انطلقت أمس اعمال قمة جنوة (ايطاليا) التي تضم رؤساء دول وحكومات اغنى دول العالم في قصر دوكال، بغياب ممثلي الاتحاد الاوروبي الذين تأخروا بالوصول بسبب عطل طرأ على الطائرة التي تقلهم بينما كانت تدور اشتباكات خارج مقر القمة بين قوات الأمن الايطالية ومناهضي العولمة. وكان رؤساء دول وحكومات مجموعة السبع (المانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وايطاليا واليابان) قد التقوا معا اثناء غداء عمل في وقت سابق. وتنعقد القمة وسط اهتمام بالغ ومزيج من الامال والمخاوف والترقب والتشكك لم تعهده القمم الـ27 السابقة لنادي الكبار. ورغم اتساع محيط الموضوعات التي تندرج على جدول اعمال القمة فإن موضوع العولمة بجوانبه المختلفة مثل تحرير التجارة العالمية وتخفيف حدة ديون الدول الفقيرة ومكافحة الفقر وقضية البيئة هو المسيطر على الجانب الاعلامي للقمة والقوى المناهضة للعولمة. وفي الوقت الذي تتهم فيه قوى متنامية في الرأي العام الغربي والعالمي مجموعة الثماني بأنها مجموعة للمصالح الضيقة تسعى الى فرض سياساتها ورؤيتها على بقية دول العالم الا ان ثمة تساؤلات تبرز حول مدى شرعية هذا المنتدى السياسي المؤسسي ومدى معارضته دور وصلاحيات الامم المتحدة. ويتجمع زعماء دول مجموعة الثماني وسط مشاعر قلق اقتصادية وسياسية ومحاصرة محتجين عازمين على افشال القمة السنوية. ويمضي الزعماء جلساتهم في بحث ضعف الاقتصاد العالمي لكن مسئولين استبعدوا ان يلبي الزعماء نداءات بتبني مبادرة جديدة لخفض ديون العالم الثالث أو أن تتمخض عن الاجتماع خطة منسقة لتنشيط النمو الاقتصادي في الداخل. وهذه القمة لا تبدأ تحت حصار المحتجين وحسب وانما في ظل خلفية اقتصادية ودبلوماسية قاتمة. وضم رئيس جنوب افريقيا ثابو مبيكي صوته الى الاصوات التي تحث الدول الغنية على اعفاء الدول الفقيرة من الديون. وقال مبيكي لرويترز في مقابلة الخميس خلال توقفه في روما لمدة يومين «الهدف يجب ان يكون شطب الديون بالكامل». لكن مسئولا بالقمة قال ان الزعماء لن يعلنوا مبادرات جديدة لالغاء ديون العالم الثالث. وبدلا من ذلك سيركزون على مكافحة مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» ويعلنون انشاء صندوق قيمته مليار دولار لمواجهة الوباء الذي يسبب ذعرا في العديد من أكثر دول العالم معاناة من الديون وبخاصة في افريقيا. ورفضت الجماعات المحتجة الخطة ووصفتها بأنها ستار لما يرونه تقاعسا غربيا عن تنفيذ تعهدات سابقة بإلغاء الديون التي تلتهم الانفاق على الصحة في الدول النامية. وتعاني الدول الصناعية من قلق في الداخل مع تباطؤ الاقتصاد في الولايات المتحدة واوروبا واليابان. وقال رئيس الوزراء الياباني جونيتشيرو كويزومي الذي وصل الخميس قبل بقية زعماء المجموعة للصحفيين «الاقتصاد العالمي ليس في حالة جيدة في الوقت الراهن. وسيتحدث كل بلد عما يفعله لتعزيز اقتصاده». وقال مسئول كندي كبير ان الزعماء «سيقارنون» ملاحظاتهم بشأن الاقتصاد العالمي لكن من غير المرجح ان يعلنوا خطة منسقة لتحفيز النمو. ولا يتوقع أيضا أن يتخذ قادة المجموعة أية خطوات لدعم العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) الضعيفة مقابل الدولار القوي. كان الرئيس الامريكي جورج دبليو. بوش قد صرح في لندن أمس الأول بأن هذه المسألة ينبغي أن تترك للاسواق. ويقول الدبلوماسيون أنه من المرجح أيضا ألا يتم الاتفاق على أي جهد منسق لتنشيط الاقتصاد الذي يعاني من حالة من الركود في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا. غير أنه يتوقع أن يكرر القادة دعوتهم لعقد جولة جديدة من محادثات التجارة العالمية لتخفيض التعريفات الجمركية على مستوى العالم، وهي الخطوة التي يعتقد كثيرون أنها سوف تعمل على النهوض بمعدلات النمو. ومن المحتمل أن تبدأ مفاوضات منظمة التجارة العالمية بهذا الشأن في مدينة الدوحة، عاصمة قطر، في نوفمبر المقبل، وستسعى القمة إلى تخفيف حالة التوتر المتصاعدة في الشرق الاوسط والبلقان، ولكن لا يتوقع أن تخوض كثيرا في قضية الاحتباس الحراري وخطط إنشاء نظام الدفاع الصاروخي الامريكي. وينتظر أن يعلن قادة المجموعة عن إنشاء «صندوق الصحة العالمي» الذي تبلغ قيمته مليار دولار ويهدف إلى مكافحة مرض الايدز وفيروس إتش.