ماذا أعطى عرب ديترويت لأمريكا؟ وماذا يمكن ان يعطوها في المستقبل؟ إن الاطار النظري للكتاب يركز على أهمية عملية التمازج الثقافية، بل الاندماج في التيار الأمريكي العام، ولكن ذلك التمازج والاندماج لا يتم بتناسي الخصائص العرقية والمواريث القومية لكل جالية في أمريكا، فما بالك بالجالية العربية التي يشكل التراث، وتشكل العادات والتقاليد مقوماً كبيراً منها. صحيح ان أكثر عرب ديترويت لم يحافظوا على لغتهم كما ينبغي، ولكنهم مع ذلك احتفظوا بعدة خصائص تميزهم عن الغير، احتفظوا مثلاً بتعلقهم بالطعام العربي، وواظبوا على اعداده وتهيئته وبيعه في أسواق ومطاعم عديدة. ان المطاعم العربية أثيرة لبعض المواطنين الأمريكيين، ولكنها لم تنتشر مع ذلك، كما انتشرت المطاعم المكسيكية مثلاً. ربما كان السبب ان الجاليات المكسيكية يتكاثر فيها «العزاب» بينما يعيش العرب في «أسر» ويفضلون ان يتناولوا الطعام في منازلهم، وربما كان اعتماد المطاعم المكسيكية على إعداد لحم الخنزير سبباً آخر، حيث تنأنى معظم المطاعم العربية عن إعداد لحم الخنزير، حتى ولو كان ملاكها من غير المسلمين. ثقافة الطعام افتتح أول المطاعم العربية بديترويت بعد وقت قليل من انتهاء الحرب العالمية الأولى، افتتحه اللبناني فاضل غنيم لخدمة عدد محدود من الزبائن اللبنانيين الذين مثلوا أفراداً من الجيلين الأول والثاني من المهاجرين العرب، وقد دأب غنيم على ان يقدم لهم وجبات رخيصة يستطعمونها. ولم يكن للمطعم اسم محدد، وإنما عُلقت لافتة صغيرة على مدخله تقول «أطعمة عربية» ومع ذلك فكثيراً ما استقدمت تلك اللافتة زبائن غير عرب إلى المطعم. اضطر المطعم إلى ان يغلق أبوابه بسبب الكساد العظيم الذي ضرب البلاد في الثلاثينيات، وظل مغلقاً خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وعاد إلى خدمة زبائنه عام 1944، ولكن في موقع آخر غير بعيد عن موقعه الأول، وبلافتة جديدة سمته «مطعم الشيخ لبيع الأطعمة السورية». واستقطب المطعم زبائن أكثر وتوسع في توظيف عمالة جديدة، وفي 1956 فاز صاحب المطعم بجائزة «المهاجر المثالي» بسبب الخدمات المتميزة لمطعمه الذي أثرى الذوق العام بالمدينة، كما جاء في حيثيات منح الجائزة. بموت فاضل غنيم، قام زوج ابنته الكبرى بإدارة المطعم وذلك بعد ان كان مجرد عامل لتقديم الأطباق فيه، وبموت هذا قامت أرملته مع أختها بإدارة المطعم لعدة سنوات حتى أغلق أبوابه نهائياً في 1987، بعد أن قام بدور رائد في الحفاظ على الذوق العربي في الطعام، ونشر ذلك الذوق قدر الامكان بين سكان ديترويت من الأمريكان. وفي عام 1954 أسس لبناني آخر يدعى جبريل وديع أول متجر متخصص في استيراد الأطعمة العربية من أقطار الشرق الأوسط، وما زال محل جبريل يمارس تلك التجارة حتى الآن، ولكنه انتقل من ملكية جبريل إلى تاجر افريقي مال بتلك التجارة إلى خدمة جاليات أخرى كالألبان واليوغسلاف. ولكن محلات عربية كثيرة نشأت بعد ذلك وقامت تجارتها أساساً على استيراد الأطعمة المجففة والمعلبة من العالم العربي، بل نشأت مصانع عربية لتعليب الأطعمة المحبوبة للجالية كمصانع زياد وغيرها. انتشرت المحلات التجارية العربية الصغيرة ببعض شوارع ديترويت منذ 1900، كما تكاثرت اعداد الباعة المتجولين العرب، حيث كان كثير من العمال العرب في المتاجر والمصانع يراكمون مدخراتهم خصيصاً لكي ينعتقوا من أسر العمالة للغير، ولكي ينطلقوا من عالم العمل الخاص. وأصبحت تلك المحلات التجارية العربية تتنامى وتتصل بزبائن خارج رقعة ديترويت الكبرى، وخارج نطاق ولاية متشجان من جموع العرب المنتشرين في الولايات المجاورة، وتلبي حاجاتهم من البضائع والمنتجات العربية سواء