للتعرف على واقع الكتاب العربي وقضاياه وحقوق الملكية الفكرية اجرى «بيان الاربعاء» في دمشق حواراً مع محمد عثمان سالم رئيس اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية، رئيس اتحاد الناشرين السوريين ومدير دار الفكر. ويكتسب الحوار اهمية من كونه يتم مع شخصية ثقافية مهمة تمتلك خبرة واسعة في شئون الكتاب والنشر وحركة انتقال الكتاب ومشاكله والمعارض العربية للكتاب ودورها في ايصاله للقاريء العربي. وهذه هي اجاباته عن الاسئلة التي طرحناها عليه: ـ يكثر الحديث عن ازمة الكتاب في الوطن العربي لأسباب عديدة يمثل ظهور الكتاب الإلكتروني واحدا منها؟ هل يمكن اعتبار ظهور هذا الكتاب تحدياً حقيقياً؟ وما هو المطلوب برأيك لتجاوز هذه الأزمة؟ ـ الكتاب هو الكتاب، خزانة للمعلومات والمعارف، تختزن فيها ثمرات عقول المفكرين، وتجارب الامم والاجيال، ثم تحفظ ضمن أوعية مختلفة، لتنثر بين ايدي القراء عند طلبها، وبحسب الحاجة اليها. قد تشح مصادره للمعرفة والمعلومات أو تغزر، وقد تضمر ثمرات الفكر التي يتلقفها عند كل امة أو تكبر، وقد يشتد الطلب على استرجاعها (قراءتها) في جيل من الاجيال أو يفتر، فلا يكترث لذلك. إنه حافظ أمين، يقوم بوظيفته في اختزانها وتوثيقها ووضعها بتصرف الراغبين بها، على الوجه الاكمل. أوعية المعرفة أما طبيعة الوعاء الذي يستوعب المعلومات، وشكل الخزانة التي تختزن فيها، فلا تهم الكتاب، فلقد تعددت الاوعية التي استخدمها، وتطورت عبر التاريخ البشري، ولاتزال تتطور، منذ ان انطلقت من ذاكرة الانسان «الراوية» الذي كان يحتفظ بها في الصدور، وينقلها إلى الاجيال بالمشافهة والتلقي، إلى أن انتظمت في سطور، رسوما واحرفا وكلمات، نقشت على الصخور، ورسمت على رقائق الحجارة، وكتبت على الجبس والطين، ونسخت على سعف النخيل، وجلود الحيوانات، ثم اخترع الورق بل خمسة آلاف عام، فأرز إليه، ووجد فيه ضالته ومبتغاه، وظل يستخدمه بكافة اشكاله وألوانه منذ «البردي» حتى «الشاموا» واحدث انواع الورق، ونشط النساخ في تزويد القراء بنسخ محدودة من الكتب، على قدر طاقة أيديهم على الإنتاج، إلى أن جاءت مطبعة جوتنبرج قبل خمسمئة عام، فأخذ الكتاب زخرفه، وعلا شأنه، وبلغ أوجه، وانتشر في أيدي الناس بكميات وفيرة، تتيح لهم اوسع الفرص للقراءة والتعليم. ولم يتوان الكتاب عن استخدام جميع الوسائل التي امدته بها الحضارة الحديثة، وسنة التطور، فأخذ مكانه صوتا على أشرطة التسجيل السمعية يتيح للانسان ان يسمعه مقروءا يتلى عليه، وهو يقود سيارته لمسافات بعيدة، أو صورة ناطقة على أشرطة التسجيل المرئية المسموعة، تتيح له فرصة الاستمتاع بالصورة والحركة إلى جانب الصوت، فيستحوذ الكتاب على سمعه وبصره كليهما، لا يترك له منهما فكاكا. ذرائع واهية لن يواجه الكتاب ـ في طريق رحيله ـ عن الورق، وتحوله إلى اوعيته الالكترونية الجديدة، غير تشبث الانسان بقديمه ومألوفه وعاداته، ورفضه