك فإن 40% من العائلات هناك لا تستطيع ان تأكل سوى مرة واحدة في اليوم. ووجبتها الوحيدة هي عبارة عن خبز وزيتون وشاي. يقول قانصوه: لقد قاتلت الحشيشة منذ ان عملت في السياسة، خارج المجلس النيابي وداخله. قاتلتها حين كانت تدر على البلد ملايين الدولارات. ولكن لأول مرة في حياتي اغض الطرف عن هؤلاء الناس واتفهمهم، لأنني اشعر بمدى حاجتهم الى المال. وهنا احمل المسئولية للدولة في عدم تأمين خطة انمائية خلال الاعوام التي توقفت فيها زراعة المخدرات. ـ نسأل عن مسئولية الدولة اللبنانية وسوريا في غض النظر؟ ـ قانصوه: نال السوريون الكثير من اللوم والعتب لأنهم ساهموا في منع الحشيشة. اليوم لا علاقة لسوريا في هذا الأمر. المسئولية للدولة اللبنانية. لماذا لا تتدخل لا أعرف؟ ولكن موسم التلف لم يأت بعد (يبدأ قطاف الحشيشة في سبتمبر)، لا أعرف ما تخبى الدولة. في كل حال الأمر يضخم كثيراً، وكأننا نخدم الأمريكيين به، المزارعون الذين يفيدون من مئة دولار للدونم يعملون من أجل رغيف خبز وكيلو لحم، في حين ان المستفيدين الكبار هم التجار، فلتقبض الدولة على هؤلاء. وكذلك ان مسئولية الدولة الأهم في عدم ممارسة دورها تجاه من طالبها بمنع زراعة المخدرات من دون اي مساعدات مالية وعينية. لبنان يستهلك سنوياً نحو سبعين مليون دولار زيوتا مستوردة مصنعة من دوار الشمس، ونحن في بلد الشمس ومدينة الشمس فهل يعقل الا نفيد من زراعة «ميال الشمس» (هكذا يسميه البقاعيون) قد يقال ان انشاء مصنع لاستخراج الزيوت (لتوفير الاستيراد وتأمين العمل لنحو 300 عامل) هو مسئولية القطاع الخاص، ولكن أليست مسئولية الدولة تشجيع الاستثمارات وتوجيهها وحمايتها؟ وكما نقول عن زراعة دوار الشمس فكذلك الحال بالنسبة الى زراعة القطن. كما اننا ننتج سنويا في البقاع نحو 54 ألف طن من المشمش فهل يعقل الا ننتج منها 5 آلاف طن من المربيات؟ وبدل أن يشتري الجيش اللبناني هذه الأنواع من الخارج يشتريها من المصانع اللبنانية. كذلك الحال بالنسبة الى العنب، هل من المعقول ألا يوجد معمل عصير واحد لتصنيع عصير العنب المركز أو الطازج؟ لقد أهملت الدولة كل القطاع الزراعي في وقت نمت الدول العربية زراعياً. وصار لها منتجاتها وأسواقها، كسوريا مثلاً، التي كانت تستورد من عندنا الليمون والأفندي فصارت تصدره إلينا، اضافة الى انها عززت قطاعها الصناعي المرتبط بالزراعة وأنشأت عشرات المصانع للعصير وتعليب الفاكهة. حيال تلك الآراء النيابية، وما تتضمنه بشكل خاص من حملات ضد تقاعس الدولة من ناحية، وتنامي الاهمال الدولي من ناحية ثانية، يبدو رأي صريح لجهة دولية عاملة على مكافحة المخدرات في البقاع، ويمثلها مدير «برنامج الأمم المتحدة للتنمية الريفية المتكاملة» للمنطقة المذكورة الدكتور محمد ناصر الفرجاني الذي يواجه سلسلة من الانتقادات موجهة أساسا للجهات الدولية المعني، وليس له على مستوى فردي، ومن ذلك تصنيف الدول المانحة وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة لبنان بأنه من ذوي الدخل المرتفع (أربعة آلاف دولار للفرد)، الأمر الذي يحرمه من الاعانات غير المستوردة، وبالتالي لا يمكن ان يحصل إلا على قروض مشروطة من البنك الدولي. ـ ما هو سبب ضعف التمويل الدولي للزراعات البديلة في البقاع (عشرة ملايين من أصل 300 مليون)؟ ـ الفرجاني: أنا أتحدث من وجهة نظر الأمم المتحدة: البرنامج كما هو موثق في كل الدراسات والمراسلات الموقعة، لم يأت على ذكر زراعات بديلة ولم تطرح البتة هذه الصيغة بل تم التعاطي مع المنطقة منذ البداية تعاطيا انمائيا، فكلمة زراعات بديلة للأسف مصطلح سياسي محلي لأهداف لا تخفى على احد. وقد أكد نائب الأمين العام للأمم المتحدة ارلاكي خلال زيارته الأخيرة وبحضور نواب المنطقة ووزرائها على هذا، كما أكده الممثل المقيم روس ماونتن وأكده الممثل المقيم الحالي ايف دوسان. بل وذهبوا الى حد القول لبعض السياسيين الذين راجعوهم بالأمر: ائتونا بأي وعد أو مراسلة تعهد بمشروع زراعات بديلة أو مساعدات بديلة للمخدرات وسوف نكون أول المدافعين عنه في الأمم المتحدة. ولكن وللأسف صحيح ان الفكرة السائدة عندما انطلق البرنامج كانت انه مشروع زراعات بديلة وقد علقت عليه آمال كبيرة لا تتفق أبداً مع التمويلات المتوفرة ولا مع أهداف البرنامج ولا مع صلاحياته الممنوحة. بوضوح غير وارد أصلا مبدأ التعويض بل ممنوع اداريا وماليا تقديم أي شيء أو مبلغ مجانا للأفراد. وأما اسباب عدم تجاوب الدول المانحة فلقد ذهب البعض للاسف منذ العام 1994 الى الترويج ان سوريا هي التي قبضت ثمن اتلاف المخدرات، وهذا ما كان يقال خلال أول الاجتماعات التي قمنا بها لتكوين اللجان المحلية وأوضحنا أن لا علاقة لسوريا بهذا. ثم ظهرت نغمة اخرى تقول ان عدم دفع الأموال هو نتيجة وجود حزب الله بصورة مكثفة في المنطقة ويعتبر عقاباً لها. نحن لم نلمس مثل هذا التوجيه... وللأسف ان بعض الفعاليات السياسية كانت تطمح الى وضع اليد على البرنامج وجعله مزرعة خاصة بها لا يشاركها به احد، بينما نحن في الأمم المتحدة لنا مقاربة مطبقة في أنحاء العالم وهي المشاركة الشعبية عبر اللجان المحلية وتلبية الاحتياجات المقترحة من المجتمع المحلي. وهذه الجهات روجت ان عدم وصول التحويلات للبرنامج يعود لعدم رضاها على البرنامج أو لأن بعض السفارات غير راضية وهذا غير صحيح: وظهر أخيراً بعض الكلام حول بعد سياسي عالمي وإقليمي لعدم تجاوب الدول المانحة وبخاصة بعد تأجيل مؤتمرها، ولكن وبكل تجرد فإن الأسباب الثابتة لدينا لعدم توفر الأموال هي أولاً: مستوى دخل الفرد في لبنان يتجاوز 4 آلاف دولار وهو رقم مرتفع مما يحرمه من الاعانات غير المستوردة حسب مقاييس الأمم المتحدة ومنظماتها وصناديق الدعم التابعة لها. وفي مثل هذه الحالة لا يمكن للبنان ان يطمح الا الحصول على قروض لتمويل مشاريعه ومخططاته التنموية وحتى هذه القروض فإن قسماً ضئيلاً منها يمكن ان يكون بشروط ميسرة والبقية حسب شروط السوق. ثانياً: حتى اليوم لم يُنظر الى تنمية منطقة بعلبك ـ الهرمل من قبل المجتمع الدولي على انها حالة خاصة بغض النظر عن مستوى الدخل في لبنان برغم الخسارة المتأتية من اتلاف المخدرات، وهذا الموضوع لم يوضع بجدية على طاولة البحث والتفاوض. تعاط غير موفق ـ يقال إن لديك نظرة سلبية لطريقة تعاطي برنامج الأمم المتحدة ومكتب مكافحة المخدرات مع واقع زراعة الممنوعات في البقاع فهل هذا صحيح؟ كيف؟ ولماذا؟ ـ الفرجاني: لا أرى ان التعاطي مع ملف الزراعات الممنوعة كان موفقاً بل انه كان أسوأ تعاط من ضمن حالات الدول التي فيها زراعات ممنوعة، ولقد نبهت الى ذلك منذ العام 94 أي بعد أربع سنوات من بدء عملية الاتلاف. قيل عندها ان عملية الاتلاف في لبنان كانت ناجحة. فقلنا هذا غير صحيح لأن الاتلاف تم بوسائل عسكرية وبوليسية ردعية من دون ان تصاحبها اجراءات تنموية لازمة لكسر الحلقة المفرغة من القهر والجهل والحرمان التي أدت بالأساس لهذه الزراعة وللهجرة والنزوح والارتماء، بأحضان الحركات المتطرفة والبحث عن الحلول الماراثونية مما ادى الى انخراط السلم الأهلي. وللوصول الى كسر هذه الحلقة لابد من توفير التحويلات استناداً الى مخطط انمائي شامل ووضعنا مخططاً مرحلياً بمبلغ 105 ملايين دولار ريثما ينجز المخطط الشامل والذي سيكون جاهزاً عام 2003، وللشروع في تنفيذه بعد الانتهاء من الخطة المرحلية. وهذا المخطط سوف لن تقل كلفته عن 300 مليون دولار ويمتد على عشر سنوات بدءاً من العام 2005، ومن المفترض ان يوافق المجلس الأعلى للتخطيط والانماء عليه وبذلك سيكون بين يدي الدولة خطة لعشر سنوات تكون خطتها وتتحمل مسئوليتها وعندها فقط يمكن ان يتقلص دور الأمم المتحدة الاداري ويقتصر على الدعم الفني والاستشارات اللازمة. أما بشأن معاناة أهل المنطقة فهذا أمر سسياسي لابد من ان تواجهه الحكومة لتخفيف العبء الاقتصادي والاجتماعي. وفي حالة توفير التحويلات لتطبيق المخطط التنموي قطعاً سوف نخلق التنمية التي تستهدف استغلال الثروات الطبيعية والبشرية استناداً الى الفرص الاستثمارية الاقتصادية تعمل على خلق فرص عمل وصولا الى تحسين الوضع المعيشي وهذا ما سوف تتضمنه الخطة المرحلية والمخطط الانمائي الشامل. الزراعات البديلة ـ ما هي برأيكم الزراعات البديلة للمخدرات من خلال دراساتكم التفصيلية على الأرض؟ ـ لا توجد زراعات بديلة في ظل غياب تعبئة للموارد الطبيعية وتنفيذ الانشاءات اللازمة لحفظها واستغلالها بوضوح، ليس هناك زراعات بديلة في ظل المناخ الجاف شبه الصحراوي وأية زراعات مروية قطعا هي اكثر انتاجية اذا ما توفرت الهياكل اللازمة للتسويق وتعديل السوق والتصنيع الزراعي. لذلك نحن لم نقترح ابدا زراعات معينة بل نهدف الى مساعدة المزارعين وتوجيه انظمتهم الانتاجية للتحول نحو زراعات استراتيجية لها سوق داخلي. كما ان هناك زراعات القمح والعدس والحمص، وهي زراعات مفيدة اذا ما تحصلت على ري تكميلي بإمكانها ان تعطي اكثر من زراعة المخدرات. أما بشأن الزراعات المدعومة فهي مؤقتة ومرتبطة باستمرار الدعم. لذلك يركز البرنامج على تعبئة وحفظ واستعمال كل الموارد المائية واستصلاح الأراضي وتجليلها وتحريجها لإعادة الغطاء الأخضر وإنشاء الطرقات الزراعية وتحسين التعليم المهني وتوفير التسليف الريفي. ـ من خلال تجربتك ماذا تقول في نهاية الحديث؟ ـ «ما حكّ جلدك مثل ظفرك»، الأساس ان الدول المانحة هي داعمة وليست عنصرا اساسيا فلابد من توفير القرار السياسي من قبل الدولة المعنية وعندها يمكن ان تساهم الدول الاخرى. ولدينا مثل يقول: «ما في قط يصطاد في سبيل الله»، فكل دعم وخاصة اذا كان هبة لا يخلو من اهداف سياسية قد تكون معنوية أو اشعاعاً سياسياً او حماية مصالح جغراسياسية، أما بالنسبة للقروض فهي ايضا مشروطة وبخاصة اذا كانت ضمن بروتوكولات تضمن تسويق خدمات وتجهيزات وآليات من الدولة المقدّمة في سوق الدولة المتلقية. للأسف نتيجة للنظام العالمي المرتكز على نظام التبادل اللامتكافيء بين الشمال والجنوب فإن شروط المصالح المتكافئة غير قابل للتطبيق، وبذلك فإن لمساهمات الدول المانحة ايجابيات وسلبيات، وما على الدولة المتلقية إلا ان توازن بين هذه وتلك بما يلبي احتياجاتها الضرورية للحد من السلبيات ورفع الايجابيات. بيروت ـ رانيا يونس: