بعيداً عن الأجواء الإيجابية التي طغت على أعمال القمة الثنائية التي جمعت الرئيس الباكستاني برويز مشرف ورئيس الوزراء الهندي ايتال بيهاري فاجبايي في مدينة «أجرا» التاريخية جنوب نيودلهي، وما يحمله هذا المكان من خلفيات تاريخية حاول البعض دمغها بأبعاد سياسية ومقاصد أخرى اقتصادية وسياحية، وما إلى ذلك من توجسات وتكهنات. وبصرف النظر عن الرومانسيات التي يحاول البعض إقحامها في مثل هذه القضايا السياسية الشائكة والمعقدة، لا بد لنا من التذكير بأن امتلاك كلا الطرفين، الباكستاني والهندي للخيار النووي، قد غير من توجه الاستراتيجيات الدولية بشكل عام في منطقة جنوب شرق آسيا، وبمعزل عن الجغرافيا السياسية وتقسيماتها، فقد أصبح من مصلحة غالبية الدول العظمى رغم اختلاف مقاصدها، بعيداً عن الاتفاق التعاقدي أو التشاوري، العمل الجاد بهدف تخفيف حالة التوترات الدائمة التي تشهدها العلاقات الهندية - الباكستانية، بسبب تداعيات قضية جامو وكشمير الإسلاميتين منذ خمسين عاماً خلت حتى لحظة انعقاد القمة الأخيرة، واللتين تقعان تحت الحكم الهندي. أي أن امتلاك الدولتين للسلاح النووي ورغم ما عكسه ذلك الأمر على خارطة التحالفات الإقليمية والدولية من هواجس ومخاوف، إلا أن ثمة وقائع جديدة لا يمكننا تجاهلها أو إغفالها، تمثلت بمجملها في إرساء حالة من التوازن في منطقة جنوب آسيا ومحيطها الجغرافي، والذي بدوره قد خلق قناعة دولية ومحلية على مستوى الدولتين، بأنه لا مكان بعد ذلك للحلول العسكرية، أو على أقل تقدير تراجع الحل العسكري كحل سحري إلى المرتبة الثانية قياساً بما كان مطروحاً من ذي قبل .لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أنه إذا ما تعذرت كل الحلول السياسية والدبلوماسية المطروحة التي نشهدها، لن يعتمد الحل العسكري إلا بحدود الرقعة الجغرافية الحدودية، التي يمتد عليها إقليما جامو وكشمير في جبال الهمالايا، وان كل المخاوف التي تحاول أجهزة الإعلام المختلفة بثها، على خلفية فشل ثاني محاولة للرئيس الباكستاني برويز مشرف ورئيس الوزراء الهندي ايتال بيهاري فاجبايي خلال سنتين ماضيتين، وانطلاقاً من عاملي التفوق والقوة لدى الطرف الهندي تحديداً، ليس لها مكان على أرض الواقع، بغض النظر عن حالة التصعيد الحدودية التي نشهدها هذه الأيام، بين الأحزاب الاستقلالية الكشميرية، والجيش الهندي الذي يقدر تواجده في تلك المنطقة بالذات بما يساوي 600 ألف جندي. وهنا ما أردت التوصل إليه أنه منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة ودخول باكستان والهند النادي النووي الدولي بشكل قسري، بدأت الكثير من الدول المجاورة وبالتحديد الصين وروسيا، بالتفكير جدياً في محاولة خلق حالة من التقارب بين الطرفين خوفاً من التغيرات الجديدة التي أفرزتها تلك المتغيرات، والتي قد تقف حائلاً دون وصول البلدين - روسيا والصين - إلى ما يهدفان إليه في شبه القارة الهندية، باعتبارها مناخاً حيوياً لكليهما .