القت معارك الشوارع، التي خلفت قتيلا واحدا ونحو 100 مصاب، بظلالها القاتمة على مجموعة الدول الصناعية المنعقدة بجنوة، في يومها الثاني. وفيما فتح تحقيق قضائي مع الشرطي المتسبب في مصرع الشاب الايطالي الذي اطلقت عليه الصحافة الغربية لقب «شهيد العولمة»، سارع زعماء الدول الصناعية إلى شجب «العنف الفوضوي» مع تأكيدهم على احترام الحق في الاحتجاج السلمي، وتنافس الزعماء على التعبير عن الاسف لحادث القتل لكنهم طالبوا بعزل مثيري الشغب. وبدأ ممثلو الادعاء الايطاليون امس تحقيقا مع رجل الشرطة الذي أطلق النار على المتظاهر القتيل. وقد أثار مصرع كارلو جولياني البالغ من العمر 23 عاما على يد ضابط بالشرطة العسكرية حفيظة آلاف النشطاء. وكان جولياني قد أصيب بطلقتين في رأسه بينما كان يحاول إلقاء طفاية حريق على سيارة للشرطة. وقال ضابط الشرطة الايطالي الذي أطلق النار عليه أنه كان يتصرف من منطلق الدفاع عن النفس.وذكر ممثلو الادعاء أنهم سوف يحاولون تقرير ما إذا كان الموقف استحق فعلا استخدام سلاح ناري. وإذا لم يكن الموقف يستدعي ذلك، فإن الضابط ربما يواجه تهمة القتل الخطأ.واعلنت الشرطة ان جولياني معروف من اجهزة الشرطة، واضافت ان الشاب الذي ينتمي الى مجموعة «بانك بستيا» اعتقل في السابق بتهمة حيازة سلاح ابيض محظور ومقاومة عناصر الشرطة واهانتهم.ويتحدر جولياني من اسرة ميسورة ووالده نقابي لكنه كان يعيش متسولا.وسيطر الهدوء الليلة قبل الماضية وصباح امس على المدينة التي اصيبت بصدمة جراء المواجهات بين قوى الامن والمتظاهرين المناهضين للعولمة التي ادت الى سقوط قتيل واكثر من مئة جريح خلال اليوم الاول من القمة. وكانت مشارف «المنطقة الحمراء» التي ضمت المواقع الرئيسية التي تستضيف اعمال القمة، خالية من اي متظاهر صباح امس في حين بدأ نحو 20 الف شرطي وجندي حشدوا لضمان امن زعماء الدول في مجموعة الثماني، يتمركزون في مواقعهم. ومع مقتل الايطالي كارلو جولياني (23 عاما) برصاصة دركي ايطالي، بات لقضية مناهضة العولمة «شهيدها» الاول منذ انطلاقتها في سياتل (الولايات المتحدة) في نهاية العام 1999 وبدء التظاهرات التي غالبا ما يطغى عليها العنف، ضد الاجتماعات الاقتصادية العالمية. وينتظر توافد اكثر من مئة الف متظاهر لاحقا في اطار مسيرة سلمية. لكن عدد المشاركين الكبير فيها الذي سيجعلها اكبر تظاهرة مناهضة للعولمة في التاريخ، يفتح الباب امام تجاوزات كثيرة محتملة. ولا ينوي المتظاهرون خلافا لامس الاول اقتحام «المنطقة الحمراء» المخصصة للاشخاص المخولين حضور القمة، لكن سيكون من السهل على المخربين التسلل بين الناشطين المسالمين. وكان الرئيس الايطالي كارلو ازيجليو تشامبي ورئيس الحكومة سيلفيو بيرلسكوني وجها عبر التلفزيون الايطالي مساء الجمعة نداءات لوقف العنف التي طغت في وسائل الاعلام الدولية على اعمال قمة مجموعة الثماني. وعرض التلفزيون الايطالي مشاهد للقتيل بينما غط في بركة من الدماء وسط الطريق. وقد حاولت الشرطة المدججة بالدروع منع المصورين من تصوير المشهد الذي يشير إلى مصرعه على أيدي ضابط من قوات مكافحة الشغب برصاصة في الرأس من مسافة قريبة. وذكرت هيئة الاذاعة البريطانية «بي. بي. سي» أن إطلاق الرصاص على المحتج جاء دفاعا عن النفس. ولم تتضح بعد الكيفية التي لقي بها الضحية مصرعه. وذكر مصور طلب عدم الكشف عن هويته، بأنه شاهد الشرطة تطلق النار على الشاب. ونقلت وكالة الانباء الايطالية (انسا) عن شهود عيان آخرين قولهم إن مجموعة صغيرة من المتطرفين استفزوا الشرطة، وأن مسئولين ألمحوا إلى أن الضحية ربما يكون قد أصيب بحجر.وذكرت الوكالة أن إحدى المحتجات أصيبت بإصابة خطيرة، كما أصيب ضابط شرطة بإصابات خطيرة في رأسه وعينيه. وقالت الشرطة إن أكثر من 85 شخصا أصيبوا في المصادمات، كما تم اعتقال نحو 40 شخصا. وتم نهب سوبر ماركت ومحطات للغاز، كما هوجمت عدة بنوك. واستخدمت القنابل الحارقة في إضرام النار في السيارات في مشاهد عبثية، فيما راح المواطنون يفرون من سحب الغاز المسيل للدموع والشلالات المندفعة من مدافع المياه التي أطلقت على الجماهير. واستخدمت الحواجز المشتعلة من حرق القمامة في إغلاق الشوارع وتعرض رجال الشرطة لوابل من حجارة الاسفلت. وشارك في أعمال العنف ما يقدر بنحو 120 ألف متظاهر تجمعوا في جنوه، فيما يتولى 20 ألفا من قوات الشرطة والقوات شبه العسكرية حماية مقر اجتماع القمة. وحملت اللافتات التي رفعها المحتجون ومعظمهم من الشباب عبارات «الرأسمالية قاتلة» و«عالمنا ليس للبيع». وردا على مقتل المتظاهر، دعا الرئيس الايطالي كارلوا أزيجيليو شيامبي المتظاهرين المناوئين للعولمة إلى تخفيف الهجمات. وقال تشامبي «إنني أشعر بصدمة وحزن عميق على فقد هذا الشاب. وأتوجه إلى المحتجين متوسلا أن يوقفوا هذا العنف الاعمى فورا». وبعد أن رفض سيلفيو بيرلسكوني رئيس الوزراء الايطالي المحافظ التعقيب في البداية، نقلت عنه وكالة أنباء (انسا) قوله «إنني أشاطر رئيس البلاد مشاعره تجاه هذا الحادث الجلل».وصرح رومانو برودي رئيس المفوضية الاوروبية الذي يشارك في أعمال القمة بقوله «إن هذا مؤشر واضح على عمق الهوة بين مناقشاتنا اليوم التي كانت إيجابية وما يجري في الخارج».وبصورة جماعية وجهت القمة نداء إلى المحتجين ليعزلوا مثيري المتاعب. واعرب الرئيس الامريكي جورج بوش عن اسفه للصدامات التي وقعت بين عناصر الشرطة والمتظاهرين، واعلن ان مقتل احد المتظاهرين المناهضين للعولمة امر «مأسوي». وقال مسئول في الادارة الامريكية ان «الرئيس يأسف لوقوع اعمال عنف»، واضاف ان «الوفاة امر مأسوي وان اصابة متظاهرين وعناصر شرطة بجروح تدعو الى الاسف الشديد». الوكالات
