قدمت قمة «أجرا» الهندية الباكستانية فرصة كبيرة للبلدين لتجاوز خلافاتهما العميقة، والبدء في مسار جديد لانهاء صراعهما الدامي والمكلف الذي ظل عصيا على كل الحلول والمبادرات الثنائية أو الدولية منذ استقلال البلدين وانفصالهما عام 1947. ومع ان الفرصة، على ما يبدو، لم يتم اقتناصها في هذه القمة، رغم حاجة طرفيها (مشرف وفاجبايي) لتحقيق انجاز ولو جزئي لتعزيز موقعيهما وحماية مستقبلهما السياسي، الا ان الاتفاق على قمة ثانية في أقل من ثلاثة أشهر، وادراك الجانبين لاستحالة الحل العسكري لخلافاتهما، خاصة بشأن اقليم كشمير ومستقبل سكانه، بعد أن أصبحتا دولتين نوويتين.. كل ذلك يوحي بأن الهند وباكستان قد بدأتا فعلا استيعاب الواقع الراهن بكل أبعاده الاقليمية والدولية وحقائقه السياسية والعسكرية، رغم حدة الخلاف الظاهري حول سير القمة وتقييم نتائجها. ومن هنا يمكن القول ان القمة كانت خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، واذا ما تلتها خطوات مماثلة فإنها ستكون بداية تحول استراتيجي كبير، ليس على مستوى البلدين فحسب وإنما على المستوى الاقليمي والدولي، بما في ذلك ـ بطبيعة الحال ـ المنطقة العربية عموما ودول الجوار العربي بشكل خاص. هذا التحول المتوقع، ولو على المدى غير القريب، يضع العرب أمام تحديين كبيرين ودرسين جديرين بالاهتمام والمواجهة. الدرس الأول يتمثل في ان مساعي حل الصراع بين الدولتين الجارتين (والشقيقتين السابقتين)، لم يكن أقرب إلى التسوية مما هو الآن، بعد أن أصبحت كل من الدولتين تمتلك قوة ردع حقيقية تجعل الطرف الآخر يعيد حساباته كثيرا ويمتنع عن القيام بأي استفزاز يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية للطرف المستفز، وربما للطرفين معا. فالسلام الحقيقي والعادل لا يمكن أن يتحقق إلا بين ندين متكافئين، بحيث يقتنع كل منهما بأن ما يحققه له السلام لا يمكن أن يتحقق بغيره. أما الدرس الثاني فهو اقتصادي، وأمني في بعض جوانبه على الأقل، فاتفاق العملاقين الآسيويين وما يحمله من امكانات شراكة اقتصادية وتنموية بينهما، ستكون له انعكاسات عديدة على كل دول الجوار، سواء فيما يتعلق بفتح أسواق جديدة لكل من البلدين في البلد الآخر، بدلا من أسواق بعض الدول المجاورة التي كانت تقوم بدور الوساطة بينهما، أو فيما يتعلق بملايين العمال الوافدين من البلدين واقليمهما إلى الدول العربية وخاصة الخليجية. ولا شك ان هذا التقارب، إذا حصل، يمكن أن يشكل دعما استراتيجيا كبيرا للعرب إذا أحسنوا التعامل معه. لكنه في كل الأحوال يمثل تحديا كبيرا لهم ودرسا يجب استيعابه قبل فوات الأوان. عبدالله اسحاق