بخلاف الحرص الذي ابداه التلفزيون الباكستاني ببثه على الهواء مباشرة صور مغادرة الرئيس برويز مشرف لباكستان متجها إلى نيودلهي، اصر المسئولون في وزارة الإعلام الهندية على عدم البث المباشر لوصول مشرف إلى مطار نيودلهي، أو مراسم استقباله في القصر الجمهوري لاسباب بروتوكولية لم يفصحوا عنها! لكن موقف وزارة الإعلام الهندية، وبعيدا عن تلك الاسباب البروتوكولية، عبر عن احاسيس قطاع عريض من القوى الهندوسية المتشددة المشاركة في الائتلاف الحاكم في نيودلهي، وكذلك قادة المؤسسة العسكرية الذين لم يرق لهم ان يبثوا للشعب استعراض الجنرال الباكستاني لحرس الشرف، واداء الجيش التحية العسكرية للرجل الذي خاض حربين ضدهم، وهندس واشرف على سير معارك كارجيل التي لقن فيها درسا قاسيا في فنون التكتيك العسكري للجيش الهندي موقعا خسائر بشرية ومادية ضخمة في صفوفه، هذه العقلية تحديدا التي ترفض ملامسة الواقع وتغمض اعينها ازاءه وتصر على البقاء في عالمها المتخيل، هي من افشل القمة. المراهنة على نجاح القمة قبل انعقادها بدا للبعض رهانا خاسرا، فالذين اعتبروا ان اجراء محادثات على هذا المستوى الرفيع بين اسلام اباد ونيودلهي بمثابة تطور ايجابي، بما تخلقه من حيز من الامل في امكانية التوصل إلى حل لاشكالية كشمير، يتجاهلون عدد من العوامل الموضعية التي تجعل من السابق لأوانة تصور قدرة قطبي الجنوب الآسيوي على حل المشكلة الكشميرية بمفردهما ودون وساطة دولية. ارضية مختلفة واذا كان الاخفاق أو الفشل هو العنوان الرئيسي للقمة، فان هذا لا يعني ان المحصلة النهائية لها «صفرية» بالنسبة للبلدين. فيبدو ان اسلام اباد قد افلحت هذه المرة في اقتناص عدة نقاط من غريمها التقليدي. فنيودلهي التي اصرت منذ انتزع الجنرال السلطة من رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا نواز شريف على نعته بالدكتاتور، والتأكيد على رفضها لاجراء مباحثات معه، ادركت حقائق الواقع وانه لا مفر من الرضوخ والتفاوض مع الجنرال الباكستاني اذا ارادت ارساء اسس سلام دائم في جنوب اسيا، وهو ما مثل نقطة في صالح مشرف الذي اظهر مهارة سياسية عالية لا تقل عن مهارته العسكرية التي كشف عنها في «كارجيل» فسرعان ما القى الكرة في الملعب الهندي بالإعلان عن استعداده لزيارة نيودلهي لفتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية بين البلدين. وربما كان حرصه على اختيار اللون الأبيض للزي الباكستاني التقليدي الذي ارتداه عند وصوله إلى الهند امرا ذا دلالة في مساعيه السياسية، بل ان حرصه على اضفاء طابع انساني على الزيارة بدا جليا في زيارته لمنزله القديم وحديثه مع احدى مربياته امام وسائل الإعلام، وجولاته مع زوجته في تاج محل، وخطواته التي بدت شديدة الثقة والاعتزاز بالنفس في وجه مضيفه الهندي اتل بيهاري فاجبايي، وهو ما يكشف ان القمة بجانب السياسة تضمنت جهودا مضنية وناجحة لتحسين صورة الجنرال في نظر الإعلام العالمي. لكن استراتيجية الجنرال مشرف تجاه احلال السلام مع الهند لم تختلف كثيراً عن استراتيجيته العسكرية التي يؤمن بها.... المبادرة باحتلال القمم الجبلية والهجوم المكثف لوضع الخصم في موضع الدفاع وبما يمكن المهاجمين من اكتساب ارضية صلبة لتطوير هجومهم مستقبلا. فالرئيس الباكستاني توجه إلى القمة وهو يعلم انه قد يكسب كل شيء اذا نجح في اقناع الهنود ببحث قضية