شهدت انتفاضة الأقصى المستمرة منذ أكثر من تسعة أشهر نمطاً جديداً في تعامل قوات الاحتلال الإسرائيلية مع فعالياتها وآلياتها المختلفة ولأول مرة منذ الرابع من نكسة يونيو 1967 تستخدم هذه القوات، وعلى نطاق واسع، الات حربية عسكرية لم يجر استخدامها من قبل. فقد صعدت دولة الاحتلال من عمليات الاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين، وبهدف القتل العمد، واستخدمت أساليب القصف الصاروخي والمدفعي من طائرات حربية مقاتلة، ودبابات ومدرعات وزوارق حربية. كما استخدم جنود الاحتلال الأسلحة الرشاشة من العيارين الثقيل والمتوسط ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وعمدت إلى استخدام الجنود القناصة والرصاص الكاتم للصوت ضدهم. وقد شملت العمليات الحربية الإسرائيلية، وبشكل مكثف المنشآت المدنية والأحياء السكنية للمدنيين الفلسطينيين، اضافة إلى العديد من مقرات الاجهزة الأمنية الفلسطينية والمراكز الاعلامية. وفي خضم هذه المواجهات والهجمات الدامية، التي اندلعت في كافة محافظات ومدن وقرى فلسطين المحتلة، منذ 29 سبتمبر 2000، تعرضت الطواقم الطبية ورجال المهمات الطبية وعربات الاسعاف وعيادات ومراكز الاستشفاء الثابتة والميدانية، إلى العديد من الانتهاكات الجسيمة التي مارسها جنود الاحتلال والمستوطنون الإسرائيليون وآلاتهم الحربية. ومما يؤكد ان هذه العمليات كانت تتم عن قصد، وضمن منهج مخطط مسبقاً، ان الاستخدام المفرط للقوة وبشكل عشوائي، لم يميز بين المدنيين، كما لم يميز أفراد المهمات والطواقم الطبية التي كانت تعمل في الميدان. وعلى الرغم من اللباس المميز الذي يرتديه هؤلاء الأطباء والممرضون والمسعفون، ورغم سهولة تمييز عربات الاسعاف، الا انها كانت هدفاً دائماً لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ولعناصر المستوطنين الذين ينتشرون في الاراضي الفلسطينية المحتلة. موقف القانون الدولي تعتبر العمليات العدوانية الحربية، التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي ومجموعات المستوطنين، ضد المدنيين الفلسطينيين في الاراضي الفلسطينية المحتلة انتهاكاً سافراً للقانون الدولي الانساني. وتصنف هذه الأعمال بالمخالفات الجسيمة، وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية السكان المدنيين زمن الحرب لعام 1949. وقد مثل استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين الطواقم الطبية وعرباتهم، شكلا من أشكال القتل العمد، والذي يندرج في إطار المخالفات الجسيمة وفقاً لما تنص عليه المادتين 146، 147. فقد حددت المواد «المادة 14 وحتى المادة 23» من الاتفاقية وجوب انشاء مناطق ومواقع للاستشفاء، بما فيها مناطق الاستشفاء الميداني الآمنة، والتي تسمح بحماية الجرحى والمرضى المدنيين الذين لا يشتركون في أية أعمال ذات طابع عسكري، وذلك في حالة نشوب الأعمال العدائية. وأكدت على منع مهاجمة المستشفيات المدنية المعدة لتقديم الرعاية الصحية للجرحى. كما تنص المادة 20 من الاتفاقية على وجوب احترام وحماية الموظفين العاملين في إدارة وتشغيل المستشفيات، بمن فيهم طواقم الاسعاف والممرضين والمسعفين الذين يقومون بنقل وإخلاء الجرحى من أماكن العمليات ذات الطابع العسكري. وتنص المادة 23 إلى التزام الأطراف السامية المتعاقدة بكفالة حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية. وقد عزز البروتوكول الاضافي الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بضحايا المنازعات المسلحة الدولية، آليات حماية رجال المهمات الطبية، وتسهيل عمليات نقل الجرحى والمصابين في مناطق الأعمال الحربية، وكرس ضرورة حمايتهم وعدم التعرض لهم بأية اعمال تسبب لهم الأذى والضرر. ويمكن تعريف الطواقم الطبية طبقا