أما اليابان فبرغم القلق الذي تعيشه بسبب امتلاك البلدين للقنبلة النووية في تلك المنطقة، وبرغم ما يتمتع به من مظلة نووية أمريكية، أصبح يعيش هاجساً لا يقل عن هواجس بكين وموسكو إزاء مصالحه وأمنه القومي. حتى أوروبا والولايات المتحدة ليستا بعيدتين عن ذات الهواجس اليابانية، لذلك تكاتفت كل الجهود الدولية لإحداث حالة من التقارب الهندي - الباكستاني، بهدف الدخول إلى حيز منع الانتشار النووي، والحد ما أمكنها ذلك بهدف وقف التجارب النووية عند الطرفين. وقد تكون مخاوف الغرب أكثر من الصين والروس مما يجري في تلك البقعة الجغرافية بالذات، بسبب بروز بعض القوى الإقليمية على خط امتلاك السلاح النووي مثل إيران على سبيل المثال لا الحصر بدعم مزدوج صيني - روسي، والذي إذا ما تحقق سيخلق إمكانيات، أو بكلمة أصح، سيفتح الباب على مصراعيه أمام بعض الدول العربية لامتلاك هذا الخيار، وسيؤمن لها سقفاً أعلى من التفاهم الإقليمي الذي بدوره سيؤمن لها أيضاً، بعداً حيوياً لدورها الاقتصادي من جهة وجيواستراتيجيا من جهة أخرى.وقد تكون زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى الهند جاءت في ذات السياق وهذا الأمر بحد ذاته إذا ما نجح على المستوى الثنائي بالشراكة مع روسيا والصين سيفشل الكثير من السياسات الأمريكية وسيحد من مصالحها هي الأخرى. لذلك وجدت مجموع هذه الدول، بمعزل عن رؤية كل طرف لمصالحه، ضرورة خلق حالة من التقارب الهندي - الباكستاني لعل ما يؤكد ذلك، العرض الذي تقدمت به الهند في أواخر شهر مايو الماضي، والذي قبله الرئيس الباكستاني برويز مشرف عبر إعلان وزارة الخارجية الباكستانية في 29/5/2001، والتي أوضحت -الوزارة - أن موافقة مشرف قد أبلغت إلى وزارة الخارجية الهندية، وهذا لم يأت من فراغ، بل جاء عبر ضغط سياسي وجهد دبلوماسي دولي. لكن من الضروري التنويه إلى أن إيران وعبر خط أنبوب الغاز الطبيعي تريد العودة مجدداً إلى فكرة التنسيق مع الهند، التي طرحها الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، حين دعا في التسعينيات من القرن الماضي إلى ضرورة إنشاء تكتل آسيوي يضم الصين والهند وإيران، وزاد عليه أخيراً مرشد الثورة الإيراني علي خامنئي ليشمل روسيا، لكن هذا الحلم بقي بعيد المنال بسبب استبعاد الباكستان التي تعتبر منافساً قوياً لإيران وحاجزاً جغرافياً، لذلك بدأت كل الأنظار بما في ذلك النظرة الإيرانية تتوجه باتجاه باكستان، لعدم القدرة على تجاهلها أو تجاوزها. وهذا الأمر بحد ذاته دفع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول وهو لا يزال في بداية عهده بوزارة الخارجية، إلى دعوة نظيره الباكستاني عبد الستار لزيارة واشنطن، ليكون ذلك أول اتصال بين الحكومتين منذ الانقلاب العسكري في أكتوبر 1999. وقد تزامن ذلك مع بعض التقارير، بالإضافة إلى تقرير معهد بروكينجز الذي دعا القيادة الأمريكية إلى تفعيل الدورات العسكرية والتدريبية للضباط الباكستانيين التي توقفت قبل عشر سنوات منذ ذلك التاريخ، بسبب خذلان الباكستان بعد نهاية الحرب الباردة والتحيز الكلي إلى الهند. ومن نافلة القول، أن مجمل السياسات الدولية كانت تنطلق فيما مضى من اعتبار أفغانستان بوابة الحل الوحيدة في تلك المنطقة، إلا أنه سرعان ما تحولت هذه الرؤية بشكل كامل، بعد امتلاك الدولتين الهندية والباكستانية الخيار النووي، وباتت ولاية كشمير هي المدخل الوحيد لخلق حالة من الأمن والاستقرار في تلك البقعة الشاسعة من العالم. خاصة إذا ما علمنا أن صراع الخمسة عقود الكشميرية هو وحده الذي دفع كلا