كشمير، ولكنه لن يخسر شيء اذا ما فشل في تحقيق هدفه. فمصيره السياسي على اية حال غير مرهون بنتائج القمة بشكل مباشر، وسواء ساهم نجاحها في استقرار نظامه العسكري ام لا، فان فشلها لن يعني خسارته لاية جولة في الصراع الهندي الباكستاني. ففي اقل تقدير سيظهر الرجل غير المقبول من الإعلام الدولي باعتباره حريصاً على احلال السلام بين العملاقين النوويين في آسيا. لكن الأهم في استراتيجية الجنرال في التعامل مع نيودلهي ادراكه انه يتوجه إلى «اجرا» لعقد القمة ودرجة الاتفاق بين القيادة الباكستانية حيال هذه الخطوة اكثر اتساقاً وتوحدا من الموقف الداخلي لدى الائتلاف الحاكم في نيودلهي الذي بدا منقسماً على نفسه تجاه كيفية التعامل مع هجوم السلام الباكستاني. أسباب الاخفاق افشال القمة اذا صح هذا التعبير لا يعود فقط إلى تمسك كل طرف بمواقفه المتشددة تجاه ماهية القضايا المحورية التي يجب بحثها بل ان معرفة أسباب الفشل تتطلب فهم التركيبة السياسية والايديولوجية الحاكمة في كل من اسلام اباد ونيودلهي. فاسلام اباد لم تغير موقفها التقليدي بان القضية الكشميرية هي محور النزاع بين الطرفين والتصدي لحلها هو المدخل الأساسي لتطبيع العلاقات بين البلدين، بينما تصر الهند على ضرورة اقرار باكستان بالعمل على مكافحة الإرهاب العابر للحدود، في اشارة إلى الأعمال العسكرية التي يقوم بها المسلحون الكشميريون الذين يتخذون من باكستان نقطة انطلاق. ولا شك ان المطالبة بالحد الأقصى قبل بدء التفاوض أمر شائع ومعتاد في كافة أشكال المفاوضات، ولا يمكن التعويل عليه وحده في تفسير اخفاق المحادثات. ومن ثم كان من الضروري البحث عن أسباب الاخفاق في جوانب أخرى غير تصلب مطالب الطرفين. فالجانب الباكستاني الذي توجه إلى القمة وهو يحمل وجهة نظر موحدة للتعامل مع آفاق السلام في جنوب آسيا اتصف ببعض نقاط الضعف أبرزها تساؤل مشروع من نيودلهي عن دواعي تقديم تنازلات إلى مشرف في ظل تعهده «الرسمي» بإجراء انتخابات رئاسية في شهر اكتوبر المقبل، وتصريحه بأنه لن يتقدم للترشيح. والسؤال: لماذا لا تنتظر نيودلهي حتى تنتخب باكستان رئيسا جديدا لها، وتضع دستورا جديدا قبل الدخول في حوار طويل حول كشمير وغيرها من المواضيع الحساسة بين البلدين؟ على الجانب الآخر بدا الائتلاف الحاكم في نيودلهي منقسما على نفسه بين تيارين أساسيين أحدهما يقوده رئيس الوزراء اتال بيهاري فاجبايي، والآخر يضم مجموعة من كبار الوزراء والبيروقراطيين بقيادة وزير الداخلية ال. ك. ادواني. واذا كان من الصعب توصيف التيار الذي يقوده رئيس الوزراء فاجبايي بالاعتدال فانه على أية حال أكثر مرونة وواقعية حيال التعامل مع باكستان، اذ يدرك انه لا يمكن احراز تقدم لارساء السلام في جنوب آسيا بتجاهل قضية كشمير، ولهذا يطرح ما هو أقرب إلى «بوتقة كاملة» من التدابير لتهدئة الوضع مع باكستان، تضم بجانب التطرق إلى قضية كشمير التركيز على الموضوعات الأخرى العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها تحسين التبادل التجاري بينهما على أمل أن يساعد ذلك في نمو لوبي قوي تتطلب مصالحه تهدئة النزاع بين الجانبين. لكن هذا الجناح الذي يكاد ينحصر في رئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجبايي بمفرده يواجه بمجموعة ضخمة من المعارضين الذين يسيطرون على الجهاز البيروقراطي في وزارات الداخلية