الغبي لكل جديد، وسيتذرع لرفضه ألف حجة وحجة، وسيذرف دموع التماسيح أسفا على فراق الكتاب، بعد صحبة حميمة استمرت آلاف السنين. سيذهب الكتاب التقليدي الورقي، ويحل محله الكتاب الجديد الالكتروني ـ حتما ـ ويبقى الكتاب ـ في رأيي ـ كتابا، يتغير فيه الشكل والوعاء، ويبقى المضمون، ولا يستقر من اوعيته في أيدي الناس، إلا ما ينفع الناس، ويكون ايسر استخداما، وأقل كلفة واجدى نفعا. وسوف يتعايش الاسلوبان الورقي والالكتروني، بمقدار ما يتمكن الورقي من الانسحاب والالكتروني من الحضور في عملية اعادة انتشار تدريجية على خطين متقابلين، على نحو ما يتعايش قطارا ذهاب واياب في نقطة التقاء تبدأ صغيرة، ثم تتطابق، ثم تضمحل، ثم يتباعدان بعد ان يتبادلا تحية الوداع. وما يقال عن تعايش مشابه لتعايش الشاشة الكبيرة مع الصغيرة، والصحافة الورقية مع الاذاعة والتلفاز، فإني أراه تشبيها مع الفارق، وأنه سينقضي بانقضاء الحاجة اليه، بمعنى ان الشاشة الكبيرة ستبقى ما بقيت الحاجة إليها قائمة، وان التشبيه الاكثر تطابقا مع موضوعنا هو: تعايش وسائط النقل على ظهور البغال، مع النقل بالسيارات والطائرات، انها لاتزال متعايشة (أي موجودة بشكليها التقليدي والجديد) ولكن بأية نسبة؟! المطلوب وليس المطلوب لتجاوز (الأزمة) ـ وأنا لا أرى أنها أزمة، بقدر ما صعوبة عابرة، مثل صعوبات السفر أو الانتقال إلى مسكن جديد ـ سوى: 1ـ أن يخرج جيل الكتاب الورقي ـ الذي هجر الكتاب وتردى في أمية لحقت به منذ أن غادر مقاعد الدرس ـ من حالة عزوفه القرائي، ويتعرف من جديد على أهمية القراءة، ودورها في ارتقاء الامم والافراد على السواء، ويروض نفسه على تخصيص وقت يومي ـ مهما كان ضئيلا ـ لقراءة جادة في كتاب مختار، وان يحاول الاطلاع ـ ولو بقدر يسير ـ على أوعية المعلومات الالكترونية الجديدة، ويحاول تشغيلها، والتآلف معها، وعدم التوجس منها، حتى لا يبدو في أعين أولاده واحفاده متخلفا ومناهضا للتقدم. 2ـ ان تغير المؤسسات التربوية ومعاهد التعليم مناهجها باتجاه ثقافة الحواسب والبرامج الالكترونية، فانها ثقافة المستقبل، وان تتعجل ذلك قبل ان يفوتها القطار، فتفقد سيطرتها على الاجيال واحترامها لها. ان الاجيال القادمة، هي اجيال الكمبيوتر لا محالة، فتحت اعينها عليه، وتمرست اصابعها بنقر ازراره، وتوجيه فئرانه، واندمجت معه لعبا وتعلما، وربما هربت اليه ان لم تجد في المدرسة والبيت ما يروي ظمأها منه، هذا اذا لم يغير الكمبيوتر اساليب التعليم وانماط التعلم ويلغي دور المدرسة نهائيا، مستبدلا بها التعليم عن بعد. 3ـ ان تجتهد دور النشر في الارتقاء بعملها على مسارين: أولهما: مسار النشر التقليدي، فترتقي به في حسن الاختيار لموضوعاته، وتوضيح معاييرها في هذا الاختيار، وتغليب جانب الابداع والتجديد والاضافة العلمية، فتعدد مصادر المعرفة ووفرة انتاج المعلومات، لم يتركا مجالا للتكرار والاجترار والتقليد