اشتهر استاذا هارفارد وكولومبيا الدكتور وليد خالدي والدكتور إدوارد سعيد على التوالي بأنهما ابرز شخصيتين فلسطينيين على المستوى العالمي بأمريكا. ولكن ها هو الدكتور نبيل ابراهام «محرِّر هذا الكتاب ـ يلحق بهما في سمعتيهما العريضة في الاوساط الاكاديمية، إذ اخذت تتبارى على نشر كتبه دور النشر المعتبرة، وأخذ القراء ذوو الجدية يتلقفون كتبه في كل مكان. وإذا كانت سيرة البروفسورين السابقين معروفة للقراء، فإن د. إبراهام يبسط لنا هاهنا جزءاً من سيرته الذاتية. ولعلها هي المرة الأولى التي يتاح فيها للقاريء العربي ان يتعرف على طرف من سيرة هذا العالم الاكاديمي الشهير في الغرب، إذ ان كتب د. ابراهام ـ حسب علمي ـ ليست منقولة الى لغة الضاد، مع انها بقيمتها الفائقة واسلوبها وتشويقها، تستحق أن تترجم بأقلام ماهرة إلى القراء العرب، حتى يتعرفوا على جوانب معجبة من تجارب عرب الشتات. تجربة مع التراث كتب د. ابراهام هذا المقطع من سيرته الذاتية داخل الاطار النظري العام لكتاب «عرب ديترويت» وهو الاطار الذي يعالج فيه موضوع ازدواج الهوية ـ العربية الامريكية ـ ويؤصّل فيه لدعوته الى اندماج عرب أمريكا في التيار الامريكي العام. وربما استشف القاريء من خلال التفاصيل الدقيقة التي يسردها ابراهام بعناية وتشويق، ان مبادرات انفصامه الباكر عن الثقافة الامريكية، هي التي تدعوه الان الى العكس، اي الاندماج في تلك الثقافة والصدور عنها. لقد عزلته اسرته بتراثها العربي عن الثقافة الامريكية، وفي فترة لاحقة ثار الصبي ابراهام على ذلك التراث العربي لأنه صدّه عن مرامه في أن يكون امريكيا مثل الامريكيين الاخرين من انداده. ثم جاءت هزيمة العرب امام اسرائيل في 1967 لتجلل هامته بالعار من الانتماء الى المهزومين، حتى أنه قرر ان ينطلق بعيداً عن اسرته واقاربه ومعارفه وعن ديترويت كلها، ليصبح جنديا في قوات مشاة البحرية الامريكية يجوب الآفاق من غير جذور تربطه بأحد. ولكن لم يستمر به شعور الاحباط والخزي طويلاً إذ أن مجرد مشاهدة فيلم سينمائي عن احداث الثورة الجزائرية اعادت اليه إيمانه بالعرب المنتصرين. في ذلك الحين كان نبيل منجذباً الى حلقات اليسار الراديكالي الامريكي، الذي كانت تعج به ساحات الجامعات وكان لذلك اليسار اهدافه المبدئية والمصلحية معا، اذ كان يناضل ضد استمرار حرب فيتنام، التي كانت تبتلع ارواح الشباب الامريكي، لاسيما شباب الجامعات، ومع ذلك اليسار المبدئي كانت تتنامى كذلك حركات العبثية والعدمية. من تلك الحمأة انطلق نبيل مدفوعا بنصائح حميمة اسدتها اليه امه لكي يخلط قضية فلسطين بقضية فيتنام، ولكي يحاول ان يستحث همم الطلاب العرب، عسى أن يتحركوا نوعاً في ذلك السبيل ولو بمجرد إقامة الحفلات الاجتماعية، والمهرجانات الخطابية، وجمع التبرعات للثورة الفلسطينية. ومع ان تصورات نبيل عن العرب انهم قوم ضعفاء في مسائل الحشد والنفير خاصة اذاما قورنوا بالجاليات الاخرى في امريكا الا ان الاستجابة كانت بخلاف ذلك. لقد أدرك نبيل ذلك في اول لقاء له مع طلاب جامعة «ميين» حيث ذهب الى هناك بعد تردد وهاله ان يرى غرفة الاجتماع تغص بالحضور، وهاله أكثر أن يرى مديرة الاجتماع امرأة عربية، تتحدث الانجليزية بطلاقة مذهلة، ولم يكن يتصور ان المرأة العربية يمكن ان تقدم أو ان يسمح لها باداء مثل تلك الادوار القيادية، في مجال الحشد السياسي والقومي. كان حضور نبيل لذلك اللقاء نقطة تحول حاسمة في حياته اذ انه بدأ تدريجياً يتفاعل مع القضايا العربية، وينشط في مجالات دعمها، كما اخذ يتشرب، بعمق، دفء الحياة العربية، ويكتشف سحر ثقافة امته الذاتية، وسجل، مدفوعا بذلك الاعجاب، في برامج لتعلم اللغة العربية في الجامعة، حتى يحسِّن من مستوى قراءته للنصوص العربية، وأخذت دائرة اصدقائه من الامريكيين تضيق، بينما اخذت دائرة اصدقائه العرب الجدد في الاتساع. وتعمق حب العرب وثقافتهم في قلبه، حتى قرر ان يغير تخصصه الدراسي، من مجال الفلسفة، الى مجال التاريخ والانثروبولوجيا. وما جاء عام 1969 الا وكان نبيل قد عاد الى جذوره الثقافية العربية من جديد. الى الجزائر في 1978 أكمل نبيل دراساته العليا في جامعة متشجان العربية، وكان مجال العمل في التدريس الجامعي مفتوحاً امامه، إلا أنه فضل أن ينطلق الى الجزائر التي سحرته بطولات مجاهديها ضد الفرنسيين، وكان في تقديره ان يقيم بصورة دائمة بالجزائر، وان تكون لغته في التدريس الجامعي هي اللغة العربية. وبالفعل فقد عين استاذاً مساعداً بجامعة الجزائر، ولكنه اصطدم بحقيقة انه لا يتحدث العربية الاصيلة كما ينبعي، وانه يبدو في نظر الناس كمستشرق، أو كمواطن غير عربي يتحدث العربية، وأشد من ذلك وقعا على النفس، وقد اكتشف ان الحديث بالعربية وسط المثقفين، والنخب الجزائرية، يقلل من مكانة المرء عندهم، إذ ان الكثيرين من المثقفين والمتعلمين حتى لو كانوا يجيدون العربية، فانهم كانوا لا يفضلون ان يتحدثوها او يسمعوها وكان الافضل عندهم أن يتحاوروا بالفرنسية، وإلا فالانجليزية افضل من الحديث بالعربية. هكذا جاءت الصدمة الأليمة غير المتوقعة التي اقنعت د. نبيل بأن الانجليزية هي لغته الأم، لا العربية، وان التفاهم بها من الوجهة العملية المحضة هو المطلوب، فالجميع اعتبروه امريكيا لا عربياً، حتى مواطنيه الفلسطينيين في الجزائر، ولذلك رفض عرضا للعمل كباحث بمركز الدراسات الفلسطينية ببيروت وحزم حقائبه راجعاً الى الولايات المتحدة. هكذا فشل نبيل في أن يعيد غرس جذوره في البيئة العربية، وبعودته الى امريكا فشل كذلك في ان يستعيد هويته الامريكية القديمة، وبدأ يفكر على نحو جديد: إنه ليس عربياً محضاً، ولا أمريكياً محضاً، وإنما شيء بين هذا وذاك، وذلك هو ما استقر عليه من تكوين وجودي، ظل يحافظ عليه ويدافع عنه وظل يدعو سواه من عرب امريكا لتبنيه، وعلى اساسه اقام اطروحة هذا الكتاب الذي نستعرضه الان. العقدة تصبح ازمة جاءت احداث نهايات السبعينيات لتشد نبيل بقوة الى العالم العربي، حيث اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1978 في محاولة لسحق قوات منظمة التحرير الفلسطينية، وترافق ذلك مع اندلاع المظاهرات في ايران التي انتهت بخلع الشاه، وما أعقب ذلك من ازمة الرهائن المتطاولة، التي اثارت الرأي العام الامريكي ضد المسلمين والعرب الامريكيين. وهكذا اصبح الانتماء الى العروبة بأمريكا ليس «عقدة» عند البعض، وإنما اصبح ازمة و«معاناة» مع مشاعر التميز الصاخب من الامريكيين. ولكن بدلاً من ان يؤدي ذلك المناخ الخانق الى كبت حركة نبيل وتطلعاته القومية، إذا به يتصاعد في نشاطه ضمن اتحاد الخريجين الجامعيين العرب الامريكيين، وهو اتحاد قومي، له فروعه في كثير من الولايات