عن طريق البريد أو التوصيل الخاص. في مجتمع «الأعمال» يعتبرون أي شيء وفق قيمته المادية، وبقاء أي شيء أو تقدمه أو نجاحه وانتشاره رهن بقيمته المادية وبقدرته على المنافسة والانتشار، وإذا كانت ألوان الأطعمة والمنتجات العربية قد صمدت وقاومت الاندثار وتمكنت من الانتشار حتى عشقها الأمريكيون كما كنت أرى في المطعم العربي بمدينة اكسفورد بولاية المسيسيبي فلأن ادارة تلك المطاعم قد تفننت في العرض وإغراء الأمريكيين لمحاولة تناول تلك الأطعمة ومن ثم استطعامها واستمزاجها والاقبال عليها. ولا يستثنى من هذا المعيار المادي للنجاح أي شيء، حتى الدين نفسه، فالمؤسسات الدينية التي لا قدرات مالية لها، ولاتساعد أنصارها على تحسين أوضاعهم المادية، سرعان ما تنكمش ويحل بها البوار. أما المؤسسات الفنية فإن عماد نجاحها الأول والأخير هو المال، فمهما كان الفنان مبدعاً، ما لم يؤسس لنفسه على قاعدة تجارية متينة، فإنه يتخلف كثيراً عن الركب ويضطر إلى البحث عن مهنة أخرى لأكل العيش. كان ذلك هو الدافع الذي حدا بعرب ديترويت لإنشاء الفرق الموسيقية على أساس تجاري بحت، وهكذا تحتم على الفنانين ان يبذلوا جهدهم لتجويد صنعتهم الفنية، والتقرب بها إلى قلوب الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين، ممن تستهويهم في المقام الأول أنغام الموسيقى الأمريكية. لذلك انبعثت من الآلات الموسيقية على أيدي هؤلاء أنغام جديدة هي نتاج التلاقي ما بين النغم العربي التقليدي والبيئة الفنية الأمريكية، وكان ذلك أحرى بأن يحقق قبولاً ورواجاً لذلك النمط الموسيقي الهجين وسط عرب ديترويت. ذلك الاتجاه الفني «التجديدي» حظي بتأييد الدارسين الانثروبولوجيين دعاة التأقلم والاندماج الثقافي، أمثال نبيل ابراهام، كما لاقى رضا وقبول علماء الموسيقى التعبيرية، شأن البروفسورة «أنا راسموسين» التي أعدت رسالتها للدكتوراه عن موسيقيي ديترويت، وتتبعت تاريخهم منذ بداية نشأة فرقهم الموسيقية في الثلاثينيات من القرن الماضي، وسجلت نقاط الارتقاء المتتابعة في مسيرتهم الفنية، وحللت مضامين الكثيرمن أغانيهم المغناة بالانجليزية من مثل «نفير السفينة» و «رجعة المهاجر» و «واقف على الشاطئ» وغيرها من الأغاني التي تعبر عن مشاعر القلق والحب والحزن على الفراق، وتختلط فيها الكلمات العربية بالانجليزية، في ايقاع شجي موزون وجد طريقه إلى الأذن الأمريكية. بجانب تلك النجاحات يمكن ان نذكر بالطبع نجاحات علماء ومهنيين عرب كثر، أصبحوا يشكلون طبقة مميزة في المجتمع الأمريكي. إن تعداد الأطباء والمهندسين العرب في مجتمعات أمريكا تعداد متزايد، وإنجازات هؤلاء في مجال التقدم التكنولوجي انجازات مرموقة نالت اعترافاً واسعاً. ولا تكاد تجد جامعة أمريكية، إلا وبها عالم عربي مرموق، سواء قدم حديثاً، وفسح له المجال اعترافاً بكفاءته وتفوقه، أو كان من أبناء الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين العرب. الوجود الأسري ان الجهد العربي الايجابي في دعم الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية الأمريكية ورفدها بدم جديد، قد أضاف إلى أمريكا شيئاً مماثلاً وموازياً لما اضافته وتضيفه لها جاليات عديدة استوطنت بها منذ قرن أو يزيد. ولكن الوجود العربي بحواضر أمريكا الكبرى وفي طليعتها ديترويت الكبرى يمكن ان يضيف رصيداً جديداً من القيم والمثل التي تعوز أمريكا وتفتقر إليها أشد ما يكون الافتقار. إن الوجود العربي المتماسك «أسريا» هو وجود نموذجي تنظر إليه أمريكا باعجاب في ظل تآكل «الأسرة» الأمريكية وتشظيها الذي بدأ منذ أكثر من قرن ونصف، وآخذ يعطي نتائجه المفزعة حالياً، بحيث أصبحت الأسرة لا ترى ـ إن أمكن ان ترى ـ إلا في صالات الطعام، أو خلال رؤية برنامج على التلفاز، في ساعات ما بعد العودة من العمل.. هذا وربما لا يجتمع شملها إلا في عطلات الأعياد. هذا الحضور الواهي للأسرة الأمريكية يقابله حضور طاغ للأسرة العربية التي تجمع عدداً كبيراً من الأطفال، وقد تجمع معهم الأجداد و الأقارب كذلك، بحيث تصبح الأسرة شبه مجتمع مصغر، وبحيث يتعذر أحيانا تحديد أين تتناهى حدود الأسرة، ليبدأ حد المجتمع. هذا الارتباط الأسري طبيعي من المنظور العربي، ولكنه مدهش ومعجب إلى أقصى حدود الدهشة والعجب عند الأمريكان، وقد اندهش باحث اجتماعي أمريكي يدعى أندرو شريوك كثيراً عندما أجرى بحثاً وسط عرب ديترويت، وسأل العشرات منهم كيف يقضون أوقاتهم عندما يزورون أوطانهم الأم، وعندها تطابقت اجاباتهم بأنهم يقضونها في زيارات أقاربهم الذين لا حصر لهم، وفي استقبال أولئك الأقارب عندما يزورونهم للتهنئة بسلامة الوصول وفي جلسات الأنس وتبادل الهدايا، وتناول الشاي والطعام.. إلخ. هذه العلاقات التي تُضفي الأمن والسعادة على الحياة، يفتقد المجتمع الأمريكي دفئها ودفقها الودود، وكم يغبط الأمريكيون المجتمعات العربية على استمتاعها بالجو الأسري بغير حدود، وسيبقى عرب أمريكا يقدمون بسلوكهم الاجتماعي قدوة فُضلى للأمريكان، بشأن احترام قواعد التمدن الانساني الأولى، وعدم التضحية بتلك القواعد المثلى في سبيل الترقي المادي الفردي الذي أدمنه الأمريكيون، وأهدروا من أجله أعز ما أفرزته المسيرة البشرية وطورته وعززته من قواعد السلوك. الدفاع عن القضايا العربية ان لقاء وتواصل عرب أمريكا بأوطانهم الأصلية أصبح ميسوراً أكثر في عهد العولمة وثورة الاتصالات، لم يعد الاتصال التلفوني يكلف عناء مستطيراً كما كان يكلف قبل عشر سنوات، بحيث كان يتوجب الاتصال بمركز الهاتف المحلي في المدينة أو القرية أولاً، ليوصلك بالشخص المطلوب، أو يستدعيه لك مع تكاليف مادية عالية تصل إلى خمسة دولارات في الدقيقة للطرف الذي طلب المحادثة وتكاليف أخرى للطرف المطلوب. الآن أصبحت التكاليف في الحدود الدنيا، لا سيما إذا تم الاتصال عن طريق الانترنت والبريد الالكتروني. هذا التواصل والاستمداد المباشر من الجذور العربية سيساعد عرب أمريكا على تكثيف الجانب العربي من هويتهم وينضاف إلى ذلك النوع من التواصل عامل الاتصال عبر القنوات الفضائية العربية، التي أصبحت تلتقط في كثير من بيوتات الجاليات العربية بأمريكا. هذا الاتصال وان كان في الغالب مجرد استقبال لمواد تلك الفضائيات، إلا انه يكفي لتزويد تلك الجاليات بالأخبار والمجريات والتطورات الثقافية والاجتماعية بالعالم العربي، ويمكّن عرب أمريكا من الإلمام بما يجب ان يلموا به من قضايا بلدانهم، التي يمثلونها كسفراء لها في أمريكا. هذا الاختراق الإعلامي العربي، للحيز الأمريكي سيساعد ولا ريب في توعية عرب أمريكا بالقضايا القومية العربية التي يتعاطفون معها مبدئياً، ولكن يعوزهم الإلمام الكافي بها، حتى يتمكنوا من الدفاع عنها بجدارة في مواجهة الأفعى الصهيونية التي تمثل أقوى آليات الضغط على صناع قرارات السياسة الخارجية الأمريكية. وأخيراً يستطيع عرب أمريكا ان يقدموا الزاد الروحي الأمثل الذي تحتاجه أمريكا في الصميم، إنهم يستطيعون بما اكتسبوه من القدرات العقلانية العالية ان يعيدوا طرح الإسلام بأسلوب يناسب العصر الحديث، ويناسب العقلية الأمريكية التي عايشوها عن قرب، وخبروا مداخل التواصل معها. ويستطيعون بذلك ان يقدموا خير ما عندهم للأمريكان، بعد ان يأخذوا لأنفسهم خير ما عند الأمريكان، فذلك هو حوار الحضارات الحق، وذلك هو الدخول المتحدي الواثق في التيار الأمريكي العام.