والمحاكاة، وكذلك تحسين تواصلها مع القاريء، وابتكار اساليب جديدة لجذبه اليها، ولفت نظره عن الوسائل الاعلامية الاخرى التي باتت اكثر اغراءً. وثانيهما: مسار النشر الالكتروني، الذي يجب ان تستعد للتحول تدريجيا اليه، قبل ان يفوتها القطار فتصبح من المهن المنقرضة التي انقضت حاجة الناس اليها الا على سبيل الفولكلور. ولست في ذلك اتحدث من فراغ، فالشركات المنتجة للبرامج «بما فيها الكتاب الالكتروني»، شركات جديدة متخصصة لا علاقة لها بصناعة النشر، بل هي تنأى بنفسها عن أن تنسب اليها، وتكون جزءا منها، وتنكر على الناشر التقليدي ان يطور نفسه باتجاه النشر الالكتروني، وترى أنهما صناعتان منفصلتان متباينتان. الرحيل عن الورق والمعلومات قد اخذت فعلا ترحل عن الورق إلى الاقراص الممغنطة والانترنت، بادئة بالموسوعات والمعاجم والاطالس، فتوقفت الموسوعة البريطانية عن صدورها التقليدي على الورق، ولحقتها لاروس وغيرها من الموسوعات الذائعة، وستتبعها معارف اخرى بعد ان تختار ازياءها واساليبها الجديدة التي ستحتال بها على القاريء لتكسر الحواجز التي اقامها دونها، وتخترق صدوده عنها. ـ من موقعك كنائب لرئيس اتحاد الناشرين العرب هل استطعتم حتى الآن ان تحدوا من عمليات السرقة الفكرية، والاحتيال التي يمارسها بعض الناشرين واصحاب المكتبات لتصوير الكتب وغيرها من الامور الأخرى؟ ولماذا لم يتم حتى الآن الاعتراف رسميا باتحاد الناشرين في سوريا؟ ـ بكل صراحة: لم نستطع ـ على الرغم من كل الجهود الخارقة المبذولة، ومن كل القوانين الرسمية الصادرة ـ أن نحد من عمليات السرقة الفكرية، فالقرصنة في مجالي النشر الورقي والالكتروني لا تزال تتفاقم وتستشري وتستعلن، ضمن ثقافة استباحة اجتماعية عامة، تصفق لها، وتشجعها، وتغض الطرف عنها، وتيسر لها سبل الكسب الحرام، والثراء الفاحش، والاستثمار غير المشروع. قراصنة النشر، لا يهتمون بالكتاب التثقيفي والتنويري الذي يوزع في طول الوطن العربي وعرضه، وعلى مئات الملايين من سكانه، نسخا لا تزيد على الالفين بل الالف، فمثل هذا الكتاب لا يستأهل ان يلطخوا ايديهم بحبره وهمومه، انهم يترقبون الغنيمة الاكثر دسما. هكذا يتلصصون على ابواب المؤسسات التعليمية الكبرى، بانتظار مناقصة دسمة تتضمن مئات العناوين، فاذا ما حانت الفرصة ـ كما هي سانحة الآن عند احدى هذه المؤسسات الكبرى ـ انقضوا على اكبرها كمية، يقدمون بها السعر الارخص، لا يكلفهم الا شراء نسخة اصلية واحدة، يدفعون به إلى التصوير، ثم يديرون بها عجلات احدى المطابع القابعة في الضواحي بعيدا عن الانظار، وربما تواروا وراء اسم لامع ليقدم باسمه العطاء، مؤكدين له قدرتهم على تزويده بسعر يوفر له فرص النجاح في منافسة غير شريفة ولا مشروعة. هدية للقرصان هكذا يحرم المؤلف من ثمرات جهده، وتقدم هدية للقرصان، وهكذا يتصيد القرصان ـ من بين مئة عنوان غامر الناشر بنشرها لسد حاجة المجتمع الثقافية