تشكل العلاقات الهندية الباكستانية المقياس الحقيقي لمدى الاستقرار او التوتر في منطقة جنوب آسيا، لاسباب عديدة ابرزها امتلاك الدولتين للاسلحة النووية وتعقيدات الاوضاع الجيوسياسية بهما بالاضافة الى تأثيرات القوى الخارجية ودورها في المنطقة. وعلى الرغم من وجود اسباب كثيرة للخلافات بين البلدين تفرضها طبيعة النظامين في كل من اسلام اباد ونيودلهي والعلاقات او التحالفات التي يقيمها كل منهما في العالم، الا ان مشكلة كشمير تبدو المشكلة الاكثر تعقيداً بين الجانبين باعتبارها النزاع الذي تسبب في وقوع حربين من اصل ثلاثة حروب خاضتها البلدان منذ تقسيم شبه الجزيرة الهندية في عام 1947، مما جعل هذه المنطقة محط اهتمام دولي كبير خاصة وان اندلاع شرارة الحرب في منطقة من العالم امر سهل ولكن التحكم بنتائج الحرب غالباً ما يكون غاية في الصعوبة لاسيما في حالة مثل هذه الحالة حيث تتشابك في المنطقة مجموعة مصالح اقليمية ودولية. وتجلى الاهتمام الدولي بالمشكلة الهندية الباكستانية بعد حرب عام 1947 مباشرة من خلال الدور الذي لعبته الامم المتحدة، حيث اصدر مجلس الامن الدولي في الحادي والعشرين من ابريل عام 1948 قراراً بتشكيل بعثة دولية لتقصي الحقائق واجراء وساطة بين الهند وباكستان بهدف حل نزاعهما بالوسائل السلمية، وبعد ذلك باقل من عام اصدر مجلس الامن الدولي ايضاً قراراً يقضي باجراء استفتاء حول اقليم كشمير تحت اشراف الامم المتحدة. ونزع سلاح ولاية جامو وكشمير لتسهيل الوصول الى حل سلمي وابعاد شبح الحرب عن هذه المنطقة. ومع أن رد الفعل الهندي وكذلك الباكستاني كانا ايجابيين تجاه القرار المذكور ولاسيما فيما يتعلق بموضوع الاستفتاء حول مصير الاقليم، الا ان الامور سارت على عكس ما كان متوقعاً حيث خاضت الدولتان رحى حرب اخرى في عام 1965، وهي الحرب التي فتحت الباب امام تدخل قوى عالمية كبرى في النزاع من خلال بعض المبادرات السياسية او محاولة دعم احد الطرفين سياسياً او عسكرياً. وابرز هذه القوى كان الاتحاد السوفييتي السابق الذي دفعته خشيته على مصالحه الحيوية الى الدخول على الخط ومحاولة ايجاد تسوية بين البلدين. تطور نوعي ومع ان الجهود الدولية نجحت في اقناع الطرفين بوقف اطلاق النار آنذاك، الا ان النار بقيت تحت الرماد وبدا ان البلدين يستعدان لجولة جديدة من القتال حدثت بالفعل بعد ست سنوات فقط اي في عام 1971 واسفرت عن انفصال باكستان الشرقية (اي بنجلاديش) عن الباكستان التي خسرت الحرب آنذاك وقبلت بتوقيع اتفاق شيملا في عام 1972. واذا كانت الحروب الثلاثة التي وقعت بين الدولتين بين عامي 1947 ـ 1971 قد انتهت في كل مرة الى اتفاقات لوقف اطلاق النار ومباحثات جديدة سعياً وراء تسوية سياسية للنزاع المستحكم بين هذين الجارين، الا ان اواخر الثمانينيات شهدت تطوراً غاية في الاهمية تمثل في ظهور حركة المقاومة الكشميرية ولاسيما «جبهة تحرير جامو وكشمير» التي تطالب باستقلال الاقليم والتي اعتمدت الوسائل العسكرية في نضالها. وادى ظهور المقاومة الكشميرية الى زيادة التعقيدات التي كانت قائمة اصلاً بين الهند وباكستان التي راحت تدعم المقاتلين الكشميريين في نضالهم ضد القوات الهندية. كما دفع ظهور المقاومة الكشميرية المسلحة البلدين الى السعي لزيادة تسلحهما، خاصة وان عمليات المقاتلين الكشميريين ضد القوات الهندية تسببت في تسخين الحدود بين البلدين الى درجة كانت تقترب فيها احياناً من حافة الحرب