الامريكية، ثم اصبح مستشاراً لفرع اللجنة العربية لمناهضة التمييز العنصري في ديترويت، ومتحدثا رئيسياً لاجهزة الاعلام الامريكية، عن الثقافة العربية والاسلام والشرق الاوسط. وهكذا استطاب د. نبيل وضعه الجديد المنسجم مع هويته العربية الامريكية. واتساقاً مع ذلك الوضع تكللت جهوده بعد محاولتين عاطفيتين فاشلتين ـ احداهما مع امريكية صرفة، والثانية مع عربية صرفة ـ بالزواج من فتاة امريكية من أصل عربي، ومما ادهش نبيل كثيراً ان والد الفتاة كان هارباً من مصر وعبدالناصر، وذلك في وقت كان نبيل فيه ناصري الهوى. واخيراً استقر نبيل عملياً في كلية هنري فورد المرموقة، وواصل نشاطه القومي وسط عرب امريكا، راجياً ان يتمكن من حشدهم، في شكل منظمة كبرى تعمل من اجل القضايا القومية، وقد وفق جزئياً في الهدف الاول، حيث تمكن من انشاء فرع قوى لتلك المنظمة بديترويت، غير انه اخفق اخفاقاً تاماً في تحقيق الهدف الثاني، مصطدماً بالخلافات العربية التي جلبها المهاجرون معهم من مواطنهم الاولى. لقد تعذر على د. نبيل صهر توجهاتهم ودمجها في مشروعه لامركة المهاجرين، وتشريبهم بالهوية التي استقروا عليها هوية العربي الامريكي، ولم يجاره في ذلك الخط الا القلائل من المتعلمين، ومن نخب الطبقة الوسطى لعرب امريكا. وتجلّى فشل نبيل في استمالة عرب امريكا الى خط افكاره اثناء حرب الخليج، حيث نعى عليه الكثيرون مبادرته بادانة غزو العراق للكويت وضمه اياها، وادانوه بأنه يغلب الجانب الامريكي في هويته على جانبها العربي، وفي ذات الوقت انتقده الامريكيون على دعوته لاعطاء وقت للمفاوضات بغية ايجاد حل سلمي للنزاع. ومن الجانبين العربي والامريكي، جانبي هويته، اخذت تزداد وتتكاثف عليه الضغوط، حتى اضطر الى اتخاذ مواقف مجردة تتعلق بحقوق الانسان، والعدل العالمي، .. الخ ثم اخذ ينسحب من ذلك تدريجياً ليعود للتركيز على مجاله الاكاديمي، وللتفكير من منطق انثروبولوجي لا قومي ولا سياسي. وعاد ليدرس المجتمعات العربية في امريكا بمنهجية علم «الانثروبولوجيا»، وهي المنهجية التي تجلت في عدة كتب انجزها في هذا المجال، منها هذا الكتاب. تراكب الهوية بعد حرب الخليج وجد الباحث الانثروبولوجي نفسه مهمشاً كثيراً من جانب موضوع دراسته، عرب امريكا ـ فأخذ يدمج نفسه في محيط الاكاديميين، والمفكرين النظريين من الامريكيين، ومن اليهود والعرب الذين يفكرون على انهم امريكيون، اكثر مما يفعلون بهوياتهم القومية الاصلية. وفي ظل هذا الاحساس القومي المتراجع قرر ان يزور بلاده فلسطين، في ايام تصاعد الانتفاضة، كان طبيعياً ان يحس بالعزلة وتبدد الاحلام القديمة، ومرة ثانية رأى كيف ان الناس يعاملونه على انه امريكي لا عربي. على انه في زيارة اخرى لبلاده بعد عامين، عاد فتوغل حتى بلغ القدس، وراعه انها شيء آخر مختلف تماماً عما كان يصفه بها آباؤه الذين نزحوا عن فلسطين، وبحسه الانساني المرهف تأذى كثيراً من مشاعر التعصب والتفرقة العنصرية، التي تمارس ضد العرب هناك، وهي تفرقة كما قال، اسوأ بكثير، نوعاً وكما من اي نوع من التفرقة عاناه عرب امريكا عموماً، او عرب ديترويت، على الخصوص، قائلاً ان ذلك النوع من التفرقة لم يوجد له نظير الا في نظام «الابارتيد» الذي كان سائداً حينها بجنوب افريقيا. في طريقه للقاء البروفيسور «اسرائيل شاحاك»، المفكر والناشط