ـ العنوان الذي حقق رواجا، بسبب تقريره مرجعا دراسيا، أو لكونه صادف هوى عند جمهور القراء، تاركا المؤلف والناشر يتجرعان مرارة الحرمان. وهكذا يذبح الابداع، على مرأى ومسمع من المؤسسات التعليمية والثقافية، وبتشجيع منها، فلم يستجب لدعوة اتحاد الناشرين العرب الا قلة من المؤسسات العربية، ويكافح الاتحاد (الآن) من اجل وقف تنفيذ عطاء كبير مليء بالكتب المقرصنة لاحدى هذه المؤسسات. ان قراصنة النشر لا يبالون بالابداع، ولا يتعاملون معه في اي مرحلة من مراحل انتاجه، ولا تربطهم بالمؤلفين والمفكرين والمبدعين أية علاقة، فهمتهم منصرفة إلى سرقة الابداعات المنجزة لا إلى انتاجها، غير انهم أخيرا بعد ان لاحظوا حفاوة الناس بالابداع، عمدوا إلى توظيف قرصنتهم في الابداع، فأبدعوا في القرصنة، وظهرت في الاسواق كتب ذات عناوين تجتذب بعض السذج من القراء، وتحمل اسماء دار وهمية للنشر، واسماءهم انفسهم (أي القراصنة) بصفتهم مؤلفين، مسبوقة بلقب (دكتور). وتحرك اتحاد الناشرين العرب ثانية، لقد تدكتر القراصنة، وظهر اللقب العلمي المبجل متبوعا باسم قرصان، وانطلت الخديعة على القاريء، وتتابع انتحال القراصنة للقب، ولم تنطل على الاتحاد، انه يعرف المجرمين بسيماهم، ووجه مذكرات التحذير والاستفسار عن السيرة الذاتية لهؤلاء القراصنة (المتدكترين) في أي جامعة درسوا، من منحهم هذا اللقلب؟ يبدو أن ذلك قد اصبح ممكنا في ظل ثقافة الاستباحة لحقوق المؤلف، وفي مجتمع يصفق للقراصنة، ويشكر لهم خدماتهم العظمى لتوفير مستلزمات الثقافة لهم بالسعر الارخص. كأن الثقافة لا يمكن تحصيلها الا عن طريق القرصنة!! وكأن عوز الابداع لا يمكن سده الا بالسطو على الابداع، واراقة دمه، ولعقه حتى الثمالة! وكأن شرف التمدن والتحضر والنهوض يمكن حيازته بالسرقة واللصوصية وسائر الوسائل غير الشريفة! أعود إلى ما كنت بدأت به القول: ان اتحاد الناشرين العرب لم يتمكن، برغم جهوده المضنية، ان يضع حدا لقرصنة النشر، وها هي تستفحل اكثر واكثر في ظل ثورة المعلومات وتقنيات النشر الالكترونية، وتطفح السوق بأقراص الـ (CD) المسروقة غير الشرعية، وتكاد لا تجد من بين مئة منها واحدا اصليا، فليهنأ المجتمع الذي يفرح بالسعر الارخص على حساب الابداع، فإنه اذا استمر على تشجيعه لقراصنة النشر، فلسوف لن يجد بين يديه ما يسد جوعه الثقافي، لان القراصنة لن يجدوا ما يقرصنونه بعد جنايتهم على الابداع الوطني وذبحه للوريد. اما اذا كان المجتمع الوطني سيكتفي بما يسرقه له القراصنة من ابداع المجتمعات الاخرى، ويريحه من هم الابداع واعمال الفكر، فتلك مرتبة لا يرتضيها لنفسه الا عاجز كل رضي بأن يكون مع الخوف، وقديما هجا الحطيئة الزبرقان بن بدر قائلا: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي طرق أخرى مشروعة ـ هناك بعض الكتب التي تقومون بنشرها وتحمل عناوين مهمة لكن مضمونها عبارة عن مادة صحفية في حين لديكم كتب مهمة أخرى ما هو السبب في هذا التباين في قيمة وأهمية هذه الكتب؟ ـ على الرغم من خضوع ما تقوم بدار الفكر بنشره إلى تقويم علمي وفق معايير، منها الابداع والحاجة والمستقبل وعدم التكرار، فإني لا ازعم ان جميع منشوراتنا تصدر في سوية واحدة، وقد تضطرنا بعض الاعتبارات الخاصة لتجاوز بعض هذه المعايير، غير أني مع ذلك لا اتفق معك في تهمة التباين في قيمة الكتب واهميتها، فنحن نعترف بالتفاوت لا بالتباين، وهو شأن طبيعي جدا، ولا اتفق معك كذلك في التهوين من شأن المادة الصحفية، فإن المادة الصحفية غالبا ما تكون اسبق في نشر المعلومات الجارية، لتصبح مرجعاً لها يوثقها. كما ان معايير النقد لدى القراء تختلف، وما يراه احدهم عيبا يراه آخر ميزة من وجهة نظر اخرى، ونحن في دار الفكر نعتمد كثيرا ـ في ترشيد خططنا النشرية وبرامجنا ـ على رأي القاريء، ونسعى للحصول عليه، عبر استبيانات واستطلاعات، نأخذ بها. ـ تتعدد الجهات الرقابية في سوريا مما يسهم في تعقيد هذا الموضوع ما هو المطلوب برأيك لحل هذه القضية؟ ـ سؤالك ينطوي على قبول الرقابة كأمر واقع، وحصر المشكلة في تعقيداتها الناجمة عن تعدد الجهات الرقابية، بينما المشكلة في نظري تتركز في وجود الرقابة اصلا، التي تقوم في الوطن العربي كله على افتراض قصور عقلي لدى القاريء، يتطلب تنصيب أوصياء متعددين عليه، اذا افلت من شراك احدهم، امسك به الاخر، هكذا تتداوله الرقابات بين سياسية ودينية واجتماعية، لتحول بينه وبين ممارسة دوره في الرقابة الذاتية، على اساس من الحرية المسئولة، فيمتلك حرية التفكير وحرية التعبير من جهة، ويتحمل مسئولية كلمته قضائيا واجتماعيا، من جهة ثانية. ولن اقحم نفسي في الحديث عن هموم الرقابة، وجنايتها على الابداع، واعاقتها لحركة النشر، وحرمانها القاريء من حقه في الاطلاع، وانعدام جدواها في عصر الفضائيات، وعجزها عن تطبيق قرارات المنع التي تصدرها في عصر تطور تقنيات النسخ والاتصال، وتحولها إلى اسلوب ناجح للترويج، اذ البحث عن الممنوع فطرة مركبة في ضمير الانسان. كل ما استطيع ان انصح به لحل مشكلة الرقابة، ان تنسحب من الساحة الثقافية بهدوء، فقد فات اوانها، وتجاوزها الزمن، اما اذا اصرت على البقاء سيفا مصلتا على الكلمة المطبوعة، فان شأنها سيكون كما لو انها تريد ان تثأر من الكتاب المحدود، لكرامتها التي داستها الفضائيات التي تخطت الحدود والقيود. ـ كيف تقيم ظاهرة اقامة معارض الكتب؟ ـ معارض الكتاب: وسيلة جيدة تستخدم في العالم كله من اجل تنشيط الحركة الثقافية، وتنمية عادة القراءة، وزيادة حجم المبادلات الثقافية، والاطلاع على ابداعات الشعوب، ومنجزات التقدم العلمي، وإذكاء روح الحوار بين الحضارات. وعلى الرغم من انتشار ظاهرة المعارض في الوطن العربي، والجهود التي يبذلها منظمو المعارض لتحقيق اهدافها، فان رتابة هذه المعارض، وعدم ابتكار اساليب جديدة لاجتذاب قراء جدد إلى عالم