آي.في المسبب له، والملاريا، والسل. وأملا في تخفيف الانتقادات الشعبية الموجهة للقمة، قدمت دعوة لقادة ست دول نامية إلى جانب الامين العالم للامم المتحدة كوفي عنان، لحضور محادثات. وهؤلاء القادة هم رئيس جنوب أفريقيا تابو مبيكي، ورئيس نيجيريا أولوسيجون أوباسانجو، ورئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة، ورئيس مالي ألفا عمر كوناري، ورئيس السلفادور فرانسيسكو فلوريس ورئيسة وزراء بنجلاديش الشيخة حسينة. وسوف يعرض القادة الافارقة الاربعة على الدول الغنية «مبادرة أفريقيا الجديدة» التي يعتبرها كثيرون بمثابة «خطة مارشال» لانعاش اقتصاد أفريقيا المتعثر وتحسين وضعها السياسي. وتطالب الخطة التي تبناها الزعماء الافارقة مؤخرا بزيادة الاستثمارات الاجنبية المباشرة في أفريقيا، والمزيد من المساعدات الغربية، وإتاحة فرصة أفضل لصادرات الدول الفقيرة لدخول الاسواق الغربية. على الجانب الآخر وقعت أول اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين المناوئين للعولمة أمس، وذكر شهود عيان لتلفزيون «راي» الايطالي أن أعمال عنف وقعت من جانب نسبة صغيرة مما يقدر بـ120 ألف متظاهر تجمعوا في المدينة الساحلية وبعض أفراد الشرطة والقوات شبه العسكرية البالغ عددهم 20 ألف فرد الذين يقومون على حماية القمة. وأبعدت الشرطة عددا يصل إلى مئتي شخص قاموا بمحاولة جلوس احتجاجية خارج المنطقة الامنية مباشرة حيث تجري القمة، وقد قام المحتجون بإلقاء البيض على أفراد الامن وسط صيحات. ووضعت قوات الشرطة الايطالية على أهبة الاستعداد بعد أن تعهد آلاف من المتظاهرين المناهضين للعولمة باقتحام «المنطقة الحمراء» ذات الحراسة الامنية المشددة المحاطة بسياج حديدي وحواجز خرسانية لحماية القادة خلال قمة مجموعة الثماني. وقد أضحت جنوة بلدة أشباح حقيقية بعد فرض الطوق الامني، حيث قامت قوات الشرطة والقوات شبه العسكرية بإغلاق المطار والميناء والطرق الرئيسية. وتم إغلاق العديد من المحلات تحسبا لوقوع أعمال شغب. وأشارت الانباء إلى أن مئات الالاف من السكان غادروا المدينة الساحلية خوفا من أعمال العنف التي شابت الاجتماعات الدولية الاخيرة كاجتماع قمة الاتحاد الاوروبي الذي عقد في جوتنبرج بالسويد الشهر الماضي. وتقوم مروحيات وغواصات تابعة للبحرية بطول ساحل المدينة بتعزيز الاجرءات الامنية حول فندق «جولي مارينا هوتيل» الذي سيقيم به الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، والعبارة الفاخرة «يوروبيان فيجين» التي سيقيم بها باقي زعماء مجموعة الثماني. والدول الاعضاء في مجموعة الثماني هي بريطانيا، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، روسيا والولايات المتحدة. وبعد تعرضه لانتقادات عنيفة بسبب جو الحرب السائد في جنوة، أعلن رئيس وزراء إيطاليا الذي يستضيف قمة مجموعة الثماني سيلفيو بيرلسكوني أن القمة الحالية ربما تكون آخر قمة على هذا النطاق الواسع للمجموعة. وصرح بيرلسكوني في حديث أدلى به لصحيفة «لا ريبوبليكا» «ينبغي مراجعة فكرة قمم مجموعة الثماني برمتها، وربما تكون هذه القمة هي الاخيرة من نوعها. يشار إلى أن قمم المجموعة التي بدأت عام 1975، كانت في الماضي مجرد اجتماعات غير رسمية، إذ كان القادة يجتمعون للحديث الودي. الوكالات