ما يجري على الجانب الآخر من الخليج ليس بعيدا بأي حال من الأحوال.. فالمسرح في القارة الصفراء يعد لكي يكون ميدانا للصراع الأساسي في هذا القرن، والقوى الكبرى تتحرك، والباقون يراقبون ويحسبون، ونحن لا نتمنى لأنفسنا أن نبقى في موقف المتفرج، وأن نكون كالعادة أول الخاسرين وآخر الرابحين. وقد شهدت الأيام الماضية لقاءين هامين في هذا الصدد .. لقاء الغريمين في القارة الهندية، ولقاء القمة الصينية ـ الروسية. والحدثان ليسا بعيدين عن بعضهما، فالكل يسعى لترتيب أوراقه إستعدادا للمنافسة الكبرى التي يؤمن الجميع أنها ستحكم المنطقة لسنوات طويلة. ومهما كانت نتيجة لقاء (أجرا) بين الرئيس الباكستاني مشرف ورئيس الوزراء الهندي فاجبايي فإنه يفتح أبوابا كانت موصدة، ويبدأ طريقا لابد أن يتم استكماله. فأمريكا تدرك أن المنافسة الحقيقية ستجئ من الصين، وتخشى أن تتعافي روسيا، وأن يتوثق تحالف بكين - موسكو. والقوة الآسيوية الوحيدة المؤهلة (من وجهة النظر الأمريكية) للوقوف في وجه هذا (الخطر) هي الهند إذا إستطاعت التغلب على مشكلاتها الإقتصادية والعرقية وأنهت صراعها مع باكستان .. ليتكون منهما محور يملك القوة البشرية والعسكرية والقدرة النووية، ويستطيع أن يستكمل ـ مع أمريكا واليابان ـ الحصار على الصين التي سيزداد خطرها بالتحالف مع روسيا والصراع قادم، ونحن لسنا بعيدين عنه، بل في قلبه تماما.. خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن أطراف الصراع الكبرى تعاني النقص الشديد في الموارد البترولية.. وإن كانت أمريكا تسعى لأن يكون البترول ورقة في يدها في هذا الصراع القادم بلا محالة. إن التحديات الكبرى التي تواجه العرب .. من الجزائر.. إلى فلسطين.. إلى العراق والخليج، لا تبرر غياب إستراتيجية عربية للتعامل مع هذه المتغيرات الهائلة التي تشهدها القارة الآسيوية، والتي سيكون لها أخطر الآثار على جبهتنا الشرقية إذا لم نحسن الاستعداد لها، ونبدأ في التعامل معها بخطة محددة تراعي المصالح العربية وحدها، وتحاول ألا ينتقل الصراع إلى أرضها.. خاصة مع هذا الاختلال المروع في التكوين السكاني لدول الخليج العربية،وهو ملف إنفتح ولا ينبغي أن يغلق قبل الوصول إلى حلول تحمي عروبة هذه الدول وتدرك حجم المخاطر، وتتصرف انطلاقا من أن أمن دول الخليج هو مسئولية عربية. أولا، وأخيرا، وتستعد جيدا للتعامل الواعي مع هذه التطورات المتلاحقة فلا تكون عبئا عليها، بل حافزا لبناء موقف يعرف كيف يستقبل ريح الشرق القادمة وأقدامه ثابتة في الأرض العربية. جلال عارف