القراءة، قد حولها إلى سوق للكتاب، يقصده من اعتاد عليه من الزوار، ويقيس الناشر نجاحه برقم المبيعات، وتتخذه بعض شركات تنظيم المعارض سوقا، لا تميزه رسالته الثقافية التي يحملها عن غيره من معارض السلع الاخرى، وهكذا تطغى المصالح التجارية على الرسالة الثقافية، وتسود الرتابة والتكرار المعارض، بكل ما يترتب عليها من الف واعتياد يفقدها القها وجاذبيتها. ـ ما هو دور اتحاد الناشرين العرب في تسهيل انتقال الكتاب بين الدول العربية؟ ـ (تيسير انتقال الانتاج الثقافي العربي): عنوان لاتفاقية اقرها مؤتمر الوزراء المسئولين عن الشئون الثقافية في الوطن العربي، المنعقد في دمشق 21 ـ 23/4/1987، ووافق عليها المؤتمر العام للمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم المنعقد في تونس 19 ـ 22/12/1987، ووقعت عليها معظم الدول العربية. وقد نصت الاتفاقية على ضرورة اعفاء الكتاب من الرسوم الجمركية، ومنحه اولوية النقل بين الاقطار العربية، بتعرفات نقل مخفضة لا تتجاوز 25% من تعرفات النقل المفروضة على السلع الاخرى. ثم نصت في مادتها العاشرة على ان احكام هذه الاتفاقية لا تمس حق كل دولة من الدول الاعضاء فيها في ان تسمح أو تراقب أو تمنع وفقا لتشريعها الوطني تداول أي مصنف في اطار سيادتها. والآن ـ بعد مضي اربعة عشر عاما على هذه الاتفاقية ـ استطيع اؤكد ان المادة الاخيرة (العاشرة) المتعلقة بالرقابة وحق الدولة في منع تداول أي مصنف، هي الوحيدة التي طبقت من هذه الاتفاقية، ولعلها هي العائق الاساسي والعقبة الكؤود في طريق انتقال الكتاب بين البلدان العربية. فما الذي ترجو من اتحاد الناشرين العرب ان يفعله، بعد اخفاق الانظمة العربية كلها في تطبيق اتفاق التيسير، اكثر من ان يواصل مساعيه الحميدة لدى الانظمة، ولا يقنط من رحمة الله؟ بضاعة كاسدة ـ هناك من يقول ان من أسباب كساد سوق الكتاب وجود ازمة قاريء عربي اذا ما قورن مع القاريء الأجنبي، كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟ ـ مناهج التربية والتعليم، هي المسئولة عن غرس عادة القراءة لدى الانسان من اجل بناء مجتمع قاريء، وهي القادرة على تكوين القاريء النهم، الذي يعد الكتاب حاجة اساسية لتنمية عقله وفكره، مثلما الرغيف حاجة اساسية لنماء جسده، بل هو يشعر بان معدته محدودة اذا استقبلت من الرغيف اكثر من حاجتها اصيب بالتخمة، بينما عقله غير محدود يلتهم كل ما يقدم له من زاد المعرفة، ويقول: هل من مزيد؟ فإن هي ارادت ان تستخدم طاقتها في بناء الانسان القاريء، اقبلت عليه منذ الصغر، توسع مداركه، وتفتح له آفاق المعرفة، وتغريه بها مستغلة ما فطر عليه من حسب الاطلاع، والسعادة بالتعرف على المجهول، فتطارحه الاسئلة وتدفعه للتساؤل، ثم تضع بين يديه المراجع والمصادر، وتتركه يواجه تعب الولوج اليها، ويعاني مشقة البحث فيها، وينتابه الاحباط تارة والامل اخرى، حتى يظفر بما يريد، وتغمره