والدفاع والخارجية والاعلام الرافضين للتطرق إلى القضية الكشميرية باعتبارها قضية وطنية يعد المساس بها مساسا بصميم السيادة الوطنية الهندية. واذ يعد وزير الداخلية الهندي ال. ك. ادواني ـ من مواليد باكستان ـ المايسترو الفعلي لحركة جناح الصقور، فانه فضل أن يقف خلف الستار تاركا الساحة السياسية خلال القمة للاعبين آخرين لا يقلون عنه تشددا. وربما كانت الأزمة التي فجرتها وزيرة الاعلام الهندي شوشما سوراج بتصريحاتها بشأن مباحثات فاجبايي ومشرف في يومها الأول وانها تطرقت إلى أربعة مواضيع ذات اهتمام للهند دون أن يرد بينها قضية كشمير، قد أثارت ردود فعل غاضبة لدى الوفد الباكستاني، الذي رأى فيها محاولة لتشويه صورته أمام الرأي العام في بلاده. وقد حمل المسئولون الباكستانيون من أسموهم «اليد الخفية» مسئولية افشال المفاوضات، في اشارة إلى وزير الخارجية جسوان سينج ـ جنرال سابق بالجيش الهندي ـ الذي أدى تشدده في الصياغة الخاصة بالبيان الختامي إلى افشال التوصل إليه. ترسيخ العداوات ويظل السؤال مطروحا: وماذا بعد فشل القمة؟ من المؤكد ان بقاء القضية الكشميرية محل نزاع بين الطرفين يترك انعكاسات سلبية على المسيرة السياسية والاقتصادية لاسلام اباد ونيودلهي، لكنه في الوقت ذاته يحقق مصالح عدد من القوى الرئيسية داخل البلدين. فالمؤسسة العسكرية الهندية تجد في مواصلة العملية المسلحة للمقاتلين الكشميريين وتنامي القدرات العسكرية الباكستانية ـ والصينية بطبيعة الحال ـ مبررا جيدا للمطالبة بزيادة الميزانية، بل ان تواجد قرابة نصف مليون جندي حاليا في كشمير قد سمح للجنرالات بتحقيق مكاسب مادية ضخمة، سواء من خلال الامتيازات الرسمية التي يتمتعون بها لتواجدهم في مناطق قتال أو الكسب غير المشروع الذي يمكن تحقيقه في الأوضاع المضطربة. لكن في الوقت ذاته فان التواجد العسكري الهندي المكثف بين المدنيين في كشمير يثير حفيظة بعض العسكريين المحترفين الذين يجدون ان تقليص دور الجيش الهندي إلى جهاز شرطة متطور سيترك تأثيرا سلبيا في الأمد الطويل على المهارات العسكرية له، اضافة إلى ان الاتهامات الموجهة للجيش الهندي بالقيام بانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في كشمير تتسبب في ضغوط دولية متصاعدة على الهند لتحجيم دور العسكر في كشمير. أما على الجانب الباكستاني فان القضية الكشميرية قد عرقلت بشكل أو آخر التطور السياسي للبلاد، ومنحت المؤسسة العسكرية مبررات وطنية لانتهاك الدستور والحريات العامة. واذا كانت باكستان قادرة على دعم حرب بالانابة يشنها المقاتلون الكشميريون ضد الوجود العسكري الهندي في الاقليم، فان التكلفة الاقتصادية قد تنهك بنسبة الاقتصاد الباكستاني الذي يعاني من أزمات هيكلية شديدة، بل ان تركيز باكستان على القضية الكشميرية عبر خمسين عاما من الاستقلال جعل اسلام اباد في سجن ذاتي اعاق عمليا من تطورها. ولهذا يصعب الآن رؤية ضوء في نهاية النفق المظلم الذي تتصارع فيه الهند وباكستان حاليا، بل ان فشل القمة مثل تراجعا كبيرا لمناخ التفاؤل الذي ساد خلال الأشهر الماضية، وهو مناخ قد يصعب استعادته في القريب العاجل وخاصة مع استعداد المتشددين على الجانبين لجولة جديدة من الصراع تزيد الوضع الاقليمي تعقيدا وترسخ عداوات ما ان تتوارى قليلا حتى تعود إلى السطح أكثر حدة وقوة. بقلم: هشام بدوي ـ كاتب واعلامي مصري