الرابعة، كما حدث خلال معركة كارجيل عام 1999. على ان التطور الابرز في مجال التسلح والسباق الذي دخله الطرفان في هذا السياق كان خلال عام 1998، عندما اجرت الدولتان تجارب نووية لم تشكل خطراً على المنطقة فحسب وانما استدعت ايضاً المجتمع الدولي للتدخل لتطويق مضاعفات الازمة، وذلك من خلال فرض عقوبات على البلدين اللذين استمرا في سعيهما الحثيث لامتلاك احدث انواع الاسلحة رغم ادعاء كل منهما برغبته في تسوية النزاع سلمياً. وبرزت في اواخر التسعينيات من القرن الماضي مجموعة ضغوط وتحركات دولية لاعادة الحوار بين الهند وباكستان كان ابرزها التحركات الامريكية التي تكثفت بشكل ملحوظ في عام 1999، حيث نجحت الدبلوماسية الامريكية في اقناع اسلام اباد بأن تجبر المقاتلين الكشميريين على ترك مواقعهم التي سيطروا عليها في جبال كارجيل، وهو امر يرى البعض انه كان احد اسباب الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال برويز مشرف رئيس الباكستان الحالي ضد حكومة نواز شريف. مرحلة الانفراج ومع ان بوادر الانفراج ظهرت في عهد نواز شريف الذي قدم في عام 1998 مبادرة تهدف الى تطبيع العلاقات مع الهند، الا ان الخطوات التي اقدم عليها برويز مشرف تبدو اكثر اندفاعاً، حيث ابدى مشرف خلال القمة التي عقدها مع رئيس الوزراء الهندي اتالي بيهاري فاجبايي خلال هذا الاسبوع استعداده لمناقشة كل قضايا الخلاف بعقل منفتح، الا ان الرئيس الباكستاني الذي يدرك مدى حساسية المشكلة الكشميرية اكد في الوقت ذاته معارضة اسلام اباد لبقاء كشمير تحت السيطرة الهندية، وذلك في وقت شهدت فيه جبهات القتال بين البلدين سخونة ملحوظة وجه خلالها كل طرف الرسائل التي يريدها للآخر سواء قبيل القمة او خلالها، مع رغبة كل من مشرف وفاجبايي في الخروج بنتائج ايجابية من محادثاتهما لاسباب داخلية هندية وباكستانية على السواء، بالاضافة الى رغبة الرئيس الباكستاني برويز مشرف القوية في اعطاء سياسته دفعاً دولياً خاصة بعد الانتقادات التي تعرض لها اثر قيامه بالانقلاب العسكري وتنصيب نفسه فيما بعد رئيساً لباكستان. وهكذا تبدو حسابات القمة في الجانب الباكستاني حسابات داخلية يسعى من خلالها برويز مشرف الى اكتساب شرعية قوية في الشارع الباكستاني الذي يتوق الى معالجة النزاع الكشميري، ناهيك عن رغبة مشرف ايضاً في فك العزلة التي خلفها الانقلاب العسكري في اسلام اباد، وذلك عبر اظهار شيء من المرونة في العلاقات مع الهند. وعلى الرغم من تمسك الطرفين الهندي والباكستاني بمواقفهما المعلقة حول الكثير من القضايا الخلافية ولاسيما مشكلة كشمير، وتأكيد الهند على رفضها مشاركة اطراف اخرى في الحوار حول كشمير وكذلك رفضها حق تقرير المصير للكشميريين. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع مشرف ان يعزز شرعيته كرئيس لباكستان عبر التوصل الى حل معقول لمشكلة كشمير ام ان هذه القمة وغيرها من الاجتماعات بين الجانبين هي مجرد محطة من محطات العلاقات المتأرجحة بين البلدين خاصة وان تمسك الطرفين بمواقفهما حول المشكلة الرئيسية في كشمير يعد احد السهام التي يمكن ان تصيب مساعي تطبيع العلاقات بينهما في مقتل؟ واذا كان من شيء يمكن اضافته اخيراً فهو ان هذه القمة ستكون ناجحة فقط اذا استطاعت ان تبقي لغة الحوار السلمي بين الطرفين، والا فانها لن تكون سوى ورقة يستغلها كل من الجانبين في حساباتهما الداخلية ليس الا. بقلم: نبيل سالم ـ كاتب صحفي فلسطيني