يبدأ هذا المقال باقتباس عنوان ديوان الشاعر المصري احمد عبدالمعطي حجازي والذي قصد به قسوة المدينة على الريفيين الجدد القادمين من الريف والقرى حيث التماسك والحميمية إلى مدينة لا ترحم ولا تهتم بالانسان خاصة حين لا يملك المال والجاه، ولكنني حين اطبقه على الخرطوم يأخذ المعنى عدة دلالات، اقصد أولا معنى مباشرا، فلكل مدينة مركز هو قلبها يسمى وسط البلد وهي مجال للحركة والنشاط ويمثل نموذجا مصغرا للقطر كله، أما المعنى الاخر فهو يتفق مع حجازي في قسوة المدينة وعدم رحمتها والذي يصل درجة التهميش الكامل بل والسحق. من بدهيات السياسة العمران بمضمونه الشامل الذي يتضمن البناء والتنمية، بمصطلحات اليوم وقد عرف عن الحكام والخلفاء والسلاطين الاهتمام ببناء المدن كرمز لتخليد ذكراهم بالاضافة لاظهار قوة وهيبة ومنعة الدولة، لذلك قد تكون العاصمة أو الحاضرة جميلة ومزدهرة، بينما أطرافها القريبة المباشرة في فقر مدقع وتخلف، ولكن من يرى العاصمة ـ الخرطوم يظن انها بقايا حرب عالمية أو انها قصفت قبل وقت قصير، تبدو الخرطوم وكأنها قد تعرضت لتخريب متعمد أو ان «هولاكو سوداني» قد لعب باصابعه فيها، يمكن ان تترك المدينة القديمة بحالها ولا تطور، ولكن ان تهدم وتخرب دون ان يقدم عوضا عن ذلك ما هو احسن، فهذا هو تخريب متعمد أو جهل ساحق ماحق، كان قلب الخرطوم ينبض بالحياة والجمال والنظافة بمقاهيه الانيقة المنشطة وحوانيته جيدة التنظيم والمعامله، وبشوارعه النظيفة البشوشة، وبحدائقه الودودة التي تجلس فيها ساعات طوال وفي فترات سابقة ـ قبل انتشار التلفزيون ـ كان يمكن مشاهدة التلفزيون مجانا في هذه الحدائق، وكان قلب الخرطوم يشع بمكتباته واكشاك الصحف والمجلات، وكانت مطاعم الخرطوم ترضى كل الاذواق بوجباتها الشهية، اما الخرطوم مساء فقد كانت ترتاح وتمرح في براءة أو غير براءة، ولكنها كانت فرحة وزاهية وكرمتها النسوة باطلاق اسمها على ثيابهن الخرطوم بالليل، أما الخرطوم اليوم فهي أرملة تلمح الحزن في عيونها العميقة، ويلفها البؤس والشيخوخة المبكرة وينطبق عليها بالفعل القول: عزيز قوم ذّل. رغم ان الخرطوم يديرها الوالي والمحافظون والوزراء الاقليميون والمحليات ولكنها تبدو بدون ولي أمر ومشردة حافية القدمين ممزقة الثياب، الا يتألم واليها وهي بمثابة الاب وهو يراها كل صباح وهو يشق طرقها آسف حفرها، من داخل سيارته الفارهة؟ هل رأى المسئولون مدينتهم بالنهار وبعيون مفتوحة ولم تنفطر قلوبهم حزنا أم خجلا؟ اسأل دائما لقد زار الوالي وصحبه المدن والعواصم ألم تغشاهم غيرة ونخوة؟ أصادف بعض المسئولين ـ عن بعد ـ في مدن مثل عمان الاردنية أو اقرأ عن زيارتهم لها ألم يسألوا انفسهم كيف كانت هذه العاصمة حين كانت الخرطوم في ذروة جمالها وألفها. وعمان لا تمتلك الموارد الهائلة التي تهدر في الخرطوم ولا تملك النيل الازرق والنيل الابيض والنيل العظيم، هل حقيقة لم يعقد مسئول مقارنة بسيطة بين المدينتين؟ أما انها هي الصهينة الانقاذية المعهودة لا تهتم بالنقد؟ هذا سؤال يؤرقني كثيرا أي حكومة أو سلطة أو مسئولين يهتمون بالنقد والرأي العام المضاد ويتعبون انفسهم بالرد والتعقيب الواضح والتعليق أي يضعون اعتبارا لرأي مواطنيهم في سياساتهم وقراراتهم، هذا لا ينطبق على حكام ومسئولي الانقاذ، هل هذا تعال وعنجهية لتأكيد الحكم المطلق وأن المواطنين مجرد رعايا وعلى الرعية ان ترضى بكل ما يفعله هؤلاء الذين يحكمون بالحق الالهي المقدس الذي لا يأبه اصحابه لما يسمى الشعب أو الأمة ،قال لي احد الاصدقاء بسخرية: انتم الذين تنتقدون الحكومة الحالية تنفخون في قربة مقدودة أو تؤذنون في مالطا، بالفعل هذه علاقة تحتاج لتفسير ،لا اظن ان هناك سلطة تعرضت لهذا القدر من النقد ـ من داخلها ومن خارجها ـ ومع ذلك تظل سادرة في اخطائها وعيوبها بالذات فيما يخص حياة المواطنين المعيشية وقضايا الفساد والتجاوزات يضاف إلى هذا العيب مسألة متابعة القرارات، فقد صدرت مئات القرارات وبعضها جيد ومفيد ولكن لم تنفذ، ولم يتوقف أي مسئول ليعرف اسباب عدم التنفيذ، وهذا قد يعني أنه ليس مهما التنفيذ ويكفي التحذير وبيع الاوهام. الخرطوم صبوحة الوجه في الماضي لا تستطيع تحديد ملامحها الدقيقة الرقيقة التي يغطيها الذباب والناموس والباعوض وتصرف المليارات لعلاج الامراض التي يسببها الباعوض بالذات الملاريا، وفي منتصف الستينيات اعلن السودان من قبل منظمة الصحة العالمية دولة خالية من الملاريا واتذكر جيدا، كيف كنا نرى خيام أو معسكرات العاملين في مكافحة الملاريا حين يمر القطار بمدينة سنار، أما فقد عقدت سلطات ولاية الخرطوم صلحا ومعاهدة مع الباعوض والناموس، لان قلب حكامها الحنون لا يطيق قتل الباعوض، الا توجد جمعيات الرفق بالحيوان؟ ويمكن لولاية الخرطوم ان تكون رائدة في تكوين جمعية الرفق بالحشرات ويكفينا فخراً رقة قلوب حكامنا الذين يخشون على الباعوض اكثر من خشيتهم على صحة مواطنيهم، ولا أدري هل توجد ميزانية لصحة البيئة وهل يوجد عمال مكلفون بهذه المهمة، وهل تتم محاسبتهم ومراقبتهم؟ وبالمناسبة صار للخرطوم عادات جديدة غريبة وهي ان تنام وسط المخلفات والاوساخ أي «الكوش»، وتوجد «كوش» نموذجية يمكن للولاية ان تنافس بها في أي دورة أولمبية وتفوز بكل الميداليات الذهبية لو عقدت مثل هذه المنافسة، وتتفنن الخرطوم في «تنسيق» مواقع الكوش كما برع اليابانيون في تنسيق الزهور، وهناك عقلية استراتيجية مبدعة في اختيار مواقع الكوش وللقاريء ان يقوم بجولة في قلب الخرطوم السابق واتحداه ان يستطيع التوقف لثوان في المنطقة الكائنة خلف متجر بومبي بارار وفلات ابو عاقل،ة اما منطقة ابو جنزير والجامع الكبير فهي تتميز باحدث واروع الكوش، اما مابعد حداثة الكوش فيتمتع بها الجانب الشرقي من نادي الاسرة بالخرطوم جنوب حيث يحتشد المشردون منذ الصباح الباكر لتصنيف وفهرسة المخلصات والبقاي،ا ولايخلو الامر من معارك وصراع طبقي واثنى