فجأة وبغير سابق انذار قرر شيمون بيريز ان يركز هجومه على السياسة السورية وان يشخصن الصراع مع زعيم حزب الله حسن نصر الله مستخدما نعوتا مثل «مجرم»، و«قاتل» و«مجرم حرب» وأخطر رجل في المنطقة». وبيريز هو رجل هذه المهام، انه وزير الخارجية عالمي النزعة، الذي يفتخر بهدوئه ورصانته وثقافته الأوروبية (هذا ما يدعيه على الأقل، ولا يوجد أي اثبات آخر على اتساع ثقافته)، انه المستر بيريز. والمستر بيريز يوزع شهادات التنور والتمدن واللياقة السياسية والسلوكية على الناس، انه صاحب القول الفصل بين الاعتدال والتطرف، وبين الارهاب والدفاع المشروع عن الذات، وغيرها من العلل والمزايا والسجايا. وهو الحكم الذي يمنح لقب «اخطر رجل» لحسن نصر الله أم لياسر عرفات أم صدام حسين أم بشار الأسد أو لأحد المتنافسين الآخرين على اللقب ـ ويدعي البعض انه في الواقع أخطر واحد في المنطقة. السياسيون المحليون والأجانب الذين يعرفونه يتهمونه بما يلي: 1ـ التآمر المستمر وعدم الاستقامة. 2ـ الكذب بشكل مرضي. 3ـ سماكة الجلد. 4ـ الرضا الدائم عن الذات. 5ـ الجمع العبثي بين انعدام الشرف وحب التشريفات. 6ـ الركض بدون كرامة من أجل مركز يعطيه كرامة... وأضيف الى هذه المزايا ميزة اخرى. 7ـ القسوة النادرة في مصارعة من يختلفون معه، واستعداده الغريزي لتبرير الجرائم ضد خصوم اسرائيل. كان شيمون بيريز كوزير وكرئيس وزارة وكشريك في السلطة مسئولا مباشرا عن سياسات شديدة القسوة ضد العرب بعيدة جدا عن السعي من اجل السلام، من المبادرة الى بناء اكثر المستوطنات اشكالية في منطقة الخليل الى مجزرة قانا التي راح ضحيتها مئات النساء والأطفال اللبنانيين، والتي اعتبرها بيريز «خطأ» تتحمل مسئوليته المقاومة اللبنانية لقرب مواقعها من مناطق سكن المدنيين. لقد حاول بيريز في عملية «عناقيد الغضب» التي ادت الى مذبحة قانا ان يثبت للرأي العام الاسرائيلي انه لا يقل «رجولة عسكرية» عن سلفه رابين رغم انه ليس جنرالا، فلم يصدقه الاسرائيليون رغم الضحايا. وقد قرر بيريز اليوم ان يوجه غضب الرأي العام «المتنور» في اسرائيل ذاتها وفي اوروبا الى السيد حسن نصر الله. و هو يلبس البدلة الاوروبية ويرطن بالفرنسية، والسيد نصر الله يعتمر العمامة ويلبس جلبابا وعباءة ويرخي لحيته ويخطب بالعربية ببلاغة وهدوء ورصانة. ولكن بلاغة وهدوء ورصانة حسن نصر الله عصية على الفهم الأوروبي لأنها عربية، ولأن صاحبها يبدو كما يبدو مخيفاً في انظارهم. والمستر بيريز يدرك هذا الانحياز القبلي وهذه الفجوة البينة لصالحه منذ نقطة البداية وقبل بدء النقاش، وهو يستغل ذلك حتى الثمالة. وفي أجواء هيمنة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية التي لابد من قبولها كتذكرة دخول للحوار الاسرائيلي الداخلي، وإلا اصبحت «عدو الشعب»، يسبح شيمون بيريز بحرية تامة. إنه يفهم تمام الفهم مقولات «كارل شميت» من عشرينيات وثلاثينيات هذا القرن ان السياسة تعتمد بالأساس على التمييز الحاسم والواضح بين العدو والصديق، ولذلك فإنه يرسم بعناية وبهدوء صورة العدو ليفهمها الأصدقاء، وذلك من أجل الانتصار على هذا العدو، أو من اجل توجيه الحقد إليه وإرخائه في جبهات أخرى. ولذلك فإنه يأخذ لنفسه الحرية الكافية ليلفت نظر مقدم البرنامج: «انتبه لقد قلنا عن نصر الله انه مجرم ولم نقل ارهابيا». يا سلام على الدقة. مساكين نحن ابناء العالم الثالث الذين يسرفون بالكلام مزاودة على بعضهم حتى يصبح التشخيص الدقيق عيبا وتخاذلا، لأن هنالك دائما من يزاود «فاتك ان تقول كذا» و«هل يريد المحاضر المحترم ان يقول ان اسرائيل مجرد دولة محتلة»، أو «مجرد عنصرية»، ولماذا لم تذكر «الامبريالية الامريكية»، وهل «الصهيونية هي مجرد حركة كولونيالية»؟.. مساكين نحن امام صناعة الكلام عن سبق الاصرار وبدقة بحيث يصبح التحول عن كلمة اخرى حدثاً بحد ذاته. يقول بيريز ان نصر الله ليس مجرد «ارهابي» بل هو «مجرم»، وينبه المذيع الى هذا الاختلاف في بيان الحكومة الاسرائيلية عن الاستخدامات السابقة لكلمة «ارهاب» ثم يضيف ان بيان وزيري خارجية سوريا ولبنان دعما للمقاومة يعبر ايضا عن دعم اجرامي لجرائم نصر الله. يعي المستر بيريز دون شك، ان كلمة «ارهابي» باتت تحمل بعدا ايديولوجيا، يجعله تعبيرا عن موقف ضد حركة مقاومة أو حركة تحرر أو غيرها، اكثر ما يجعله تعبيرا دقيقا عن واقع. ولذلك فهو يبتعد عن مصطلح «الارهاب» هربا من الاشكالات الايديولوجية التي بات يثيرها في الشرق والغرب على حد سواء ويتوسل بدلا منه مفهوما يوميا انسانيا عاديا لا يثير مثل هذه الاشكالات وهو مفهوم «الاجرام». ليس كل الناس ضد «الارهاب»، و لكن كل الناس ضد «الاجرام». يزور بنيامين بن اليعازر تركيا في الفترة ذاتها، ويطالب الاتراك بإقناع سوريا بالعودة الى المفاوضات.. (ولم يجد بن اليعازر سوى تركيا لإقناع السوريين!!!) وشارون يزور الجولان ويطالب بتكثيف الاستيطان ووزارة بيريز تقرر (هكذا في جلسة!!) تكثيف حملة الدعاية ضد سوريا وضد رئيسها الدكتور بشار الأسد في محاولة لإفشال زيارته الأوروبية!! هكذا يقرر طاقم خاص في الخارجية الاسرائيلية، وقرارات هذا الطاقم التآمرية ترشح (من ذاتها) الى «معاريف» و«هآرتس». وبكلمات أخرى يفهمها الناس: وزارة خارجية السياسي الأوروبي المتنور شيمون بيريز تتآمر لإفشال سياسات الاصلاح السورية بالانفتاح على أوروبا.. هكذا يخطط السياسي المنفتح بيريز. وما دام بشار الأسد «عدونا» فالأفضل ان تفشل سياساته الاقتصادية والادارية الاصلاحية.. فالتنور ليس هدفا في عرف هؤلاء «المتنورين»، بإمكان الصديق ان يكون متخلفا وديكتاتورا ورجعيا، وبإمكان العدو ان يكون متنورا وحداثيا واصلاحيا.. السؤال هو لمصلحة هذا معنى فلسفة كارل شميت الاوروبية وهذه سياسات شيمون بيريز المقبولة في تلك الاصقاع. ولمصلحة اسرائيل ان يسمى حسن نصر الله حاليا مجرما. ولولا عنصر المصلحة السياسية الباردة والجافة والقاسية التي لا ترحم لاعتبرنا الاهتمام بالكلام والعناية بانتقاء الكلمات شأنا غيبياً كالسحر الذي يؤمن بقوة الكلام على اعادة تشكيل الاشياء. ومن هنا التطير واستشعار الشر من ذكر الموت امام الاحياء بدون استدراك، أو ذكر ما يعتقد انه نجس بدون التأكيد على بعده عن السامعين.. وهكذا.. ولكن شيمون بيريز يؤمن بسحر من نوع آخر.. انه سحر الخطاب السياسي، والاعلام، والآراء المسبقة، والغرائز السياسية وتوجيهها، وتصوير صورة العدو، ليصبح هو الشر بعينه، فيخرج من دائرة الحوار والنقاش الى منافي النبذ والادانة. سيجد أي باحث متوسط دون كبير جهد وعبقرية ان سياسات بيريز مسئولة عن قتل اعداد اكبر من المدنيين، العرب واليهود، من سياسات المقاومة اللبنانية.. وسيتوصل الباحث الى هذه النتائج غير المؤهلة ذلك حتى لو لم يميز بين عنف المحتل وعنف الواقع تحت الاحتلال.. فماذا نقول نحن الذين لا يمكن ان تحررنا جهودنا العلمية البحثية من التمييز بين عنف المحتل وعنف الواقع تحت الاحتلال؟لا تبحث المقاومة اللبنانية عن شرعيتها في الرأي العام الاسرائيلي أو الأوروبي، ومع ذلك لم يعد صعبا فضح بيريز حتى في اسرائيل وفي أوروبا والمطلوب بذل بعض الجهود الصادقة. بقلم: د. عزمي بشارة