في كتابه «الإدارة البريطانية والحركة الوطنية في السودان 1919 ـ 1939» كتب الدكتور جعفر محمد علي بخيت « تعتبر المديريات الجنوبية... من وجهة نظر تاريخية مديريات مغايرة للمديريات الشمالية، لدرجة أن السلطات البريطانية نظرت إليها باعتبارها مقاطعات في قطر آخر. وبالنظر إلى أن القبائل الزنجية وغيرها من السلالات التي تقطن الجنوب ظلت حتى الفتح المصري معزولة عن القوى والعوامل الخلاقة للإسلام وعن الغزو العربي والتلاحم بالعرب، والتبادل التجاري مع تلك القوى الجديدة وعن المؤثرات الحضارية والحكومة المركزية على نطاق واسع... فلم يكن للحكم المصري التركي أثر يذكر على شخصية الإقليم الجنوبي... كما أن الإدارة البريطانية اقتصرت سيطرتها على المناطق والمراكز التي سبق للإدارة التركية السيطرة عليها، ولم تتجاوز تأكيد مظاهر رفع العلم البريطاني وإرسال الحملات التأديبية ضد القبائل المتمردة ومن أجل جمع الضرائب في حدود بعض المراكز». وتشير حقائق التاريخ إلى أن الصراع بين جنوب السودان وشماله بدأ منذ عهد الاستعمار البريطاني، الذي حرص على إقصاء النفوذ العربي عن أهل الجنوب. ولما كانت اللغة العربية هي العامل الوحيد الذي يمكن أن يساعد في توحيد القبائل الجنوبية وربطها بأهل الشمال فقد رؤي أن تحل الإنجليزية محل العربية، حيث ذكر الدكتور بخيت في نفس الكتاب «دأب المفتشون خلال أعوام طويلة على إحراق الملابس العربية، والعمل على مضاعفة جهودهم بحث الناس على الجهل باللغة العربية وعدم تعلمها واستخدام أسماء يتعذر النطق بها» وكانت الحجة التي لم ينكرها المسئولون الإنجليز في مذكرة لمكتب الأجانب البريطاني: أن إنجلترا كقطر مسيحي لا يمكن لها المساهمة في سياسة تعضد اعتناق الإسلام بين أقوام من الوثنيين يبلغ عددهم ثلاثة ملايين، وليس لديهم روابط جنسية أو أواصر قربى مع العرب المسلمين». وشرع الاحتلال البريطاني ـ كدأب المستعمرين ـ في إقامة البنية الأساسية ومشروعات التنمية في السودان، على نحو ييسر لبريطانيا نهب ثروات البلاد مستغلة في ذلك الخزانة المصرية أيما استغلال بدعوى أن تطوير السودان يأتي في مصلحة مصر التي يهدد أمنها القومي وقوع السودان في أيدي القبائل الزنجية. إحساس بالغبن ومن هنا فقد أحس أهل الجنوب بالغبن وهم يرون ثروات إقليمهم تستنفد على أيدي الغزاة، وتقتصر مشروعات التنمية على مناطق الشمال التي يسكنها أغلبية من المسلمين العرب، وبمرور السنوات كرست الحكومات السودانية المتعاقبة هذا الإحساس بالغبن مع إصرارها على فرض التعريب والوحدة على أهل الجنوب قسرا ودون مراعاة لمطالبهم في حق تقرير المصير؛ الأمر الذي استغلته على الجانب الآخر قوى خارجية سواء أفريقية أو غربية. ومنذ عام 1983 اندلعت الحرب الأهلية التي استمرت حتى الآن لتلحق أقسى الخسائر بالاقتصاد السوداني، وتنتشر المجاعات في الجنوب مع تزايد أعداد الضحايا على الجانبين. وبطبيعة الحال لم يعدم متمردو الجنوب بقيادة جون قرنق دعما من قوى مناوئة للسودان في أثيوبيا وأوغندا ومن قوى طامعة على رأسها الولايات المتحدة التي حرصت على دعم الجيش الشعبي لتحرير الجنوب بقيادة قرنق في إطار سياستها لبسط نفوذها على منطقة القرن الأفريقي، التي بدأ الحديث عنها منذ بداية عام 1995 بما عرف باسم «مشروع القرن الأفريقي الكبير» الذي يعتبر جنوب السودان دولة مستقلة، ويهدف إلى إنشاء بنية أساسية لمصلحة شركات النفظ والتعدين الأمريكية وتهتم بربط التطورات في