الدولتين لامتلاك هذا الخيار، وأن ديمومة الصراع على هذه البقعة سيؤدي إلى توسيع دائرة الصراعات في تلك المنطقة، والتي قد تتوسع لتطال دولاً مجاورة أخرى، وبما يفضي إلى خلق وقائع جديدة على الأرض قد تودي بمصالح بعض الدول العظمى . بمعنى آخر أن قضية كشمير انتقلت من قضية هندية - باكستانية، باعتبارها تشكل خط التماس الوحيد بالنسبة لعسكر البلدين، إلى قضية إقليمية ومن ثم دولية، وعلى هذا الأساس بات العالم معنيا بشكل أو بآخر بالمساعدة على إيجاد آليات وحلول من شأنها أن تفض فتائل التوتر المخيف والمجهول النتائج، إذا ما بقي يتصاعد. أما فيما يخص الضغوط الداخلية، فقد رأى الرئيس الباكستاني برويز مشرف أن هذا اللقاء، خاصة بظل حالة من المعارضة الكبيرة التي أبدتها العديد من الأحزاب والقوى الباكستانية بسبب الطريقة التي جاء بها إلى السلطة وما تلتها من أشكال التنصيب التي اعتبرت غير شرعية وخارجة عن الدستور، في ظل وضع يتسم بالعديد من الأزمات الاقتصادية الحادة التي يعيشها المجتمع الباكستاني، ليوجه الأنظار المنصبة جميعها في الوضع الداخلي إلى القضية القومية الباكستانية، والمتمثلة بقضية جامو وكشمير .وعلى ما يبدو أن مشرف يمتلك -كونه عسكريا - قدرة عالية على استخدام سلاح التكتيك فبذات الطريقة الذي قاد بهداها معركته الداخلية، قاد معركته التفاوضية في الهند، وأظهر قدرة عالية في استخدام أدواته، وثبت حقيقة كان قد أرسى دعائمها قبل سنتين باعتبار أن جل المشكلة هي المشكلة الكشميرية وحسب، وهذا ما حاول تثبيته في زيارته الأخيرة للهند. أما ما يتعلق بالحكومة الهندية فهي على ما يبدو ليست أحسن حالاً على المستوى الداخلي، لأنها تعيش حالة من الضعف بسبب الأوضاع الاقتصادية، لدرجة ذهب بعض المراقبين إلى التبشير بتقديم الانتخابات البرلمانية، وأن تحالف فاجبايي بدأ يضعف نتيجة مجموعة من القضايا الداخلية، وأن الحركة التكتيكية الوحيدة لاطالة عمر حكومته، تتمثل في توجيه الأنظار الداخلية نحو القضية الكشميرية، باعتبارها قضية قومية وهو ممثل هذا الاتجاه لشرعنة حكومته من جديد، واعتبار ذلك منعطفاً في حياة حكومته، بما يؤمن له طي الملفات المفتوحة على مصراعيها .بموازاة ذلك يكون كما الباكستان قد كسب مناصفة، بعض الرشاوى الدولية المطروحة بهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية المتردية. وهنا يمكننا اعتبار أن هذه الأوضاع، قد طابقت مصالح الحكومتين الهندية والباكستانية انطلاقاً من أزماتهما المتشابهة، والذي كان سباق التسلح هو السبب الأول في إحداث هذه الأزمات البنيوية في اقتصاديات البلدين على حد سواء، لهذا السبب لم يعترف الطرفان بفشل المحادثات، واعتبار ما حصل هو محاولة أولى لفتح طاقة نور على أقل تقدير في نهاية النفق، وقد لا نفاجئ كثيراً إذا ما شهدنا في الأيام المقبلة بعض الخطوات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، بحيث يرتفع التبادل التجاري من 200 مليون دولار إلى ما قيمته خمسة مليارات من الدولارات بشكل تدريجي، وعلى اثر القمم المتلاحقة بين الطرفين، التي ستؤمن رسم حلول سياسية قادمة، رغم ما سنشهده من بعض العمليات العسكرية على الحدود الهندية - الكشميرية. بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني