ان احدث موجات الهجرة العربية وان لم تعد حديثة الان هي موجة اللاجئين العراقيين الذين اتوا في اعقاب حرب الخليج الى ديترويت وديربورن وتنقلوا كثيرا ما بين المدينة وضواحيها طلبا للسكن المناسب وفرص العمل ولقوا في خلال ذلك الترحال عنتا وضيقا شديدين زاد من عنائهم القديم. وقد اجرت الباحثتان ليندا وولبريدج وطالب عزيز بحثا ميدانيا موسعا في اوساط اولئك اللاجئين حيث التقى الباحثان طوائف شتي من اولئك اللاجئين بعضهم كان سجينا في العراق ثم حررته الانتفاضة الشعبية التي اعقبت حرب الخليج وبعضهم كانوا من اعمدة تلك الانتفاضة التي وعد الحلفاء بحمايتها ثم تخلت امريكا عنها وتركتها لدبابات وطائرات الجيش العراقي لتسحقها ومنهم من تجمع في المعسكرات والخيام تحت حماية الامم المتحدة وحتى تدخلت الولايات المتحدة فاعطتهم حق اللجوء السياسي ونقلتهم الى ديترويت وديربورن. عالم الحواجز والهواجس والغريب انه رغم خلفية الشقاء تلك فان شائعة تنتشر بين عرب ديترويت وعرب امريكا كلها تقول بأن اولئك اللاجئين اناس جد اثرياء فالبعض يزعم ان اولئك اللاجئين قد جلبوا معهم مدخراتهم العائلية من العراق والبعض يقول ان حكومة الولايات المتحدة قد اعطت لكل فرد منهم ثمانية الاف دولار فاذا كانت الاسرة تتكون في المتوسط من ستة اشخاص اذن فكل اسرة قد نالها قرابة خمسين الف دولار وكذلك يتحدث البعض بأن الحكومة الامريكية تتكفل باطعام تلك الاسر بنظام بطاقات الطعام التي تفيض في العادة عن حاجتها وان تلك الاسر تتمتع بالعلاج المجاني على نظام الضمان الصحي وان كثيرا منها يسكن في الشق المدعومة. ان هذه الشائعة السارية تؤكد تلك المقولة القديمة التي تفيد ان الاساطير لا تحتاج في اثباتها الى براهين وانها تظل حية مهما عمل البعض على دحضها وقد ادى انعزال هؤلاء المهاجرين عن بقية عرب ديترويت الى عدم معرفة احوالهم فهم مستمرون في حياة العزلة ظانين انهم لن يلبثوا ان يرجعوا قريبا الى العراق بعد سقوط حكومة صدام حسين! كانت دراسة وتحقيقات ليندا وولبريدج وزميلها طالب عزيز رحلة نقلت القراء الى عالم خفي مسكون بالهواجس السياسية والعوائق اللغوية والحواجز الثقافية وباطلاع القاريء على تفاصيل تلك الدراسة تنقشع عن ذهنه تلك الشائعة ـ الاسطورة ـ عن الثراء المزعوم لاولئك اللاجئين وان كانت الاسطورة ستبقى حية في معظم الاذهان لان القلائل جدا من عرب امريكا هم الذين اتيح لهم ان يطلعوا على محتويات تلك الدراسة الهامة التي تثبت مرة اخرى ان اللاجئين من كل جنس يفقدون كل شيء بمجرد ان يصبحوا لاجئين!! كثيرا من اولئك اللاجئين الذين حلوا بديترويت اتوا من قرى صغيرة من بينها قرية السماوة التي لم يكن تعداد سكانها يزيد عن الخمسين الفا. كانوا الى حوالي بداية السبعينيات يعتمدون في حياتهم على الزراعة والرعي ويعيشون في بيوت طينية غير ان احوالهم تأثرت كثيرا بالطفرة النفطية حيث سكنوا بيوتا حديثة وتمتعوا بخدمات الكهرباء، والطرق المسفلتة والمستشفيات الحديثة والمدارس وغير ذلك. وتأقلموا مع ذلك كثيرا وان ظلت نسبة الامية عالية بينهم وظل تنقلهم قليلا حتى داخل