لما حدده البروتوكول الاضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف الموقعة في العام 1949، على وجه الحصر، حيث نص على انهم أفراد الخدمات الطبية والمهمات الطبية. وقد خصصت المادة الثامنة من القسم الأول «الباب الثاني من البروتوكول» للتعريف الدقيق بهذا المصطلح، حيث تنص المادة على ما يلي: «يقصد بالتعابير التالية لأغراض هذا الملحق» «البروتوكول» المعنى المبين قرين كل منها: «ج» أفراد الخدمات الطبية هم الاشخاص الذين يخصصهم أحد أطراف النزاع إما للأغراض الطبية دون غيرها المذكورة في الفقرة «5» وإما لإدارة الوحدات الطبية، وإما لتشغيل أو إدارة وسائط النقل الطبي، ويمكن ان يكون مثل هذا التخصيص دائماً أو وقتياً، ويشمل التعبير: ـ أفراد الخدمات الطبية، عسكريين كانوا أم مدنيين، التابعين لاحد أطراف النزاع بمن فيهم الافراد المذكورين في الاتفاقيتين الأولى والثانية، وأولئك المخصصين لأجهزة الدفاع المدني. ـ أفراد الخدمات الطبية التابعين لجمعيات الصليب الاحمر الوطنية «الهلال الاحمر والأسد والشمس الاحمرين» وغيرها من جمعيات الاسعاف الوطنية الطوعية التي يعترف بها ويرخص لها أحد أطراف النزاع وفقاً للأصول المرعية. ـ افراد الخدمات الطبية التابعين للوحدات الطبية أو وسائط النقل الطبي المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة التاسعة. ـ افراد الهيئات الدينية هم الأشخاص عسكريين كانوا أم مدنيين، كالوعاظ، المكلفون بأداء شعائرهم دون غيرها والملحقون: ـ بالقوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. ـ أو بالوحدات الطبية أو وسائط النقل الطبي التابعة لأحد أطراف النزاع. ـ أو بالوحدات الطبية أو وسائط النقل الطبي المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة التاسعة. ـ أو اجهزة الدفاع المدني لطرف في النزاع. ويمكن ان يكون الحاق افراد الهيئات الدينية إما بصفة دائمة وإما بصفة وقتية وتنطبق عليهم الأحكام المناسبة من الفقرة «ك». ـ «الوحدات الطبية» هي المنشآت وغيرها من الوحدات عسكرية كانت أم مدنية التي تم تنظيمها للأغراض الطبية اي البحث عن الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار وإجلائهم ونقلهم وتشخيص حالتهم أو علاجهم، بما في ذلك الاسعافات الأولية، والوقاية من الأمراض. ويشمل التعبير، على سبيل المثال، المستشفيات وغيرها من الوحدات المماثلة ومراكز نقل الدم ومراكز ومعاهد الطب الوقائي والمستودعات الطبية والمخازن الطبية والصيدلية لهذه الوحدات، ويمكن ان تكون الوحدات الطبية ثابتة أو متحركة دائمة أو وقتية. ـ «النقل الطبي» هو نقل الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار وأفراد الخدمات الطبية والهيئات الدينية والمعدات والإمدادات الطبية التي يحميها الاتفاقيات وهذا الملحق «البروتوكول» سواء كان النقل في البر أو في الماء أم في الجو. ـ «وسائط النقل الطبي» أية وسيطة نقل عسكرية كانت أم مدنية دائمة أو وقتية تخصص للنقل الطبي دون سواه تحت إشراف هيئة مختصة تابعة لأحد أطراف النزاع. ـ «المركبات الطبية» هي أية واسطة للنقل الطبي في البر. ـ «السفن والزوارق الطبية» هي أية وسيطة للنقل الطبي في الماء. ـ «الطائرات الطبية» هي أية وسيطة للنقل الطبي في الجو. ـ «أفراد الخدمات الطبية الدائمون» و«الوحدات الطبية الدائمة» و«وسائط النقل الطبي الدائمة» هم المخصصون للأغراض الطبية دون غيرها لمدة غير محددة. و«أفراد الخدمات الطبية الوقتيون» و«الخدمات الطبية المؤقتة» و«وسائل النقل الطبي الوقتية» هم المكرسون للأغراض الطبية دون غيرها لمدة محددة خلال المدة الاجمالية للتخصيص. وتشمل تعبيرات «أفراد الخدمات الطبية» و«الوحدات الطبية» و«وسائل النقل الطبي» كل من الفئتين الدائمة