وعمري، اذ هناك متخصصون يعرفون الاكثر دسامة ويحرمون الاخرين من الغنيمة، كما يمارس المهتمون التقسيم العرقي حسب السماح بالمزيد في كوشة محددة ومن الغريب ان صباح الجمعة هو احسن وافضل فترات التجمع وكأنهم يتخذون اليوم المقدس ويعلنون عن طقوس هذا اليوم. يقود ما تقدم الى حقيقة ان الخرطوم مدينة بلا قلب فهي لا تعطف على هؤلاء المشردين والهائمين، فهي مليئة بما تسميهم ادبيات التنمية والخدمة الاجتماعية: اطفال الشوارع، فهناك المئات من الاطفال آباؤهم الاسفلت وامهاتهم المجاري والخيران، كما تمتليء الشوارع بالباعة الجوالين من صغار السن الذين من المفترض ان يكون مكانهم الطبيعي المدارس والمعاهد او مؤسسات التدريب، هذه الغام تنتظر مستقبل المجتمع السوداني، فهؤلاء مجرمون ومنحرفون بالضرورة: القاه مكتوفا الى اليم وقال له اياك ان تبتل بالجريمة والانحراف، كما لايكفي التباكي والعويل حول الحزام الزنجي او الاسود، الكلام الذي يردده العنصريون الجدد وكأنهم من الجنس الآرى الهجرة الى المدينة او عملية التحضر والتمدن هي سيرورة او عملية اجتماعية عادية تتعرض لها كل المجتمعات المتغيرة، ولكن هناك خطط سكنية وعمرانية واقتصادية شاملة لمواجهة الهجرات الى المدن ولم تحدث مشكلات من الهجرة الداخلية الا في البلدان التي لا تملك خططا تنموية قادرة على استيعاب الزيادة السكانية وعلى تنمية الموارد، فالهجرة ليست مشكلة ولكن العيب في غياب التخطيط وفي عدم الجدية في الاهتمام برفاهية الشعب. الخرطوم مدينة بلا قلب، لان بعض المدن تخاطب القادم اليها، بشعار مثل ابتسم انت في مدينة كذا، وقد حورته ولاية الخرطوم الى شعار أدفع فأنت في محافظة الخرطوم، هناك رسوم وضرائب لاتحصى فقد عشت هذه التجربة الاسبوع الماضى بسبب احتفالات افتتاح مركز الدراسات السودانية، فهناك رسوم وضرائب تدل على الابتكار والابداع والخيال غير المحدود في استخراج النقود، وبالمناسبة لا نمانع كمواطنين من دفع اي مطالب رسمية ولكن من المعلوم ان كل ضريبة تقابلها الخدمات وهذا عرف او قانون في كل العالم وفي زمن سابق كان حق التصويت وقفا على دافعي الضرائب فقط الان الضرائب والرسوم عديدة وباهظة ولاتقابلها خدمات تبرر الدفع. كتبت هذا المقال ويحدوني الامل في اصلاح وتجميل مدينة الخرطوم، فالعاصمة هي مرآة لتطور ورقي وحضارة اي شعب، والسودانيون الذين يفاخرون كثيرا «الفينا مشهودة» يجب الا يخجلوا من محنتهم، وهذه ايضا مسئولية رسمية شعبية ولكن المبادرة حكومية ثم يأتي دور الشعب من خلال العون الذاتي والمساعدة في نظافة مدينته، والعجيب ان هناك مناطق سكنية رائعة عمرانية ولكنها تعكس الانانية وحب الذات اذ لايمتد الجمال والنظافة خارج منازلهم وعماراتهم، وقد شهدت منطقتي الطائف والرياض اثناء فيضانات عام 1989 وكانت حالة مخجلة، هذه دعوة لحملة قومية لان تكون الخرطوم مدينة بقلب كبير وجميل ونبيل، وان تعيد مجدها السابق. بقلم:د. حيدر ابراهيم علي