السودان بشرق أفريقيا والقرن الفريقي بعيدا عن أي إطار عربي. وبظهور النفط في السودان وبدء تصديره منذ 1999 تزايد اللهاث الأمريكي وسال لعاب واشنطن التي يصيبها السعار كلما شمت رائحة النفط، وزاد إصرارها على فصل الجنوب السوداني عن شماله مستغلة في ذلك كافة الوسائل بداية من تقديم الدعم المادي للجنوبيين في قتالهم، وبذل كافة الجهود لإضعاف الخرطوم بفرض العقوبات الاقتصادية وإدراج السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، بل ولم تتورع عن التدخل العسكري الفعلي بقصف مصنع أدوية بحجة شكها في إنتاجه أسلحة كيماوية. وتنوعت المشروعات الرامية إلى حل المشكلة السودانية مع تعدد الأطراف ذات المصلحة في المنطقة، فمن محاولات الوساطة الفاشلة التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر من 1989 إلى 1991 ثم الوساطة النيجيرية من 1991 إلى 1993 التي لحقها الفشل بدورها، ولم يكن حظ محاولات منظمة الإيجاد منذ 1994 بأفضل من سابقتيها نظرا للدور الأوروبي والأمريكي الضاغط عبر ما أطلق عليه «شركاء الإيجاد». وصاية دولية ولعل أبرز ما نجم عن تدخل الإيجاد، تعميق التدخل الدولي في الشئون الداخلية السودانية، ويرى مهتمون بالشأن السوداني أن وساطة الإيجاد تحولت عمليا إلى وصاية دولية على السودان حولته إلى منطقة نفوذ لدول الإيجاد وشركائها الغربيين. ويشار في هذا الصدد إلى أن دولة الإمارات كانت أول من تنبه إلى خطورة تغييب الدور العربي وتقدم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمبادرة في 1998 لرأب الصدع بين الحكومة والمعارضة الشمالية. ولما كانت مصر من أكثر الأطراف الإقليمية تأثرا بالوضع في السودان بما له من تأثير مباشر على الأمن القومي لمصر، فقد رفضت دائما أي محاولة لفصل الجنوب السوداني خشية وقوعه تحت سيطرة قوات إقليمية ودولية يمكنها ممارسة ضغوط على مصر عبر السيطرة على منابع النيل، فضلا عن أهمية منطقة القرن الأفريقي للقاهرة، وتطلعها إلى القيام بدور فاعل فيه يضمن لها حركة تبادل تجاري وتكامل اقتصادي قوية مع دول المنطقة. ومن هنا يعتبر البعض أن المبادرة المصرية الليبية جاءت للحيلولة دون انفراد دول الإيجاد الأفريقية بحل مشكلة الحرب الأهلية في السودان. وتجاوزت المبادرة مجرد التركيز على مشكلة الحرب بين الشمال والجنوب، إلى محاولة إيجاد تسوية أشمل تحقق الاستقرار في السودان عبر تحقيق مصالحة أيضا بين حكومة البشير والمعارضة الشمالية. المخاوف ورغم الترحيب المعلن بالمبادرة المصرية الليبية الذي أبدته معظم أطراف القضية؛ الحكومة، والمعارضة الشمالية، وممثلين عن الجنوبيين ؛ وما يراه البعض من أن المبادرة المصرية الليبية تستمد قوتها من ثقل مصر الكبير إلا أن هناك العديد من المخاوف التي ترددت على لسان العديد من المهتمين وتركزت أساسا في عدد من نقاط المبادرة؛ حيث يعارض كثيرون تركيز المبادرة على «المسئولية التاريخية للحفاظ على وحدة السودان وأمنه» الأمر الذي يتجاهل حق تقرير المصير الذي قررته مبادرة الإيجاد وقبلته جميع القوى السياسية السودانية من حكومة ومعارضة. ومن هنا جاء اقتراح التجمع الوطني الديمقراطي بإضافة تعبير «الوحدة الطوعية» إلى صياغة المبادرة. وليس من المتوقع بالطبع أن تقبل أي من أمريكا أو الاتحاد الأوروبي أو دول الإيجاد، تجاهل النص على حق الجنوبيين في تقرير المصير، وفصل الدين عن الدولة، ولا يتصور بالطبع أن تقبل بذلك الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق. فضلا عن أن المعارضة الشمالية كانت قد توصلت بالفعل إلى اتفاق مع الحركة الشعبية بشأن هذين المبدأين. ويبدو أن معظم الأطراف لم تقتنع بعد بمحاولات راعيي المبادرة إظهار أن المبادرة لم تغفل المطالب أو التحفظات التي اشار إليها التجمع السوداني المعارض عندما صرح دبلوماسي ليبي في القاهرة بأن المبادرة تحمل في طياتها وفاء ضمنيا بالمطلب الجنوبي من حيث النص على مراعاة التنوع الثقافي والديني والعرقي، بما يعني ـ في رأيه ـ إطلاق حرية العقيدة والمساواة بين العرقيات ومنح نوع من الحكم الذاتي للجنوب بتركيبته العرقية والدينية المختلفة عن الشمال. ويشير مؤيدون لهذا الرأي إلى أن بنود المبادرة أكدت على عدالة توزيع الثروة بين الشمال والجنوب بما يعتبر ردا على مطالبة حركة قرنق برد ثروات الجنوبيين إليهم ووقف عمليات استخراج وتصدير البترول باعتبار أنه ثروة جنوبية يستأثر الشمال بعائداتها. وبينما تجد حكومة السودان عنصرا مرضيا لها في المبادرة يتمثل في التعهد الملزم بوقف إطلاق النار، الأمر الذي سيحل لها العديد من مشكلاتها الداخلية والخارجية، إلا أنها لن تتقبل بسهولة فكرة الحكومة الانتقالية المنصوص عليها في البند الثامن من المبادرة، و تتخوف الحكومة من احتمال أن يفقدها ذلك سيطرتها الكاملة على أجهزة الدولة، بما يهددها بخسارة الانتخابات المفترض إجراؤها وسط تعددية حقيقية وعادلة. ولعل ذلك هو السبب في طلب الإيضاح الذي تقدمت به الحكومة للدولتين راعيتي المبادرة. دعم عربي غير أنه ربما يكون مما يدعو لاطمئنان حكومة البشير، أن مصر لم تتردد في الانحياز إلى جانب البشير ودعمه في صراعه مع جناح الترابي ـ الذي تعتبره القاهرة مسئولا عن تدهور العلاقات بين البلدين ورعاية قيادات التطرف المصرية ـ متجاوزة في ذلك التوترات التي كانت قائمة بين القاهرة والخرطوم والتي وصلت إلى حد القطيعة منذ صيف 1995 بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس المصري في أديس أبابا. وليس أدل على ذلك من أن الرئيس المصري قام بنفسه وقتها بجولة خليجية مفاجئة زار فيها السعودية وقطر والبحرين داعيا إلى بحث الموقف في السودان وحشد الدعم العربي لمواقف البشير، ثم القمة المصرية الليبية التي أسفرت عن بيان ينص على «دعم البلدين الكامل للقيادة السودانية وتأييدها للقرارات الشرعية التي اتخذها الرئيس السوداني». ولعل مما يقوي احتمالات وقوف مصر ومعها ليبيا إلى جانب الحكومة في الخرطوم، أن كلا البلدين يتخوفان من أطماع الإدارة الأمريكية في السودان الرامية إلى إسقاط حكومة البشير ودفع السودان بعيدا عن الحظيرة العربية فضلا عن أطماع قوى إقليمية أخرى يهمها تحويل التوجه السوداني نحو إفريقيا على حساب توجهاته العربية. غير أن احتمالات المستقبل بالنسبة للمبادرة المصرية الليبية مازالت مبهمة، فلن تتنازل واشنطن بالطبع عن أطماعها في القرن الأفريقي (الذي تريده قرنا أمريكيا)والسيطرة على ثروات السودان الطبيعية وفي المقدمة منها النفط؛ كما لن تقبل ببروز دور قوي لمصر في المنطقة يتيح لها ورقة ضغط تستطيع بها الوقوف في وجه أوراق الضغط الأمريكية. ومن ناحية أخرى لن تتقبل القوى الأفريقية بسهولة تزايد الدور العربي في المنطقة، كما لا يتصور أيضا أن يتنازل الجنوبيون بين عشية وضحاها عن مطالب الانفصال وإقامة دولتهم، والاكتفاء بمجرد الحصول على «قضمة» من الكعكة السياسية السودانية. بقلم: إكرام يوسف