العراق دعك عن اقطار الشرق الاوسط الاخرى او بقية اصقاع العالم. وهكذا فعندما انهمرت افواجهم على ديترويت وجدوا انفسهم مذهولين امام عالم غريب مريب وبمساعدة هؤلاء الحياري اعاد عرب ديترويت القدامي تنشيط اعمال المركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية وهو مركز اسس قديما لغير هذه المهمة ولكنه وجد نفسه يكرس لها معظم وقته مع وفود امواج اللاجئين العراقيين وحتى كادت اعماله تنحصر في مساعدة اولئك اللاجئين لاستكمال معاملاتهم مع الدوائر الرسمية لاسيما في مجالات الهجرة والاقامة والجنسية والخدمات الصحية والتعليمية. ووفقا لرواية آمنة درويش طالب مديرة قسم الخدمات الاجتماعية بالمركز فان طلب اللاجئين للعون يبتديء بالسؤال عن كيفية استخدام البريد وكيفية الاتصال بدائرة الكهرباء وطلب ترجمة الرسائل الرسمية الواردة اليهم من الجوانب المختلفة من الانجليزية الى العربية وطلب مرافقتهم الى الاطباء لترجمة شكاويهم المرضية او طلب التقاطهم من اماكن ضلوا فيها الطريق وتوجيههم الى الطريق الصحيح للوصول الى دورهم. ومع تكاثر اعداد هؤلاء اللاجئين تكاثرت تلك الطلبات على المركز حتى اصبحت تلبية تلك الطلبات وكأنها هي مهمة ووظيفة المركز الاساسية وذلك مع انها لم توضع قط في المهام الوظيفية لمنسوبي المركز وانما تكرموا فقط عن طيب خاطر واريحية عربية لادائها. طوايا خطرة لكن التعامل مع اولئك اللاجئين كان يتكشف كل يوم عن عواقب يصعب علاجها او تسويتها فالعون المادي الامريكي لكل فرد يستمر لمدة ثمانية اشهر بعدها يطلب من الفرد ان يعتمد على نفسه وهذا ما كان يصعب على كثير من اللاجئين تحقيقه حيث انهم في وضع ضعيف من ناحية الحديث بالانجليزية او فهمها وكثير منهم اميون في اللغة العربية. وقد ادت حياة السجون والمخيمات بكثيرين منهم الى المرض العصبي او الامراض المستعصية وقد اهمل الكثيرون من مصابي امراض السكر والقلب خلال سنوات السجن او التشرد بحيث تدهورت اوضاعهم الصحية كثيرا هذا غير من تعرضوا للاشعاعات السامة اثناء الحرب وهؤلاء الاخرون يمكن تشبيههم في معاناتهم بأفراد القوات الامريكية الذين خاضوا حرب الخليج وعادوا يشتكون من الاعراض المرضية الكثيرة الغامضة الاسباب.ويشعر كثيرون من اولئك اللاجئين بأنهم في سجن ارادي كبير ادمنوا على المكوث به من غير فائدة ترى ترجى منه. قدم اكثر اللاجئين على امل ان ينتظروا قليلا بأمريكا ريثما تتمكن قوات الحلفاء من الاطاحة بصدام حسين وتحرير العراق من حكمه. ويقول هؤلاء اللاجئون ان الامريكان صارحوهم فعلا بذلك واخذوا منهم وعدا قاطعا بأن يرجعوهم الى ديارهم عقب تحريرها وتأمينها وقد صدقوا منهم ذلك الوعد وقبلوا لذلك ان يأتوا الى امريكا لاخذ قليل من الراحة وترتيب الحال والعناية بالاطفال وظلوا يعيشون على حلم العودة كل يوم حتى غدت الايام سنينا متطاولة اصبح فيها الحلم يخبو باستمرار واخذت جذورهم تنغرس في الوحل الامريكي واخذ ابناؤهم يتحدثون الانجليزية كأهلها ويحاولون ان يعيشوا كأمريكان وان ينتموا للمجتمع الامريكي. هكذا تضاعفت معاناة اللاجئين العراقيين واطبق عليهم اليأس من امل العودة الى الوطن وما اقسى تجربة هؤلاء اللاجئين فهم طينة لا عهد لها بالتنقل والتطواف انهم يختلفون عن مهاجري لبنان الذين عرفوا التجوال عبر القارات منذ زمان بعيد واقاموا لجالياتهم موضعا في كل دولة واصبحت تجارب الاقدمين منهم مبعث سلوى للقادمين.لذلك فسرعان ما اندمل جرح مهاجري لبنان المحدثين الى ديربورن اولئك الذين قدموا ابان اشتعال اوار الحرب الاهلية اللبنانية فقد ظنوا لسنوات قلائل انهم سيقيمون اقامة مؤقتة ريثما تضع الحرب اوزارها ولكن قبل ان تضع الحرب اوزارها كانوا هم قد تأقلموا مع الوسط الامريكي بصفة عامة والوسط العربي بأمريكا بصفة خاصة والوسط اللبناني بدير بورن على صفة أخص واصبحوا اصحاب مطاعم وبقالات وعقارات. اما هؤلاء العراقيون المهاجرون فلا سلوى لهم في طارق ولا تليد وهذا مازاد جراحهم على الايام وقد تعمقت معاناتهم المادية بسبب ضعف خبراتهم في عالم التجارة فهم ليسوا كالمهاجرين اللبنانيين رجال اعمال بالسليقة ولذا وجد هؤلاء المهاجرون العراقيون انفسهم مجرد ايد عاملة رخيصة عند التجار والصناع وكثيرون منهم يعملون عند تجار عرب. ولان العمل اليدوي قليل العائد في امريكا فإن هؤلاء يضطرون للعمل لساعات طويلة جدا ومع ذلك فلا يكادون يغطون تكاليف المعيشة لأسرهم الكبيرة الامر الذي ضاعف معاناتهم واشعرهم بعمق المرارة من الفاقة والاذلال معا. مأزق العمل اليدوي ان الخروج من مأزق العمل اليدوي في البقالات والمطاعم ومحطات الوقود يتطلب الخضوع للتدريب المكثف لتعلم مهن اخرى تدر عائدا ماليا اعلى وقد استطاع كثير من المهاجرين العرب ان يجتازوا ذلك التدريب وبالتالي قفزوا الى وضع مادي افضل.ولكن في مجال اللاجئين العراقيين برزت اشكالات ومصاعب شتى منها عدم اجادة اللغة الانجليزية وعدم التوفر على اي مؤهل عملي سابق فضلا عن انتشار الامراض المعيقة وسط الكثيرين والحزن الطاغي الذي يقرب ان يصل الى درجة الكآبة وهو معوق حقيقي عن العمل لان معظم اصحاب العمل لا يوظفون الشخص مالم تبد عليه أمارات السعادة والانطلاق والعفوية في التعامل مع الاخرين في محيط الوظيفة. واحيانا تتجاهل ادارة الضمان الاجتماعي كل الاوضاع المأسوية لاولئك اللاجئين فتطلب منهم ان يبادروا فورا لادارات التدريب الوظيفي والا استحال عليهم الحصول على اي عون وهنا يقوم المركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية بتمثيل هؤلاء والدفاع عنهم وعرض حالاتهم بالتفصيل امام سلطات الضمان الاجتماعي. وهذه امثلة يقدمها مسئول المركز لبعض تلك الحالات: فهذا مريض عمره اثنان وعشرون عاماً طلب منه ان يمثل للتدريب المهني بينما هو مصاب بحروق تغطي تسعين بالمئة من جسده ويعاني من اعراض سرطانية وارتفاع في ضغط الدم ومشاكل نفسية تصاحب ذلك وهذا شيخ في السبعين من عمره وله ابنان واحد منهما له ساق واحد حيث بترت الاخرى لسبب مرضي والابن الاخر له يد واحدة حيث قطعت الاخرى في ساحة القتال. ومع ذلك يطلب اليهم ان يحضروا للتدريب وهذا رجل اخر لايستطيع ان يتحرك الا برفقة انبوبة الاوكسجين ومع ذلك يطلب اليه ان يواصل التدريب والعمل وهو يجرها