والوقتية ما لم يجر وصفها على نحو آخر. ـ «العلامة المميزة» هي العلامة المميزة للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر أو الأسد والشمس الأحمرين على أرضية بيضاء إذا ما استخدمت لحماية وحدات ووسائل النقل الطبي وحماية أفراد الخدمات الطبية والهيئات الدينية وكذلك المعدات والإمدادات. ـ «الإشارة المميزة» هي أية اشارة أو رسالة يقصد بها التعرف فحسب على الوحدات ووسائط النقل الطبي المذكورة في الفصل الثالث من الملحق رقم (1) لهذا الملحق «البروتوكول». أرض الواقع قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وخلال المواجهات المستمرة حتى الآن، اعتدت على الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف بطرق عدة ومختلفة وانتهكت حقوقهم في الحماية والأمان والسلامة على أرواحهم خلال قيامهم بمهامهم الإنسانية، للحفاظ على حق المدنيين في الحياة. ولم تكتف تلك القوات بعمليات الاستخدام المفرط للقوة ضد كل من يتواجد في مناطق المواجهات، والتي أدت في حقيقة الأمر إلى قتل وجرح ضحايا من رجال المهمات الطبية والطواقم المسعفة في العديد من محافظات ومدن وقرى الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومما يدل على الاستهداف الواضح لهؤلاء العاملين. كما أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النيران تجاه أفراد الخدمات وطواقم المهمات الطبية الفلسطينية، وقتلت سبعة منهم في قطاع غزة والضفة الغربية، وأصابت العشرات الآخرين بجراح مختلفة. ولم تقف جرائم الاحتلال ضد الطواقم الفلسطينية الطبية عند هذا الحد، بل تعدته لتشمل إطلاق القذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة من العيارين الثقيل والمتوسط والرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز والصوت ضد سيارات الإسعاف، وضد المستشفيات والعيادات الطبية التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، والهلال الأحمر الفلسطيني والخدمات الطبية العسكرية والمؤسسات الطبية الأهلية الأخرى. انتهاك حياة الطواقم الطبية يعتبر الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي حقاً أساسياً من حقوق الانسان المقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتنص المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: «لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه». كما تنص المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن «الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته بشكل تعسفي». وتحدد اتفاقية جنيف الرابعة، الصادرة في 12 أغسطس 1949، والخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب، حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وأعمال القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب ضد الأشخاص المحميين بموجب تلك الاتفاقية. قوات الاحتلال الإسرائيلي ما زالت تصعّد من هجماتها ضد رجال المهمات الطبية، وطواقم المسعفين وسيارات الاسعاف الفلسطينية. وحتى اللحظة لم تقم هذه القوات، أو حكومة الاحتلال، بالتحقيق في ظروف وملابسات الانتهاكات الجسيمة التي نفذها، وما زال ينفذها، الجنود والمستوطنون ضد العديد من الأطباء والممرضين والمسعفين. وهو أمر يقود إلى صدور تعليمات عليا، ربما من قيادة هذه القوات، أو على المستوى الحكومي الإسرائيلي، بالتعرض للعاملين في المجال الطبي، لترهيبهم ومنعهم من أداء مهامهم الإنسانية تجاه الجرحى والمرضى الفلسطينيين. ويدلل حجم القتلى والجرحى في صفوف الفرق الطبية العاملة في مواقع المواجهات، والأضرار الجسيمة التي تعرضت لها عربات الاسعاف، والاعتداءات المتكررة على المستشفيات الميدانية والمراكز الطبية، على عدم امتثال دولة الاحتلال لقواعد القانون الدولي الإنساني. وقد تعرض العديد من الأطباء والممرضين وسائقي سيارات الاسعاف إلى الحظر الحقيقي، أثناء قيامهم بمهامهم الإنسانية، في مناطق المواجهات التي شهدتها المحافظات الفلسطينية المختلفة. وقد أدى الاستخدام المفرط للقوة وبشكل عشوائي، من قبل جنود الاحتلال ومستوطنيه، إلى استهداف كل من كان في محيط الأحداث سواء كانوا من الطواقم الطبية أو من رجال الصحافة والإعلام أو حتى من المدنيين بمن فيهم الأطفال. ونظراً لخطورة مهام الطواقم الطبية، التي تتطلب التحرك الفوري والسريع، لإسعاف أو نقل أي جريح أو مصاب يشاهد في مكان الأحداث، فقد بادر أفراد هذه الطواقم لتقديم الاسعافات لهم. إلا أن الرصاص الإسرائيلي لم يميز بين من يحمل الشارة الواضحة والمميزة لهؤلاء الأشخاص ولسياراتهم، بل على العكس تسبب في وقوع ضحايا منهم في العديد من أماكن المواجهات، وأدى إلى اصابات مباشرة في طواقم سيارات الاسعاف من أطباء ومسعفين وممرضين وهم في ميادين المواجهات. وتدلل حادثة مقتل الشهيد بسام البلبيسي، والذي قتل على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة غزة في 30/9/2000، على الاستهداف الواضح للفرق الطبية الميدانية. وقبل قتل مسعفان من أفراد الخدمات الطبية يعملان في جهاز البحرية الفلسطينية في نابلس بتاريخ 29/9/2000، بينما قتلت القذائف الصاروخية طبيبين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة بتاريخ 15/11/2000 و10/4/2001، وقتل عنصران من أفراد جهاز الدفاع المدني عند مدخل مدينة غزة بتاريخ 20 و30/12/2000. كما أن مهاجمة قوات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه للطواقم الطبية الفلسطينية لا يعدو كونه عملاً غير مقصود، أو حادثاً عرضياً واحداً بسبب خطأ ما، وهو ما يمكن تدارك نتائجه في العمليات اللاحقة لتلك القوات. بل إن تكرار الاعتداءات على هؤلاء الأطباء والممرضين والمسعفين يؤكد حقيقة استهدافهم من قبل هذه القوات. وتشير المعطيات المتوفرة، والتي قامت مؤسسات حقوق الانسان المحلية والدولية بتوثيقها، إلى ان الافراط في استخدام القوة القاتلة ضد هؤلاء الاشخاص المحميين وضد عربات الاسعاف التي يستقلونها تعزز النية المبيتة للجنود بقتلهم وإصابتهم. وبلغ عدد حالات الاعتداء على الوحدات الطبية ووسائط النقل الطبية وأعضائها نحو 20 حالة فيما بلغ عدد الاعتداءات على المنشآت أكثر من 35 حالة حيث تعرض العديد من المنشآت الطبية والصحية الفلسطينية للاعتداءات على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وقد شملت تلك الاعتداءات المستشفيات، بما فيها المستشفيات الميدانية، والعيادات الطبية، المنتشرة في المدن والقرى الفلسطينية. ومما يلفت النظر أن تلك الاعتداءات كانت تتم، وبشكل عشوائي، خاصة خلال عمليات القصف المدفعي بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والقصف الصاروخي الذي تعرضت له معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بدء الانتفاضة. كما شملت تلك الاعتداءات قيام العديد من مجموعات المستوطنين بمحاولات الاعتداء على هذه المنشآت والتعرض لطواقمها العاملة بإطلاق النيران تجاههم مما تسبب في إصابة وجرح عدد منهم. منع دخول الأدوية تشكل اجراءات الحصار الشامل الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة خنقاً اقتصادياً واجتماعياً لسكان تلك الأراضي. وتمثل انتهاكاً جسيماً ليس لحقهم في حرية الحركة والتنقل فقط، بل تتجاوز ذلك لتمس بعدد كبير من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلاً عن حقوقهم المدنية والسياسية. وقد أدى إغلاق كافة المعابر الخارجية والداخلية إلى آثار عميقة على حياة الفلسطينيين. د. عبد الرحيم عبد الواحد: