شاهدت شيمون بيريز عن قرب مرة واحدة، وكان ذلك في الدوحة أثناء القمة الاقتصادية الشرق أوسطية. وصل الرجل الى المؤتمر متأخرا، عقد مؤتمرا صحفيا وحضر حفل استقبال، ثم بات هو نجم الجلسة الأخيرة التي راح يعدد فيها ايجابيات المسيرة السلمية والعلاقات الشرق أوسطية! وكان رأيه حينذاك أنه بالرغم من كل ما يثار من مشاكل فالمسيرة تتقدم والعلاقات العربية - الاسرائيلية، وامكانات التعاون تنمو على أي حال. كان متفائلا، وكان يتحدث كصاحب رسالة أو شيخ طريقة، هو مصممها ومنفذها وقائدها. وقد خرج بيريز من الوزارة ودخل عدة مرات، ثم كان خياره الأخير: الجلوس الى جوار خصمه السياسي، شارون. وحين تقررت زيارته للقاهرة منذ أيام، تساءلت: هل هو النفس الطويل..من جانب الرجل الذي حاول أن يحقق كل ما تريده اسرائيل عن طريق السياسة ومن خلال (الخطوة ـ خطوة..؟).. أم هو النفس الطويل من جانب الدبلوماسية المصرية التي لم ينفذ صبرها وما زالت تتحدث عن فرص سلام وفرص لقاء؟ وبكلمات أخرى: هل ما زال بيريز يأمل فيما كان يأمل فيه سابقا.. قضم الكعكة العربية دون ألم، والالتحام بالجسد العربي دون مقاومة؟.. وهل يستطيع ذلك وحليفه ورئيسه في الوزراء لا يؤمن بغير الدم، ولا يرضى إلا بإذلال الطرف الفلسطيني وإخضاعه؟ و.. على الجانب الآخر، الجانب المصري، والذي اكتفى وزير خارجيته بوصف اسرائيل أنها (دولة مارقة..) هل يأمل هذا الجانب في أي نوع من التقدم، حتى لو كان ذلك التقدم مجرد امتناع عن هدم المنازل وقتل الأطفال؟ لا أظن أن هناك أملا محسوسا، ولا أظن أننا أمام (النفس الطويل) من جانب أي الطرفين، لكننا وفي الواقع فنحن أمام (النفس الآخير). نعم.. لقد ماتت مسيرة سلام زائفة تحدثنا عنه لمدة ثماني سنوات. وقد حدثت الوفاة في نفس اللحظة التي توقفت فيها المقاومة وأسميناها عنفا وارهابا.. حدثت الوفاة ولكن على طريقة وفاة أم كلثوم التي بقيت (حية - ميتة) لمدة أسبوع كان العقل فيه قد توفاه الله، وكان القلب ينبض وكأن الحياة مستمرة.. لكنه النبض الزائف. هكذا كان حالنا ونحن نخال أننا محققون التمرير دون ازعاج للعدو، ودون ضغط عسكري أو اقتصادي أو سياسي. وقد فعلها السادات قبل ذلك، حين ذهب الى القدس متطوعا، ووقف في الكنيست دون أن يأخذ وعدا بشئ.. لكن الفارق أن السادات كان قد دخل موقعة عسكرية كبيرة في عام 1973، ومن ثم فقد ذهب وفي يده ورقة الجيش وورقة الحرب رغم أنه كان يقول: (أكتوبر.. آخر الحروب). فعلها السادات في النصف الثاني من السبعينيات، وفعلها عرفات في النصف الأول من التسعينيات.. ولكن مع فارق التوقيت جاء فارق الملابسات. الآن، يقف النظام المصري، ومعه أنظمة عربية أخرى محاولا ايقاف إراقة الدماء.. وهو أمر ذو حدين، فهو رحمة بشعب أعزل.. لكنه تهديد لانتفاضة باسلة ما زالت مستمرة، والسؤال، وقد مات السلام، ولفظ النفس الأخير على يد شارون.. كيف نتصور المستقبل؟ يتفق الكثيرون أنه لا سبيل إلا المقاومة وفتح الملف من جديد .. فالحالة: استعمار واستيطان.. والحالة: أرض مغتصبة.. والساحة شبه جاهزة لمقاومة فلسطينية واسعة، سواء داخل الأرض.. أو خارجها وضد أهداف اسرائيلية منتشرة في انحاء العالم. إنه منطق توازن الرعب بدلا من توازن القوى.. فالأخير، ولأسباب يطول شرحها لن يتحقق سواء بالنسبة للفلسطينيين أو بالنسبة لأي بلد عربي على حدة بالقياس لقوة اسرائيل. (توازن الرعب) من خلال عمليات فدائية، وضغوط سياسية، ومقاطعة اقتصادية، ومطاردة قانونية لحكام اسرائيل ومجرميها السياسيين، هذا هو الطريق. نريد قاموس التحرير، وليست كلمة معسولة وملغومة هي كلمة السلام.. فما هو موقف الأنظمة؟ أعلم أن الدبلوماسية المصرية، والتي قررت أن تستقبل بيريز، تعتقد دائما أن السياسة هي فن الممكن، وأن هناك دور وساطة وحلقة اتصال لابد أن تكون قائمة بين الاسرائيليين والفلسطينيين. أيضا فإن مصر الرسمية تساند فلسطين الرسمية.. ولابأس إن كان ذلك كسبا للوقت حتى يشتد عود المقاومة. إنه التكتيك - إن جاز التعبير - أما الاستراتيجية فهي سؤال حائر.. لا نملك منه غير تصميم شعبي فلسطيني على التضحية والفداء. و.. ما بين التكتيك والاستراتيجية.. تكتيك ايقاف الضربات الموجعة.. واستراتيجية التحرير، بين الاثنين مسافة لن نقطعها بغير تسليم بأننا في (النفس الأخير)، ولتقل لنا الحكومات العربية: (وماذا بعد..؟) كيف تحررون فلسطين يا أهل الحكمة والنفس الطويل؟ بقلم: محمود المراغي