معه. ان حاضر اللاجئين العراقيين بديترويت هو بهذه التعاسة ولكن مستقبلهم سيكون اشد تعاسة فمع تقدم الزمن والتقدم بالسن تزداد المطالب والمشاكل ويتواصل عجز الانسان والمساعدات التي تقدم استثنائيا حتى لحالات الاعاقة الكاملة ستتوقف بعد خمس سنوات مالم يصبح المعاق مواطنا امريكيا وهذا شأن في حكم المستحيل لان الجنسية الامريكية لا تعطي للأميين والمعوقين في العادة. وفي مصادمة مع التقاليد المحلية والبيئية التي قدم منها هؤلاء اللاجئون فان سلطات الضمان الاجتماعي تشترط تقديم المساعدة لهؤلاء ان تعمل نساؤهم لمدة عشرين ساعة في الاسبوع على الاقل وفضلا عن عائق التقاليد فان هؤلاء النسوة يعانين من نفس ما يعاني منه الرجال من عوائق العمل والتدريب كما تناط بهن مسئوليات الاسرة ذات الاطفال العديدين ممن لا تملك الاسرة مصدرا ماديا للانفاق على مربيات او خادمات يتعهدنهن. ان اي اسرة لها في المتوسط ما بين خمسة الى عشرة اطفال حيث ان كثرة عدد الاطفال هو مدعاة للفخر في البيئات التي قدموا منها وبخاصة للنساء ولكنه غدا في امريكا مدعاة للقلق والتوجس والحزن للنساء العراقيات اذ اصبحت محاصرات مع اطفالهن في الشقق الضيقة مع صعوبة في التنقل اذ ان اكثرهن يحسن قيادة السيارات ولا يكدن يلتقين ببنات جنسهن العراقيات في نفس الحاضرة الا لماما. ولما كانت مجالس النساء مجالا لطرح الشكوى والتنفيس عن الهموم فقد حرمت عراقيات ديترويت حتى من ذلك المنفذة فرسم الهم والحزن مبسمه الدائم على وجوههن التي كانت تضج من قبل بالفرح والحبور. ومما يكدر بال اللاجئين العراقيين آنا بعد ان نقد قدامى المهاجرين لمسلكياتهم ان القدامى يريدون من القادمين ان يتأقلموا بسرعة وان يقدموا بعض التنازلات من تقاليدهم ليحترموا تقاليد المجتمع الجديد الذي حلوا فيه وليس كل نقد القدامى سديد بالطبع ولكن ليس كل مسلكيات القادمين مصيبة عين السداد.ان تجاوز القانون يجلب على صاحبه حرجا ومشقات جمة في امريكا ولذا فان الحصيف من لا يفعل ذلك ولو كان في مأمن فمن مأمنه يؤت الحذر ان تجاوز واشارة عدم المرور «الحمراء» يلقي بالمرء في السجن ويقوده الى المحاكمة ويعرضه الى مصادرة رخصته. ولكن كثيرا من هؤلاء اللاجئين لا يفهمون اي حكمة في ضرورة الوقوف عند الاشارة الحمراء عندما لا تكون ثمة سيارات قادمة من الاتجاهات الاخرى ولذا يعرضون انفسهم لكثير من المتاعب مع الشرطة ويسيئون لتعامل العقلية العربية مع القانون. كما ان الكثير منهم لا يفهم سبب تدخل الشرطة في حياتهم الخاصة فعندما قام احدهم بتزويج بنتيه القاصرتين من شابين عراقيين في العشرينيات من عمرهما ظن وهو محق ان ذلك هو التصرف السليم لستر عرضه ولكنه جوبة بالقانون الامريكي الذي يمنع زواج الفتيات في تلك السن ومن ثم انتهى الجميع في السجن وقد تساءل ذلك الرجل عندها بحسرة اني اري في الحارة مراهقات امريكيات في الثانية عشرة والثالثة عشرة من العمر وهن حوامل ولا يعرفن اباء لاجنتهن فهل هذا اهدى اما ما صنعت بتزويج بنتي هاتين لشابين عفيفين؟! وبالطبع فلم يجبه احد لان الاجابة تأتي من عند القضاة في مثل هذه الاحوال.