الاسرائيلي المعروف بمناوأته للصهيونية، كان بروفيسور نبيل يرتدي بنطلون الجينز الابيض ويعتمر قبعة لاعبي البيسبول، فيبدو للمارة كمواطن امريكي، وربما حسبه المواطنون العرب يهودياً امريكياً، ولكن كل ذلك لم يعطه الامان ـ في مدينة الامان ـ لأنه لم يكن متأكداً من تصور الاسرائيليين له، خاصة ان الشارع الذي كان يسير فيه، كان قد شهد حادث تفجير استشهادي قبل اشهر قلائل. وفي اسر ذلك الهاجس ظل يفكر في عاقبة امره، اذا حدث فجأة انفجار بالمنطقة، ماذا يفعل؟ وكيف يحمي نفسه من الرعاع الاسرائيلي؟ فجرى في خاطره ان يشهر مباشرة جواز السفر الامريكي حماية لنفسه، ولكنه تذكر جيداً ان الاسرائيليين لا يمكن ان يعتبرونه امريكياً فهم في صالة المطار احتجزوه مع المواطنين العرب، وفصلوه عن ركبه من السياح الامريكيين! تمزق الوجود مرة اخرى ماجت في ذهنه امواج الهوية المتنافرة، وغدا يستعيد مفاصل تجربته الماثلة وكيف رأى ان اهل امة بالقدس كانوا ينادونه بـ «ابن خديجة» وكيف ان اهل ابيه طفقوا ينادونه بـ «ابن يونس» وكيف ان عرب القدس كانوا يعتبرونه «امريكياً» وكيف انه في المحكمة الشرعية اعتبروه «مسلماً» وكيف انه في القنصلية الامريكية بالقدس اعتبروه «امريكياً».. وانه لم يعتبر «فلسطينياً» قط الا خلال اقامته بالجزائر! ذلك التمزق الوجودي كان له اثره البالغ في نفسية بروفيسور نبيل فهاهو بعودته لامريكا يتغير كثيراً ـ ان التجربة تنتهي كالآتي «انه الان في ملعب كرة القدم باستاد جامعة ميتشجان، يشهد احدى مباريات الفرق الجامعية. وكان برفقته استاذان امريكيان من نفس الجامعة، يتجاذب معهما اطراف الحديث». لقد قضى نبيل خمس سنوات من صياغة طلب دراسات عليا بتلك الجامعة، لم يفكر قط بحضور اي مباراة اثناءها، اذ كان مشغولاً بالهموم القومية، واكتشاف الهوية، واداء دور ما في الحياة السياسية العربية. لقد كان موعد حضوره للمباراة مترافقاً مع موعد اخر، لاقامة حفل تكريم لبروفيسور جامعة كولمبيا الشهير ادوارد سعيد. ومع ان بروفيسور نبيل تلقى دعوة لحضور حفل تكريم صديقه الشخصي سعيد الا انه لم يستجب. لقد علل نفسه بأنه سيلتقي سعيداً ويستمع على محاضرته في الاسبوع المقبل بجامعة آن آرير في ميتشجان، ولكنه في حقيقة امره انما رفض الدعوة، لأن في برنامجها بند يدعو لمناقشة مستقبل الوضع الفلسطيني على ضوء اتفاقيات اوسلو!! انه لم يفصل نفسه بالطبع عن مستقبل الوضع الفلسطيني، ولكنه انما اصيب بالاعياء، من محاولة بحث الموضوع على ذلك الضوء الباهت. لقد حاول د. نبيل ان يشرح تلك المفارقة لزميليه، على مدارج الملعب، لكنه سرعان ما ادرك ان الامر اكثر تعقيداً من ان يشرحه بكلمات عابرة في تلك الجلسة، فضلاً عن ان زميليه كانا مستغرقين بمشاهدة المباراة. مأساة ازدواج الهوية وتنافرها هي مفتاح عقدة بروفيسور نبيل ابراهام، وهي عقدة تبدو حتى من تركيبة اسمه الشخصي، وتغوص عميقاً في العقل والروح معاً، حتى لتطبع ميسمها واضحاً في كل تطوراته ومساعيه. وهي بعد ليست مأساته وحده، انما مأساة جيل ـ بل جيلين ـ عربيين نشآ وتكونا بمنطقة ديترويت العظمى الكبرى. مازال يعتورهما القلق، وتتجاذبهما ولاءات تبدو متنافرة، بعضها يشد الى الوطن العربي، وبعضها يشد الى مسقط الرأس الامريكي. وقد يمضي زمن غير قليل قبل ان تنسجم او تحسم تلك الولاءات المتنافرة.