السعادة بما حصل عليه بجهده وتعبه وسهره، عند ذلك ستقوم بينه وبين الكتاب ألفة ما بعدها ألفة، وسيشعر ان حياته مدينة للكتاب، وانه لا يستطيع ان يعيش من دون كتاب، يصطحبه معه كل حين، يحيى به كل وقت انتظار فيزهق ملله، ويخصه بساعات من وقته يخلوها بها معه. أما إذا ارادت ان تضرب به مثل السوء، وتذهب به خارج دورة الحضارة، فتصرفه عن عادة القراءة، وتبغضه بالكتاب، وتشغله بسفاسف الامور، فانها تعمد إلى ربطه بالمقررات، وصرفه عن المراجع، وقتل روح السؤال والتساؤل لديه، واراحته من عناء التفكير ومشقة البحث، فها هو الكتاب المقرر بين يديه، قد احتوى علم الاولين والاخرين، وما عليه الا ان يقرأه آناء الليل واطراف النهار حتى يحفظ كل حرف فيه، ويصبه في ورقة الامتحان صبا، فينال الشهادة، وتنقطع بها صلته بالكتاب، بل يصبح الكتاب ابغض شيء اليه، لانه كان الضيف الثقيل المفروض عليه، وها قد انتهت حاجته اليه، افتراه يبحث عن نظيره ليعكر عليه صفو هدوئه. والمناهج، عندما تمارس هذا الدور، تلغي كل دور لمكتبة المنزل أو المدرسة، ولحصة المطالعة، ولواجب المطالعة الحرة، ولحلقة البحث، وتصنع من الكتاب أعدى عدو للانسان. الكتاب الاسرائيلي ـ من المعروف ان هناك تفاوتا كبيرا في الكثير من المجالات بيننا وبين عدوتنا اسرائيل ومنها صناعة الكتاب والمعلومات وتسويقه مما يخلق فجوة حضارية واسعة كيف ترى السبيل إلى تضييق هذه الفجوة؟ الآن ومستقبلاً؟ ـ لا سبيل إلى تضييق الفجوة إلا باطلاق حرية الاطلاع وحرية التفكير وحرية التعبير من اسارها، والتخلص من هاجس الامن الثقافي، والخروج من ضيق احادية الفكر إلى سعة التعدد والحوار، وكسر جميع اطراف التحجر والتقوقع والجمود، والانفتاح على الآخر، فذلك هو طريقنا الوحيد للتقدم، وهو طريق المستقبل الذي يبشر به عصر المعلومات والاتصالات، سنسلكه مرغمين، ان لم نتدبر امورنا راضين ونخطط للخروج من عزلتنا. ـ المواطن العربي شغوف في مشاهدة الفضائيات مما يؤدي إلى عزوفه عن قراءة الكتب مبررا ذلك بأن الفضائيات فيها من البرامج ما يغني عن قراءة الكتاب ما مدى صحة ذلك؟ ـ لا شك ان الفضائيات بوسائطها المتعددة اكثر اغراء من الكتاب، لكنها لن تستطيع ان تجيب على كل تساؤلات الانسان، ولا ان تلبي حاجته إلى البحث المنهجي، ولا ان تمده بالمعلومة الموثقة، انها تقدم له المعلومات التي تريد، ويظل الكتاب مصدره الوحيد للمعلومات التي يريد. وربما كان تعدد الفضائيات ووفرة برامجها مما يتيح له فرصة تعدد الخيارات، ليختار ما يريد، الا انه سيواجه خطر الاندماج مع برامجها غثة أو سمينة قبل ان يقع على البرنامج الذي يريد، ولن يسلم نفسه اليها الا انسان ليس لوقته قيمة، وليس عنده برنامج للبحث أو القراءة يرتب وقته على اساسه. اما الانسان الجاد الذي يخطط لوقته، فسوف يعطي لكل ذي حق من الوقت حقه، ولا يدخل إلى الفضائيات إلا على ما يريده منها. دمشق ـ يوسف البجيرمي: